وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

انتصار الهامش (2)

انتصار الهامش (2): مفتاح العماري يكتب: انتصار الهامش (2)

الرواية العربية وجدل البدايات
من أرض النيل تبدأ حكاية شهرزاد الجديدة. لكن قبل أن نقتفي أثر المخيلة، علينا أولًا إلقاء نظرة سريعة حول فرضية صعود الرواية على أنقاض الشعر. الشعر الذي ظل، حتى مطلع الربع الأخير من القرن العشرين، من أهم ما نملك، باعتباره وسيلة التعبير الأكثر مركزية في الإبداع الكتابي. وقد هيمن طويلًا على مدونة الأدب العربي، إلى حدٍّ أصبح فيه مرجعًا موسوعيًا لأمة الضاد. وعلى مدى قرون طوال في تاريخ ثقافتنا العربية، كان ظهورُ شاعرٍ أصيلٍ يُعد حدثًا يُحتفى به. لكن ما لبث هذا التقليد أن تلاشى تمامًا، حتى لم يعد الشعر العربي، من فرط عزلته، يقبض على شيء سوى المزيد من الازدراء.

تُعد فرضية صعود الرواية العربية على أنقاض الشعر، من بين الاحتمالات المرجحة في توصيف هذه الظاهرة. وهي، بقدر ما تشي بجزء من حقيقة تقويض صرح الشعر العمودي، الذي، كما يبدو، قد وصل إلى درجة عالية من الهشاشة، بحيث أخذ بنيانه يتداعى بكل يسر إزاء تلك المعارك التي كان، من جهة، يخوضها توهمًا ضد نفسه، ظنًا منه أن «قصيدة النثر» فرعٌ من سلالته. وكانت تلك من أكبر مثالب وحماقات خدع التأصيل، التي ما زالت، حتى يومنا هذا، تخوض معاركها المضادة مستخدمة الأسلحة والمواقع نفسها، مع تكرار فج لمعظم الحجج والأسانيد التي لطالما عبّرت عن مستويات من العمى. لأن «قصيدة النثر»، التي اتُّهمت، من جهة أخرى، بالمروق، لم تكن في جوهرها سوى نوع مستقل، لا علاقة له بالشعر العربي، لا من قريب ولا من بعيد.

والذين انتبهوا إلى هذه الحقيقة كانوا أكثر تبصرًا وفهمًا لهذه الظاهرة، التي مهدت، عبر معاركها الأولى، بطريقة غير مباشرة، لصعود الرواية، باعتبارها (أي الرواية) أقدر من الشعر على الإحاطة بمتطلبات الواقع. علاوة على كونها هي الأخرى جنسًا أدبيًا وافدًا، سيخضع، بالمثل، لحماقات التأصيل نفسها، التي ستعتبره امتدادًا لأدب المقامة العربية، و«ألف ليلة وليلة»، وغيرها من حكايات الأدب الشعبي.

السؤال الأكثر حيرة هو: إلامَ يُعزى هذا الانتقال التراتبي من الشعر إلى الرواية، من لسان العرب إلى مدونة العرب؟ وقد بلغت الرواية درجة عالية من التدفق، لتجرف كل ما يقع في طريقها من فنون وآداب، وتتبوأ، دون منازع، صدارة المشهد الأدبي، بوصفها السردية الأدبية الكبرى في لحظتنا الراهنة. سؤال ملح، يطمح إلى ملامسة العوامل المؤسسة لصعود الرواية العربية، والتي، كما أرى، هي أشمل من أن تُحصر في حيز محدود، سواء أكان سياسيًا أم اجتماعيًا، ولا سيما أن انحسار تداول الشعر، بالمقابل، كان يشكل، في اللحظة ذاتها، ظاهرة عالمية أخذت مؤشراتها تظهر بوضوح مع شيوع ثقافة العولمة، لتترسخ بدرجة أكبر مع مطلع ألفيتنا الثالثة.

مما تقدم سنميل إلى ترجيح انحراف كفة اللغة، كعامل أساسي، في ظهور نوع أدبي واختفاء آخر؛ ليس بوصفها (أي اللغة) المادة الخام لفضاء المتخيل السردي فحسب، بل في مدى قدرتها الفائقة على حسم إشكالياتها الداخلية أولًا، من حيث تقويض كل ما هو لاهوتي وأرستقراطي في مكوناتها الأسلوبية، ومن ثم إدماج المهمل والمُزدرى من أنماط التعبير، بحيث يغدو الدميم والفج والساخر والبذيء جزءًا حيويًا من نسيجها الحي، وشريكًا فاعلًا في تأثيث الجمال، عبر ضخ المزيد من الدماء الحارة في أوردتها. نشير هنا بصورة خاصة إلى إدماج لغة كلام (الهامش) ضمن نسيج السرد.

بالعودة إلى منتصف القرن العشرين، يمكننا رصد كيف بدأت لغة الشعر، للأسباب نفسها التي تتعلق بتحلل بعض الأنواع الأدبية، كالمقامة على سبيل المثال، في التراجع، جراء أزمة انهيار قصوى، برزت في أثنائها مظاهر خادعة لثورة شعرية، تمخض عنها بروز أشكال جديدة في الكتابة الشعرية، بينما، في الحقيقة، لم تكن تلك المظاهر سوى مؤشرات البداية لانتكاسة النوع الشعري بكل أشكاله الفنية. وإن ظلت «قصيدة النثر» على الركح تؤدي، توهمًا، دورًا عبثيًا، لكنها، في الحد الأدنى، ولمجرد مفارقة التسمية: «قصيدة النثر»، كسيمياء تجمع بين نقيضين في عبارة واحدة، ستخضع لهجمات شرسة من السخرية المضادة، لتجعل منها، حتى يومنا هذا، عرضة للتنكيل المستمر.

لكن اللافت للانتباه أنه، خلال استمرارية الجدل بين الحقلين: الروائي والشعري، لم يبدر عن أنصار الشعر التقليدي أي اعتراض إزاء استخدام عبارات من شاكلة: شعرية الرواية، شعرية العمارة؛ خلافًا لموقفهم من التضاد الناجم عن وسم «قصيدة النثر». ربما لأن نثر الشعر فيه مساس بلغة الضاد، كلغة مقدسة، ارتبطت بالقرآن الكريم، الذي، كما يذهب عديد من المحللين، لن يحتفظ بنفس دلالاته لو نُقل إلى اللغات الحية الأخرى. هذا الضرب من الذود عن اللغة غالبًا ما كان يُثار من أجل قصيدة لم تعد حاضرة كقيمة ثقافية وجمالية بشكليها: (عمودًا، ونثرًا). لذا كان لا مناص من تهشم صنمية اللغة، عبر تحريك المستضعف والهش والمُغفل من هامشها، وإعادة تدويره كمخزون حي يُعوَّل عليه.

وهكذا، لا يعد من المصادفة في شيء أن تشهد ضفاف النيل مشروع صعود الرواية العربية، طالما يُعزى الأمر إلى توفر جملة من الشروط الموضوعية، التي كانت المحرض، في عام 1914، وراء إصدار رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، كمحاولة بدت خجولة في حينها لتدشين صرح البدايات. حيث لم تسلم هذه المغامرة من مظاهر الحياء إزاء جنس أدبي غير مرحب به، مما حدا بالكاتب إلى أن يُغفل وضع اسمه على غلاف الطبعة الأولى، مكتفيًا باسم إشاري: «بقلم فلاح مصري».

كذلك حاول التحايل على تمويه هويتها عبر إضافة عنوان فرعي شارح هو: «مناظر وأخلاق ريفية»، وذلك خشيةً منه، كمؤلف، على مكانته السياسية والمهنية، باعتباره سليل عائلة مرموقة وثرية. وحسب تعبير جابر عصفور في كتابه: «زمن الرواية»، فإن المؤلف كان يتحاشى «أن يُعرف بصفة كتابة -الروايات- التي يكتبها ويطالعها من لا مكانة لهم بارزة في القوم، والتي لا تستخدم إلا في التسلية والتفكه وإضاعة الوقت الفارغ».

في خريف 1945 كتب نجيب محفوظ أن سيادة الشعر ارتبطت بأزمنة الفطرة والأساطير، بوصفه شكلًا من أشكال التعبير القديمة التي لم تعد تتماشى مع عصر العلم والصناعة والحقائق. وقد رأى في القصة أكثر مواءمة وترجمة لظواهر المجتمع، ليطلق عليها وصف: «شعر الدنيا الحديثة».*

حتى ذلك الحين، لم يكن لأدب القصة القصيرة أي حضور فاعل، وإن بدأت في مصر تعلن عن نفسها من داخل نسيج الرواية التاريخية أو الاجتماعية. وكان لنجيب محفوظ الدور المؤسس لرواية عربية ناضجة جماليًا، ظلت تتشكل يومًا بعد يوم، لتنقل المتخيل السردي من الهامش إلى المتن.

صحيحٌ أن الشعر ظل، حتى أواخر ثمانينيات القرن العشرين، صاحب الحصة الأوفر من مظاهر الاهتمام والاحتفاء، سواء من حيث حظوظ الإصدارات، أو الملتقيات والمهرجانات المنتظمة، فضلًا عن مناسبات التكريم، كالجوائز وغيرها. وكان فحول الشعر العمودي، أو رواد الحداثة من الجيلين الأول والثاني، في تياري شعر التفعيلة وقصيدة النثر، هم نجوم مشهدنا الثقافي.

الآن لا أظن أن قصيدة الجواهري، أو أدونيس، أو محمود درويش، ما زال في مكنتها الاحتفاظ بنفس تأثيرها الوجداني والمعرفي. ولعلنا بعد قليل سنعثر على إجابة شافية، فيما انطوت عليه الرواية العربية، خلال مسيرتها القصيرة نسبيًا، من مآثر وأسرار.
* جابر عصفور، «زمن الرواية»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.

الجمعة، 17 يوليو 2026

أ. خليفة عبد السلام أحمد شفتر: آلايات الإبداع ووسائل الإقناع في قصيدة النثر عند مفتاح العمّاري

 

المقدمة                                                 

       تعد قصيدة النثر في المشهد الشعري العربي المعاصر تحولا ً جذريا ً في بنية الوعي الجمالي، حيث لم تكتف ِ بالتمرد على األطر العروضية التقليدية، بل سعت لإبتكار نظام إيقاعي داخلي يعتمد على كثافة الصورة وتوتر اللغة،وفي هذا السياق، تبرز تجربة الشاعر الليبي "مفتاح العماري" كأحد األصوات التي استطاعت تطويع هذا الجنس األدبي لخدمة قضايا وجودية ووطنية كبرى؛ فاإلبداع لديه ليس مجرد ترف فني، بل هو عملية توليد مستمرة للغة والصورة والمعنى في آن واحد. إن اإلبداع في منجز العماري الشعري يتجلى في قدرته الفائقة علىأنسنة األشياء وتحويل المادي (التراب، الأرض، الوطن، الأصل) من كينونة ساكنة إلى كائن حي مشحون بالرغبة والعطش؛ غير أن عطشه ليس مائياً، بل هو عطش وجودي للحرية والعدل والحياة الحقيقية. وتنبني هذه التجربة على آليات جمالية تحاول إقناع المتلقي عبر "صدمة الحداثة"وتجاوز المألوف اللغوي، مما يجعل النص فضاء ً مفتوحا ً على التأويل. 

________   للمزيد افتح الرابط 

https://jshd.com.ly/index.php/jshd/ar/article/view/59/53

أ. فضة الشارف - حركة ابتناء الصوة ( شعر مفتاح العماري) قصيدة اخطاء نموذجا

 

مجلة علوم التربية

الرابط:

https://educational-sciences-journal.lacts.org.ly/esj/index.php/esj/article/view/230/202

مهنَّد سليمان - يكتب: حوارية نقد الرواية الليبية تستعرض تحولات السرد وأسئلة النقد

 متابعات

حوارية نقد الرواية الليبية تستعرض تحولات السرد وأسئلة النقد

حوارية بعنوان “نقد الرواية الليبية”

احتضن بيت علي خليفة الزائدي للمقتنيات الكشفية بالمدينة القديمة مساء يوم الثلاثاء 14 يوليو الجاري ضمن فعاليات ليالي المدينة – الموسم الصيفي 2026، حوارية حملت عنوان “نقد الرواية الليبية”، نظمتها منظمة تفاصيل، بمشاركة الشاعر والكاتب مفتاح العماري، والناقد محمود ملودة، والشاعر والناقد عبد الحفيظ العابد، فيما أدارت دفة الحوار الكاتبة أحلام المهدوي، وسط حضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.

استهل الشاعر والكاتب مفتاح العماري مداخلته بالحديث عن التحولات التي شهدها المشهد الأدبي العربي، متوقفًا عند انتقال مركزية التعبير الإبداعي من الشعر إلى الرواية، معتبرًا أن الشعر، الذي ظل لقرون طويلة المرجعية الأبرز في الثقافة العربية، فقد تدريجيًا مكانته وهيمنته، وهي ظاهرة لا تقتصر على العالم العربي، بل ترتبط أيضًا بتحولات عالمية فرضتها العولمة وتغير أنماط التلقي الثقافي.

وأوضح العماري أن صعود الرواية لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية واللغوية، مشيرًا إلى أن اللغة تمثل العنصر الحاسم في تشكل الأجناس الأدبية، وأن الرواية استطاعت استثمار الحكاية بوصفها نواة أساسية لبناء النص السردي، في وقت شهدت فيه اللغة الشعرية تراجعًا ملحوظًا، حتى مع بروز أشكال جديدة كقصيدة النثر التي ما تزال تثير جدلًا نقديًا واسعًا.

كذلك توقف العماري عند أهمية اللغة الدارجة والشعر الشعبي الليبي بوصفهما خزّانًا غنيًا بالصور والتراكيب والمجازات، مؤكدًا أن الرواية الليبية استفادت من هذا الرصيد اللغوي في بناء خطابها السردي وتعدد أصواتها، وأن اللغة في الرواية ليست مجرد أداة لنقل الأحداث، وإنما عنصر تعبيري يكشف موقف الكاتب ويمنح النص أبعاده الجمالية والإنسانية. وانتقد في سياق حديثه بعض المشروعات الثقافية التي تُوجَّه إليها إمكانات كبيرة دون أن تحقق أثرًا معرفيًا حقيقيًا، مؤكدًا أن ذلك يعكس اختلالًا في ترتيب الأولويات الثقافية.

من جانبه، انطلق الناقد محمود ملودة من العلاقة بين الأدب والعمل، مستندًا إلى ما طرحه رينيه ويليك في كتابه نظرية الأدب، موضحًا أن الفنون والآداب تنشأ من طبيعة حياة الشعوب وأشكال إنتاجها، وأن الشعر العربي ارتبط تاريخيًا ببيئة العمل الصحراوية، بينما ارتبطت الفنون في مجتمعات أخرى بطبيعة أنشطتها اليومية.

كما فرّق ملودة بين السرد بوصفه ظاهرة إنسانية قديمة، والرواية باعتبارها جنسًا أدبيًا حديثًا، مبينًا أن السرد كان حاضرًا في الشعر والقرآن والأساطير، وأنه ارتبط بالتعبير عن الذات والفردانية، قبل أن تتبلور الرواية في أوروبا مع نشوء الطبقة البرجوازية، وهو ما تناوله عدد من المنظرين، وفي مقدمتهم ميخائيل باختين.

ورأى أن ظهور الرواية العربية ارتبط ببروز الطبقة الوسطى بعد الحرب العالمية الثانية، كما ربط تطور الرواية في العالم العربي والعالم الثالث بانتشار السينما، معتبرًا أن العلاقة بين الفنين كانت وثيقة، إذ وفرت السينما نموذجًا بصريًا أسهم في تطور الكتابة السردية.

وتناول ملودة مسار الرواية الليبية، متوقفًا عند تأثرها بالتيار الوجودي عقب الهزائم العربية، ثم التحولات التي أعقبت عام 1969، مشيرًا إلى أن عددًا من الكتّاب توقفوا عن الكتابة أو أعادوا توجيه موضوعاتهم بما يتوافق مع التحولات السياسية والثقافية. كما لفت إلى أن الرواية الليبية عانت من غياب المشاريع السردية طويلة الأمد، وهيمنة التجارب الفردية القصيرة، إضافة إلى التحديات الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تؤثر في حرية الإبداع وتلقي الأعمال الروائية، فضلًا عن ضعف الثقافة القرائية وسيادة الأحكام المبنية على السماع بدل القراءة.

بدوره، ركز الشاعر والناقد عبد الحفيظ العابد على واقع النقد الأكاديمي للرواية الليبية، مؤكدًا أن المناهج النقدية الحديثة ليست غريبة عن قراءة الرواية الليبية، بل إن الطابع الإنساني للعمل الإبداعي يجعلها قابلة للاستفادة من مختلف المناهج النقدية المعاصرة.

واستند العابد إلى مفهوم “الرواية الإجرائية” الذي طرحه الدكتور عبد الله العقيبي، ليطرح في المقابل مفهوم “النقد الإجرائي”، موضحًا أن كثيرًا من الدراسات الأكاديمية تلتزم بالإجراءات الشكلية للمناهج النقدية، لكنها تعجز عن إنتاج معرفة حقيقية بالنص الروائي، إذ تكتفي بحشد المصطلحات وإعادة سرد الحكاية دون تقديم تحليل نقدي عميق.

وتابع العابد بقوله : إن معظم الدراسات الأكاديمية حول الرواية الليبية تتناول المناهج البنيوية والسيميائية والسردية بوصفها عناوين عامة، لكنها لا توظفها توظيفًا معرفيًا حقيقيًا، كما انتقد استمرار بعض القراءات التي تتعامل مع الرواية بوصفها مجرد انعكاس مباشر للواقع، معتبرًا أن هذا التصور تجاوزه النقد الحديث منذ عقود، خاصة بعد الإسهامات التي أعادت النظر في مفهوم العلاقة بين الأدب والواقع، وأكدت استقلالية النص الأدبي وآلياته الخاصة في إنتاج المعنى.

اللافت أن الحوارية قد شهدت نقاشًا مفتوحًا بين المشاركين والحضور، تناول واقع الرواية الليبية، ومستقبل النقد الأدبي، وأهمية تطوير أدوات القراءة النقدية بما يواكب التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي، في إطار سعي فعاليات ليالي المدينة إلى تعزيز الحوار حول قضايا الفكر والإبداع، وإثراء المشهد الثقافي الليبي.


الثلاثاء، 14 يوليو 2026

مفتاح العماري يكتب: حكاية ليبية

 

من شواطئ حوض المتوسط إلى ضفاف نهر التايمز، أُتيح للحكاية الليبية أن تسافر من لغة إلى أخرى. هذا ما فعله الكاتب الشاب «يونس محجوب»، حين طوع لغته الإنجليزية لإعادة إنتاج مختارات من حكاياتنا المحلية. ليبادر والده الشاعر والباحث «منعم المحجوب»، من بعد، بنقلها مجددًا إلى العربية تحت وسم «بلاد اليميم»، وقد زودني، مشكورًا، بنسخة من المخطوطة المعربة.

ولأن كل شيء في هذا العالم يبدأ بحكاية، سيكون المرء أكثر فاعلية وحضورًا وانسجامًا مع نفسه ومحيطه الاجتماعي، عندما يبني حكاية تخصه بهيئة كلمات تُروى. فعبر الحكاية ينجم قدر من التحقق للراوي والمتلقي في آن واحد. لكن ما سر ارتباط هكذا نشاط بالليل، حيث تبدو أجمل أوقات الحكاية تلك التي تسبق ذهابنا إلى النوم، كأنها بساط ريح يحملنا إلى بر الأحلام؟ أو هي جسر بين مسافتين، وحياتين، وبين لغة ولغة. ويكفي أن كل شيء في هذا الكون يبدأ وينتهي بحكاية، بوصفها النسيج الأول لكل السرديات الأخرى. لهذا كنا، في أيامنا، نُصغي بكثير من الشغف والحماسة لمن بحوزته حكاية تُروى.

كان ذلك قبل أن يدخل التلفزيون إلى البيت الليبي، ويتعرف الأطفال على برامج الكرتون (الرسوم المتحركة). في ذلك الحين كان يقع على عاتق الجدة، أو الأم أحيانًا، تأدية دور الراوية، بطريقة لا تخلو من الطرافة والتمثيل، ولا سيما حين تقتضي بعض وقائع الخرّافة (كما كنا نسميها) تقليد أصوات الدواب والطير والمخلوقات الغريبة، التي تتطلب محاكاتها قدرًا من مهارة تقليد أصوات الحيوانات والمردة. وقد ظلت تتجلى مآثر هكذا مسامرات ومؤانسات في مجتمعنا الليبي حتى مطلع عشرية السبعينيات من القرن الماضي.

كأن هذه الباقة المقترحة من حكايات «بلاد اليميم» تطمح هي الأخرى، وبكثير من الاحتفاء والشغف، إلى استعادة تلك اللحظة، التي كانت خلالها الجدة تؤثث خيالنا بمغامرات أثيرة لا تُنسى؛ أي أنها تحاول إنصاف الجدة والحكاية في آن واحد، كضرب من الاعتراف والتكريم. فوحدها الجدة كتاب حكاياتنا الذي لا ينضب أبدًا؛ فما الحياة سوى حكاية صاغتها المخيلة الجماعية خلال مسيرتها، بحثًا عن الحقيقة، بوصفها خريطة افتراضية لمعرفة الطريق إلى الكنز.

وفي الأثناء قد لا تكفي حكاية واحدة، طالما هناك احتمال لأن تكون الطريق محفوفة بعديد المخاطر والمكابدات؛ لذا تضافر حشد من الحكايات التي لا تُحصى، من بينها هذه الفصيلة التي انطوت عليها «بلاد اليميم»، كما قرأتها في نسختها المترجمة إلى العربية، ليقترح علينا كاتبها أكثر من حكاية شعبية، من حكايات ليبيا؛ بعضها لا يزال يحتفظ بالمذاق نفسه الذي روته الجدات، فيما انزاح بعضها الآخر لتأثيث دلالات أكثر ثراء تحتمل تأويلات شتى.

ربما لأن التوغل بعيدًا في أسرار الحياة، بتجاربها وخبراتها، لن يكون بتلك الطمأنينة المرجوة، ما لم يكن في وسعنا تكريس الخيال أداةً لفتح المغلق. من هنا يبدأ تأثير الحكايات وفاعليتها في المجتمعات البشرية. فما المكابدة المضنية من أجل أن يتغلب الإنسان على المخاطر المحدقة به، لينتصر الخير على الشر من جهة، وأن تتحقق إرادة المعرفة عبر الظفر بالمفتاح السحري من جهة أخرى، إلا سلسلة طويلة من المغامرات باتجاه رحلة المغامرة والاكتشاف، في ملحمة الإنسان الكبرى.

تعد الحكاية الشعبية بمثابة الأم الحاضنة، والرحم الذي خرجت من لدنه الأجناس السردية بمختلف أنواعها: ملحمة، ومقامة، وقصة، ورواية؛ ولا سيما أن المتن الأكثر شهرة ورسوخًا في تراثنا الحكائي العربي جسدته حكايات شهرزاد عبر «ألف ليلة وليلة»، وكذلك حكايات بيدبا في «كليلة ودمنة». ويكفي أن القارئ في الضفة الأخرى، و(إلى وقت قريب)، يكاد لا يعرف شيئًا من أدبنا العربي، باستثناء حكايات شهرزاد، التي كادت تتبوأ مكانة تشبه تلك التي احتلتها ملحمتا الإغريق: «الإلياذة» و«الأوديسا». وحسب الدور المعرفي الذي اختزلته الحكاية، يمكن القول إنها كانت الإشارة الأهم لطفولة الحضارات.


فمنذ القدم بدأت الحياة بحكاية صغيرة. وثمة أسطورة أفريقية تقول إنه في الماضي السحيق لم تكن هناك حكايات على وجه هذه الأرض؛ لأن الملك الجبار، الذي يعيش في كوكب آخر، هناك حيث تلمع النجوم في السماء البعيدة، قد أخفى جميع الحكايات في صندوق ذهبي لا يُفتح أبدًا إلا بمعجزة السحر، خبأه بجوار عرشه الملكي. ولأن الرجل العنكبوت، كما تقول الأسطورة، كان يبحث عن حكايته الخاصة، صنع سلمًا من نسيج خيوطه الرقيقة القوية، وصعد إلى السماء القصية لكي يسترد حكايته الضائعة.

ما فعله «يونس محجوب» هنا قد يتعدى وظيفة توثيق ذاكرتنا السردية في مستواها الشعبي، وصبها في لغة أخرى، ليضمر، في الآن نفسه، عديد الإشارات المحفزة على إعادة تفعيل الحكاية وتدويرها، بوصفها تاريخًا للمعرفة، وطريقة مثلى للحوار والتفكير، وذاكرة جمعية ينبغي تعزيزها لتكون أكثر قربًا، ولا سيما من حقائب الناشئة. لأن أجمل ما في الحكاية أيضًا أنك، حيثما توغلت بعيدًا في هذا العالم، ستجد حكاية أخرى قريبة الشبه بحكايتك الأولى، تلك التي كنت تظن أنها تخصك وحدك، وإذا بها مشاعٌ يتداوله الناس في شتى أنحاء المعمورة. وغالبًا ما كانت الحكاية تُدشن سردها بالعبارة نفسها: «كان يا ما كان في قديم الزمان».