وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

مِن هذا الشغف

مِن هذا الشغف: مفتاح العماري يكتب: مِن هذا الشغف
______________________ 

تتربّى المعرفةُ في حيز كبير منها دون ريب، بفضل رعاية الكتب الخيّرة، ورفقتها الآمنة. فمن هذا السفر المجيد، تنطلق مغامرة القراءة؛ شغفًا بالتعلّم والاكتشاف، عبر إبرام أواصر متينة مع المكتبة أينما حلّت، سواء في البيت، أو المدرسة، أو الشارع؛ بوصفها منطقة جذب وألفة، ينبغي الحرص على تحريك رمادها، وإيقاظ عناوينها بين حين وآخر، والتآلف مع دفئها وحواسها وأنفاسها، لتشغل حيزًا أثيرًا من ملاذنا ووقتنا وذاكرتنا وحكاياتنا؛ باعتبارها حافزًا للدنوّ من فضائل التعلّم ومكارمه.

بعض الكتب، سيتاح لها دون غيرها حصة وافرة من الحظوة، فنجد أنفسنا نعود إليها، ونطيل المكث حدّها، لكي تستأثر بقراءة إضافية. ولست أدري، حين نعيد قراءة الكتاب نفسه، هل يُعزى الأمر إلى شبهة الحنين، عبر تجديد القرب مرة أخرى. تمامًا مثلما نزور حبيبًا أو مكانًا أثيرًا. أم أن المسألة برمتها لا علاقة لها بهذه النوستالجيا؛ طالما في كل صحبة سنميط لثامًا؛ ونكتشف كنزًا. وربّما يُعزى الأمر أحيانًا لعسر في الهضم. لكن، ومن دون أن نخوض في جنس المقروء وحقله؛ قد نتفق في الحدّ الأدنى أن القراءة وطقسها، من أبهى مكارم «الإمتاع والمؤانسة»؛ على رأي التوحيدي.

صحيح، ثمة من يرى في إعادة قراءة الكتاب نفسه، هدرًا مجانيًا للوقت. ولعلّ أنصار هذا الصنف من وجهات النظر لا يميلون إلى استنساخ اللحظة ذاتها؛ ربما حرصًا منهم على استثمار الوقت في معرفة الجديد. لكن ماذا حين يتعلق الشأن نفسه بالموسيقى؟ فهل إعادة الإصغاء إلى موسيقانا الأثيرة يعدّ هدرًا للوقت؟ من جهتي سأُقْبِل وبمزيد من الحماسة على إعادة قراءة الكتاب الجيد، مرات ومرات؛ ولا سيما أن هناك مصنفات في رفوف مكتبتي الورقية، وكذلك الإلكترونية، قد استأثرت بقراءتين أو أكثر.

هذا الضرب من الحظوة، لا يقتصر أمره فقط، على متون السرد الأصيلة من روايات وقصص؛ وإنما يشمل رفوف التاريخ، ونظريات النقد الأدبي، ومتون الفلسفة والشعر، وعلمي النفس والاجتماع؛ فضلًا عن عناوين وأسماء شتى، في الديانات والميثولوجيا، والتصوف، وفقه اللغة. واستئناسًا برأي عالم فنّ الشعر، الناقد: «مايكل ريفاتير»، أن القراءة الأولى غالبًا ما تكون استطلاعية، بينما ستكون الثانية تأويلية. لكن ماذا سنسمّي، أو نصف، القراءات اللاحقة، بدءًا من الثالثة؛ أي ما بعد التأويل؟ أعتقد أن هذا الموضوع سيحتاج إلى أكثر من إضاءة، بين توصيف وتشخيص.

لعل ما دفعني لتوثيق هذه المآثر، كخلاصة لعلاقتي الشخصية بالكتب: أن المصنف الجيد لا يكتفي بقراءة واحدة. وإنني حين أشير إلى الفضائل الحميدة لإعادة القراءة، فلأنها حسب تجربتي تمثل إيقاظًا للمعلومة، وتعميقًا وإثراءً للفهم والدراية؛ يرسّخ ما اكتسبته عبر قراءة سابقة. ولعلها في الوقت نفسه تعدّ ضربًا من الامتنان للكتب التي تجعلنا أكثر قربًا من روح العالم على رأي «باولو كويلهو»، وعرفانًا منا كقراء مخلصين، بذلك الأثر السحري الذي تحدثه بضعُ كلمات مضمرة تتوزع هنا وهناك بين الصفحات، بهيئة ضوء أو عطر أو موسيقى، وقد ارتدت من بهاء الشكل وفتنته ما يشبه شجرة أحيانًا، أو نهرًا جاريًا، أو غابة أو حجرًا أو حديقة؛ فللكلمات هي الأخرى حياتها الخاصة بها، ولكي نستدلّ عليها يلزمنا أن نتعلّم عديد الخبرات، وعديد الحيل، حتى نكتشف سرّ العناصر والأسماء والأشياء، مثل النار والماء والهواء والطين والنحاس، وحركة الكواكب، ولغة النجوم.

كما يقتضي الإنصاف، فهم ما تمليه رحلة التعلم من تقلّبات الطقس، ودورة الفصول ومزاج الريح؛ والإحاطة بإشارات الحكمة التي يتعذر لملمة فسيفسائها من كتاب واحد، أو الاكتفاء بقراءة دواوين الشعر؛ طالما يمكن الحدس بأن تكون تلك العلامات الخفية مندسّة في رواية باهرة، تفنّن الراوي في سرد تفاصيلها، وبثّ السحر في فضائها، لكي يصبح السفر قمينًا بغواية المجاهل، التي قد يكمن مغزى أسرارها في رفرفة جناح، أو ارتعاش ضوء. ولعلها قد افتتنت ببهاء الطبيعة فاختبأت في عين ماء، أو حبّة رمل.

لكنك قد تتساءل في اللحظة نفسها: ألا يجدر بنا الوصول إلى تلك الكلمات، من دون أن نتكبّد كل هذا التعب، جراء تصفّح آلاف الكتب. أجل؛ قد يمكننا العثور على تلك الكلمات دونما حاجة إلى قطع كل هذه المسافات الطوال؛ غير أنه سيتعسر علينا في الوقت ذاته فهم تلك الكلمات ما لم نستعن بما ابتكرته مخيّلةُ الفلاسفة والمفكرين والحكماء والشعراء والحكائين والخطّاطين والرسامين والموسيقيين؛ الذين سلكوا الطريق نفسها. لهذا يتعين علينا اقتراح ما يلبّي معرفتنا. ألَسنا جميعًا في حاجة لاكتشاف ما نجهله؟

لذا علينا أن نتعلّم دائمًا، إذا أردنا الإحاطة بالبراهين التي تدلّنا على الكلمة الضائعة، وأن نظفر في الوقت نفسه، بالقليل أو الكثير من المتع، صحبة الكتب التي تنتظرنا. ولا ضير من إعادة قراءتها. ليس عرفانًا بما تنطوي عليه من مآثر المعرفة فحسب؛ بل حتى بتلك الأطوار التي تمرّ بها حياةُ الكتاب نفسه؛ فبدءًا بصناعة الورق والتأليف والطباعة، وانتهاءً بالتوزيع والعرض والإعلان، مرورًا بالشحن والنقل؛ يستغرق الكتابُ دورة طويلة ريثما يصل ليد القارئ. لذا يجدر بنا إكرام وفادته؛ وأن نهبه حقّه من المديح والعناية والتكريم.

أجل، من هذا الشغف الحميد تتربى المعرفة، لتصبح الحياة أكثر أنسًا ورحمةً وجمالًا.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

رصيف

رصيف: مفتاح العماري يكتب: 

(1)

على الرغم من أزمة الوقود التي تتكرر بين فترة وأخرى، لا تنفك ظاهرة الازدحام المروري بشوارع طرابلس عن فرض ضجيجها وفوضاها. ربما لأن الليبيين من أكثر شعوب العالم شغفا بامتلاك السيارات. وربما لانعدام البدائل التي تشكل خيارات مجدية للمواصلات، كوسائل نقل عام، نجدها متاحة حتى في أسوأ البلدان فقرا وتخلفا؛ وبصورة خاصة خطوط الحافلات داخل المدن. وربما، لأن (الليبي) من فرط ولعه بالسيارات، لمْ يعد يتقبّل استخدام الدراجات الهوائية، أو الاعتماد على قدميه للمشاوير القصيرة. ولأن ثمة أواصر غريبة الهوس بالسيارات؛ ستحتل السيارة المكانة نفسها التي كانت تشغلها ناقةُ البدوي وفرسه. لهذا وذاك ليس من المستغرب في شيء أن تتواطأ العاصمة مع ضجيج سياراتها؛ وتتخلى عن أرصفتها.

(2)

حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي ظل الرصيف الطرابلسي محفّزا على المشي، ليس كنموذج يحتذى، من حيث تصميمه ورحابته؛ بل كان على ضيقه يتسع بسخاء لحركة المارة، ولا سيما في الشوارع العتيقة، كالرشيد، وعمر المختار، وميزران، و 24 ديسمبر، والاستقلال؛ وينعم بقدر وافر من التسامح، ومظاهر البهجة؛ لمشاة يبتسمون، وأكشاك صحف، ومكتبات، وباعة زهور، وأصداء موسيقى، ورائحة قهوة طيبة، وشجيرات من فصيلة مهذبة تشاطر الخطى إيقاعها، وباعة جوالين، وواجهات دور سينما، وفترينات عرض، ومحطات أوتوبيس؛ سيحظى الانتظار تحت ظلالها بحكايات لا تملّ.

كان المشي بوسط البلد مهرجانا حافلا بشتى ألوان الألفة. ولا سيما في ليالي رمضان وأيام الأعياد. لكأن الرصيف نهرُ العاصمةِ ووتينها. فعبره تتدفق أسرابُ المارة بمشية بهية تنبض عزما ونشاطا، كما لو أنها عرس متنقل، يشترك في إحيائه سيلٌ دافقٌ مِن المشاة، بمختلف أعمارهم. حيث كل شيء يبدو مطروحا على الطريق. فعبر الرصيف يمكن رصد أحوال العابرين، وتشخيص أوضاعهم، ومظاهر الرفاه، أو الفقر، وكل ما يشي بخفايا الواقع المعيش. فمن خلال قراءة أزياء الناس وإيقاع مشيتهم، والأغراض التي يحملونها؛ حسبما تعكسه مرايا الأرصفة من مظاهر الناس، والأرض التي يمشون عليها؛ يمكن تلخيص حياة كاملة في بضع دقائق من التأمل.

(3)

أجل، حتى ذلك الحين ظلّ الرصيف الطرابلسي يحتفظ ببصمته التي تعبّر بامتياز عن مدينة متوسطية عريقة، لها فلكلورها، وعمارتها، وتقاليدها، وأخلاقها الخاصة بها. والتي بلورت على نحو ما الدور الوظيفي لرصيفها كفضاء عام، يفترض أن يحظى بعناية مستدامة، كما هو الحال في كبريات مدن العالم، تجعله بين وقت وآخر أكثر جاهزية وسلامة مرورية، عندما تُضاف إليه مساربُ موازيةٌ تستوعب راكبي الدراجات الهوائية، وعربات ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وقد خصصت لفئات منهم إشارات ومنبهاتٌ مرورية، تجعل مشاويرهم أكثر نجاة من احتمالات الأذى. فثمة مدن عريقة في عالمنا المعاصر، يُعد الرصيف من أبرز تشكّلات طابعها العمراني؛ لتأخذ تصاميمه الهندسية أبعادا فنيةً غاية في البهاء. بحيث لا تقتصر وظيفته على المشي بسلام فحسب؛ بل أصبح منطقة خصبة بآيات من الجمال.

(4)

فقط، رصيفنا الطرابلسي وحده الذي لمْ تحظَ بنيته بتلك العناية التي تؤهله الانتساب إلى حاضرة عصرية، إلى حدّ أن فقد ابتسامته، ومرح موسيقاه، ومحطة الحافلة، وفترينة المكتبة، وواجهة السينما؛ ليمسي عرضة للعبث: اعتداء الباعة الجوالين، الذين يتألف معظمهم من المغتربين، لتستغل أجزاء من أرضيته كمفروشات لعرض السلع الصينية والتركية، في شارعي الرشيد وعمر المختار. أمّا في ما يتعلق بأرصفة الكورنيش وحوض السرايا الحمراء، وحدائق شارعي البلدية، وأدريان بلت، كذلك الأحزمة الخضراء بطريق الشط؛ فأنها ستعج بأفواج القادمين من جنوب الصحراء، الذين اتخذوها ملاذا للتجمع، وللنوم أيضا. على الرغم من عدم توافّر دورات المياه، وحاويات القمامة.

(5)

رصيف منتهك على الدوام، شوهته الحفر والتصدعات، والتهمت أطرافه أشجارُ الزينة المهملة، وأعمدة الإنارة واللوحات الإعلانية، وعديد الآفات، كالركن العشوائي للسيارات، وغيرها من المظاهر المعيبة التي تمارس سطوها على فضاء المشاة، من دون أن يكون للقوانين الرادعة أية بادرة من شأنها حماية الأرصفة، كخطوة داعمة لأن يستعيد الشارع الليبي بعض هيئته التي سُلبت بفعل الاعتداء المستمر على هوية المدينة. أعني العاصمة التي مع سطوة الفوضى، وكسل القانون، سيندرج رصيفها هو الآخر ضمن قائمة الغنائم؛ فحتى مداخل المحال التجارية والمقاهي كان لها نصيبها الوافر؛ لتنهش ما دنا لواجهاتها من مساحات الرصيف الذي لم يعد رصيفا صالحا للمشي؛ طالما لم يبق من جثته شيء سوى نتوءات عظام أسمنتية متهالكة كجزء من خريطة وطن افترستها ضواري الزمان.

(6)

وبذا لم يحرم المواطن الليبي في مدينته، من نعم المشي الآمن فحسب؛ بل خضع لعديد الانتهاكات الوحشية. التي عبثت بأبسط حقوقه؛ كالرعاية الصحية، والأمن العام، والسيولة النقدية والمحروقات، والتيار الكهربائي، والمياه، والأمن الغذائي، علاوة على ما رافق هذه الفوضى من غلاء فاحش لم يسلم منه حتى رغيف الخبز، وقنينة ماء الشرب.

وهكذا فقدت عاصمة ليبيا أهم ملامحها؛ حين خسرت رصيفها، وضرورة جدواه كمسرب آمن لمن يستخدمون أقدامهم في مشاويرهم اليومية؛ ولا سيما كبار السن، وتلامذة المدارس، والعاجزون عن تأمين سيارة خاصة، أو حتى القدرة على السياقة.

(7)

لهذا وذاك لن تكون الإشارات هي نفسها؛ فها هنا ثمة فرق شاسع بين مَنْ يحمل كتابا، ومَن يتنكّب بندقية؛ بين زي تلامذة المدارس، وثياب الكاكي. تماما كالفرق بين حامل الورد، وحامل الكفن؛ فحتى وإن قصد كلاهما المقبرة ذاتها؛ لكننا سوف لن نشعر بالإحساس نفسه. فبين الموسيقى وصوت الرصاص ستختلف مشاعر المارة، الذين قد يتخلون عن حصتهم من الرصيف، ويقتحمون المجال المخصص للسيارات، مما يجعلهم عرضة للأذى. هذا ما يُسمى في قانون الفوضى: (اختلاط الحابل بالنابل)، كحالة لمْ تعد حكرا على الحروب وحدها؛ مادامت السلطة الناعمةُ ستبدو أكثر خشونة وعنفا، لمّا تخضع هي الأخرى لمثلبة فقدان التكامل بين الهامش والمتن؛ وتُخْلط لغةُ الشعر بهتافات الخونة.

facebook sharing button

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

(طرابلس 1981)

(طرابلس 1981): مفتاح العماري يكتب: (طرابلس 1981) 

مع مطلع يناير العام 1981، كنتُ أحمل أكثر من قصيدة، في أثناء رحلتي الثانية إلى طرابلس كشاعر. إذ أتيح لي قبل ذلك بسبع سنوات اكتشاف بعض أسرار العاصمة، خلال إقامتي بإحدى معسكراتها بحيّ الفرناج. إذ ذاك كنت في طور التعلّم لأكثر من طريقة كمحاولة لفكّ شفرات المعلم: يوسف القويري. و«من مفكرة رجل لم يولد» أدركتُ ذلك الخفاء، الذي لا يطاله سوى من يحمل كتابا. وكانت تلك البوصلة (الكتاب)، أكثر من كافية لضخّ المزيد من الحماسة والشغف، سعيًا لكلّ مَا مِن شأنه إعانتي على محو جزء من أمّيتي، وبالأخص كتابة رسالة واحدة، دونما عثرات نحوية.

حتى ذلك الحين جبتُ أجزاء من ليبيا كانت مجهولة بالنسبة لي، وخضتُ معارك لا هوادة فيها. وأيضًا صغتُ أشعارًا وقصصًا وحكايات ومقالات، نُشر بعضُها في مجلة البيت الليبية، وبعضُها الآخر في مجلات كويتية. لهذا ستبدو لي العاصمة كما لو أنها مدينة أخرى. صحيح كانت الشوارع نفسها، والمعالم والميادين والمقاهي والمطاعم نفسها، والحدائق والأسواق ودور العرض نفسها؛ لكن ثمة مذاق أجمل بطعم الشعر.

ونكهات الخيال لحظة أن تكون القصيدة هي دليلك إلى أسرار الجمال وذاكرته. إذ ذاك كانت طرابلس مع كل خطوة تظهر كمدينة ترزح تحت ثقل ماضيها، وهذا ما يجعل حركتها بطيئة وغير قابلة للانفتاح على المعاصرة. ولعلها ستحتاج إلى وقت إضافي ريثما تُعنى بفضائها الثقافي؛ وترسّيخ بناه التحتية: مسارح ودور عرض ونشر ومطابع، وقاعات رسم وموسيقى، ومحافل ومنصات لخدمة الفن والإبداع.

في زيارتي تلك كانت الكاتبة والشاعرة فوزية شلابي أول شخصية ثقافية ألتقي بها، لأنها هي لا غيرها من فتح لي الباب، واستقبلتني بترحاب مرح، وأتاحت لي أكثر من فرصة للاقتراب من الصحافة الأدبية، واستعادة الثقة. حدث ذلك عندما تغلبتُ على خجلي، وغامرت بزيارة مقر صحيفة الجماهيرية. أتذكر: كان الوقت بعد ظهر ممطر. كنت قادما من مواقع تمركزات جيشنا في صحراء تشاد، وذلك بفضل قانون المصادفات العجيبة التي تآزرت جميعها في تهيئة أسباب رحلتي بطيران الشحن العسكري، من مدينة آتيا التشادية إلى الكفرة، ومن ثم إلى طرابلس.

كان داخلي يتلعثم، ولم يبق لدي سوى القليل من الكلمات التي ضاع نصفها حين ألفيتني وجهًا لوجه، إزاء كاتبة مشاكسة كنت أقرأ لها من بعيد، عبر مسافة ألف كيلومتر، خلف سياج معسكر الأبيار. وها نحن في لحظة مصافحة جاءت بفضل الشعر الذي ربّته الثكنات على اقتفاء الأثر، وتعاطف الحدس الطيب، ومشيئة أحلام الجندي، والشاعر الشاب، والتسكع في المطر، واليد التي فتحت الباب.

كذلك، مهدت لي تلك الزيارة الخاطفة التعرف إلى الشاعرة: فاطمة محمود، والرسام: محمد رضا، والأديب: رضوان أبوشويشة. وسأظلّ كشاعر، خلال علاقتي بالمشهد الثقافي أقف على مسافة منصفة، تفصل بين السياسي والشعري، كذلك بين الخاص والعام، لهذا ستظلّ علاقتي بأهل الأدب تحتفظ دائما بتلك الروح التي يمليها الإيمان بقداسة الكلمة، والاعتراف بكل ما هو أصيل وحقيقي.

وهكذا جلتُ في طرابلس كما يحلو لملك تائه؛ من قلعة السراي إلى أزقة المدينة القديمة، ومن باب البحر إلى باب الجديد، وصولا إلى باب الحرية وسوق المشير. واستمتعت بنكهة الحرايمي في مطعم شعبي، والقهوة المعطرة بالحبهان بمقهى الساعة. كانت طرابلس نظيفة بلا مرح، كما لو أنها خالية من السكان. فباستثناء وسط البلد بدت الحركة قليلة، ربما بسبب منع تجارة القطاع الخاص والاكتفاء بالأسواق المجمّعة. حيث لا أثر لدكاكين البقالة، ومحال الألبسة، مما جعل من معظم الشوارع الرئيسة شبه فارغة. فعقب مرحلة إلغاء خدمات القطاع الخاص باشرت مؤسسات الدولة المعنية بخدمات الاقتصاد والتجارة بتسيير مرافق التجارة العامة، واستيراد وتوزيع وعرض وبيع السلع.

وهي الفترة التي شهدت ظاهرة الأسواق المجمعة.

بالطبع تعثرت المدينة الكبيرة، ودخلت في طور من المتاه والارتباك الناتج عن اتخاذ مثل هكذا قرارات فجائية، نجم عنها إلغاء استيراد الكثير من السلع غير الأساسية حسب تصنيفات تلك المرحلة. حيث لا أثر للفواكه المستوردة، كالموز والتفاح والكمثرى ... إلخ.

كذلك قد انقرض أثر المكسرات بشتى فصائلها وأنواعها، والتي اختفت تمامًا من الأسواق الليبية. وجراء هذا الخبل غريب الأطوار؛ تكدست لدى مجتمعنا الليبي العديد من المشاكل والأزمات المفتعلة، لحظة أن تختفي فجأة من الأسواق وفي وقت واحد سلعٌ تموينيةٌ أساسيةٌ، مما دفع الناس إلى الوقوف في طوابير طويلة، أمام أبواب منشآت البيع العامة والأسواق المجمعة، من أجل الحصول على طبق بيض، أو كرتونة حليب، أو زيت، أو شاي؛ ناهيك عن أن السلع أخذت تتلاشى تناوبا..

فما إن يتوافر الحليب حتى يغيب الأرز، وحين يحضر الشاي ينقطع أثر السكر، وهكذا دواليك. حتى تفشت ظاهرة الطوابير التي وصفها أحدُ رموز اللجان الثورية (بالظاهرة الحضارية).

أجل، كنتُ في يناير 1981 أحمل أكثر من قصيدة. حيث كان لا بد من طرابلس، (المدينة العاصمة) التي ينصهر جمالها بألوان من الغموض والرهبة والخوف والتفاؤل. طرابلس التي وصفتها عالمة الفلك مابل تود، بأنها: «مدينة سحر، بيضاء كأحلام الجنة، مزركشة بحواشٍ من النخيل والزيتون، وذات جذور عميقة في ذكريات القرون».

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه

ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه: مفتاح العماري يكتب: ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه
_______________

قبل أربعين سنة ونيف، قرّبتنا طرابلس. كنتُ قادمًا من بلدة الأبيار، فيما جاء هو من مدينة الخمس. لنجتمع تحت سقف الكتابة بقاعة الإجدابي، ضمن المشاركين في الملتقى الأول للقصة القصيرة، الذي تنظمه رابطة الأدباء الليبيين. وذلك في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. قد لا أحتفظ الآن بشيء من قصته سوى تلك النبرة الحارة، وما تركته من إحساس اللحظة بأنها من سلالة أصيلة. مضى ذلك اللقاء دون أن نتجاذب من الحديث غير القليل من كلمات أمْلتها بروتوكولات المجاملة، ربّما بسبب الريبة، أو الخوف، أو الحذر.

ففي ذلك الحين كان الجوّ ملغومًا بكثير مِن التوجس. فلم تمضِ سوى بضعِ سنوات على اعتقال كتّاب الأسبوع الثقافي، كما أن مناورات الحرب الباردة ما تزال تعبّر عن ضغينتها بعجرفة معلنة، وقد ترجمتها في ذلك الملتقى هستيريا الانتقادات التي وُجهت للكتاب المشاركين؛ وبالأخص الشباب (على قلتهم)؛ سواء ما أثير من هرج داخل قاعة ابن الإجدابي، أو ما تداولته صحافة (الهتيفة) آنذاك، وبنبرة عدائية صاخبة تلوّح بشبهات التخوين. بينما أكثرها تسامحًا صرّح بسخرية: أن معظم قصص الملتقى لا علاقة لها بالأدب الجماهيري؛ وينبغي رميها في سلة المهملات.

وبالفعل كان الإهمال هو مصير كل إرث أدبي آثر أن يحتفظ باستقلاليته بعيدًا عن الجوقة المسعورة للهتيفة، قبل وبعد. ولهذا ظلّ (الجعكي) طوال حياته الوظيفية معلّم فصل، ثم موظفًا بقسم النشاط المدرسي.. حتى أُحيل إلى التقاعد. وقد عكست مسيرتُه ذلك العزوف عن الأضواء، ونواقل الصوت، وعدسات التصوير، وكلّ ما يمت بصلة لهذا الضرب من صخب الوسائط الإعلامية، بكافة أشكالها وهيئاتها ومؤسساتها. مفضلًا مزاولة الكتابة بقدر من الهدوء الصبور، الذي تكفله مكارمُ الظلّ، وحياةُ الهامش. متفانيًا بإخلاص لخدمة الكلمة النظيفة، في أكثر معاقلها جمالًا وبراءة. وكل ما فعله: أن حجز لنفسه مسافة آمنة، تقيه آفات التلوث الثقافي؛ وما يعجّ به مناخ الكتابة من فيروسات بشرية، تتلون حسبًا لتقلبات الطقس السياسي.

منذ ذلك الملتقى (الأول والأخير) للقصة القصيرة في ليبيا، لم ألقه مرة أخرى تحت أي سقف؛ إلا ما يجود به أحيانًا سقفُ القراءة؛ كلّما عثرتُ على كتاب له، أو قصة ضمن مقترحات أعداد مجلة «الفصول الأربعة» التي تصدرها رابطة الأدباء الليبيين. إلى أن فاجأني بريدي الإلكتروني بمخطوطة روايته اليتيمة، التي خصّني بها قبل نشرها. كان الحافزُ المشجّع على اتخاذ هكذا مبادرة صديقنا المشترك: الروائي والمترجم: مأمون الزايدي. حدث ذلك في منتصف سنة 2019م.

جاءت الرواية تحت عنوان مبدئي: «غبار وحياة أخرى»*؛ وقد انتهى من كتابتها فيما ليبيا حينذاك مشغولة بحربها ضد نفسها. حيث تنتشر مظاهرُ الخوف والظلام، و«صخب الموتى»**. ثم لا شيء بعدُ، سوى المزيد من الخوف والظلام، وصخب الموتى.

من أتيح له القرب من أدب (الجعكي) سيلاحظ دون مشقة خصائص جماليات السرد في إرثه (قصة ورواية)، وبالأخص إمكاناته في شعرنة عالمه المتخيل عبر تلك التوقيعات اللغوية التي تتسم بها بنية جملته السردية، مما يهب أسلوبه فرادة فنية تخصه وحده. فاللغة هي عامل الجذب في هكذا كتابة متفانية بإخلاص في تأكيد تحققها، حتى إنها حسبًا لتجلياتها تكاد تكون و(بامتياز) البطل الأول. مما يرسّخ مدى اشتغال كاتبها على مكامن الأبجدية؛ كما لو أنها وحدها لبُّ المعنى. هذا الضرب من الافتتان يذهب بالكاتب أحيانًا إلى حدّ الإفراط في التنقيب عن الشكل، بوصفه متن الكتاب، لا حمّال مغزى.

وحسب وقائع روايته المخطوطة، كانت العزلة هذه المرة تتمحور حول كائن (مسخ)، خرج من لدن لعنة ميتافيزيقية. وسيظهر للقارئ بداية من العتبة الأولى شديد الولع بالصعود إلى الجبل، سعيًا لما ينطوي عليه العلوّ من خفاء. حيث لا يسع القراءة سوى تمجيد آلة السرد والاعتراف بقدراتها في إيقاظ كل ما هو كامن، من حيوات، تتمثل في غربة الجسد والمكان واللغة، عندما تبرز أهم مظاهرها عنفًا وبشاعة عبر الكائن الذي ولد مسخًا. «لماذا يتحوّل حلمي إلى مسخ؟!!» تتساءل المرأة التي ولدته. حيث كل كلمة هنا (لا سيما المقاطع السبع الأولى)، تتعلق بتعميق عزلة مركّبة، متخمة بالكوابيس. بدت كلعنة يتوارثها الأسلاف في الصحراء قرنًا بعد آخر. فيما تأتي الرؤيا (كما تبدو) نشدانًا للخلاص الوحيد المتوخى، بالنسبة للكائن المسخ.

بالطبع سيختلف الشأن هنا عن مصير، «غريغور سامسا» مسخ (كافكا). وبالمثل فيما يتعلق بشبهته الذئبية التي لا تمت بأي صلة قربى لمخلوق (ديفيد معلوف) في روايته «حياة متخيلة». كذلك ما من شأن يجمع كائن الجعكي المشوّه، بسلالة المعتوه (بنجي)، في رواية «الصخب والعنف»، كما تخيله (وليم فوكنر). فقط، نحن إزاء كائن عزلة، صنعته صحراءُ ليبيا في أكثر أوصافها سرية ومهابة وجمالًا وغموضًا ووحشة. لعلّ المفارقة العجيبة هنا أن (مسخ الجعكي) سوف لن ينفك -وعلى مدى مائة وأربعين صفحة- عن استدراج عواطفنا؛ ولا سيما حين نصغي لحواره الداخلي مع نفسه.

كذلك سينتبه القارئ كيف تندرج (العزلة) من بين التيمات المتكررة؛ والتي تبرز بشكل واضح في قصته: «سرّ ما حدث للجدّ الكبير». الشيخ جامع الكتب من مخازن المهملات بمدارس المدينة، وذلك بعد أن تناهى لعلمه أن سياسة التعليم الأساسي، قد أقرّت إلغاء حصة (المكتبة) من جدول الدروس التعليمية. وظلّ هذا دأبه حتى فاضت شقته بشتى المصنفات، واكتظت إلى حدّ بدأت معه أجسادُ الكتب تتساقط عبر النوافذ إلى الشارع العام.. مما أثار حفيظة السكان، بين مَنْ رأى في نزول الكتب من السماء ضررًا فادحًا يهددُ رؤوسَ المارة؛ وبين من أخذه الفضول لرؤية شقة الشيخ التي لم تترك فيها الكتب للضيف مجالًا؛ وآخر أغراه الطمع، ظنًا منه أن مَن يحوز على مثل هكذا مكتبة ضخمة، لا بد مِن اكتنازه لثروة طائلة من المال.

وهكذا كان على الشيخ مكابدة عديد المنغصات التي أجبرته في آخر المطاف أن يلزم شقته ردحًا من الزمن، كمحبس طوعي، لا يبرحه ليل نهار؛ ذودًا عن مكتبته من عبث المتطفلين وأعداء القراءة. لعلّ هذه الغربة وشبيهاتها شكّلت الجزء العظيم من ألم الكاتب والأديب والمعلم: على الجعكي، عندما بدأ يقاسي الأمرين، جراء محنته الطويلة مع المرض، حتى وافاه الأجل في الحادي والعشرين من شهر أغسطس 2021م.

لكن بفضل تآزر اللغة، ووفاء المخيلة ولطفها، سيظل إرث (على الجعكي) حاضرًا بيننا؛ ما دام ثمة قراءة منصفة، وكتاب آمن، وشيء من الطمأنينة.

____________________

* عقب وفاته بأيام قليلة، تداولت بعض صحفنا المحلية بضعة أخبار، تفيد بقرب صدور رواية له، بعنوان «ابن الغبار». لكن حسب علمي ما من أثر بعدُ، يؤكد صحة ما نشر.

** عنوان أول مجموعة قصصية للكاتب الراحل: خليفة حسين مصطفى، صدرت سنة 1975م.

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى

المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى: مفتاح العماري يكتب: المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى
_________________

من المفارقات العجيبة في دولة نفطية مثل ليبيا، أن تنجم مشيئة الظلام المستبد عن فخامة المنجزات الحميدة، لعودة الحياة الكريمة. هذا تحديدًا ما حمَّسني لاستدعاء بصيرة الأعمى. لأمسي كمن يفلّ الظلمة بصنوها، لعلّ في حكمة العمى ما يضيء متاهة الفوضى. لهذا يأتي الاتكاء على عكّاز راهب المعرفة: «خورخي لويس بورخيس»؛ محض حيلة بريئة للتغلب على هيمنة القتام. لكأن القرب من «مكتبة بابل» استعارة (من جهتي) للتضافر مع أزمة مكتبتي المنزلية؛ في مواجهة عتمة العاصمة طرابلس، التي أمست تخضع لشبه إظلام عام، سبّب تعطّل الحياة، وبصورة خاصة ضخّ المياه لبيوت الأسر الفقيرة، العاجزة عن تأمين قوت يومها؛ فما بالك بمولدات الكهرباء.

لا ريب أن القرب من أدب بورخيس ليس براءً من شبهة المتاهة نفسها التي اقترفها هذا الناسك، عبر تسكّعه داخل أقاليم مكتبة كونية، عُرفت باسم «مكتبة بابل» أو «سداسية بابل» - الفردوس الافتراضي - الذي نجم عنه الإغواء المتخيّل ذاته، كسلطان لنشوة القراءة، ومصدر لسعادة سحرية. حيث تعتبر المكتبة، كما هو معلوم لدى قراء هذا الكاتب الموسوس بالمعرفة، مشروعًا للخلق؛ لتنطلق الكتابة شعرًا ونثرًا من هكذا عالم افتراضي؛ بوصفه نظامًا فريدًا لتداخل المتون والأزمنة واللغات والشموس.

وهنا لا تقف المسألة عند حدود إعادة إنتاج المقروء، كضرب من عملية الخلق، أو التأويل؛ وإنما لتكتشف فراغًا داخل فراغ. وكل فراغ سيحتاج دائمًا (كما يبدو)، إلى إضافة أسماء وأفعال وإشارات وكائنات مجهولة؛ لكي يُوهب دون توقف فضيلة النور، التي تتعلق بإيقاظ حيوات، وبعثها من جديد؛ لتستأنف دورتها الشمسية بلا نهاية.

كما لو أنه - أي بورخيس - قد أدرك بفطرته أن النصوص التي كتبها الأوائل، لا ينبغي تركها مركونة لعتاقة الظلّ وسطوة الغبار، بوصفها إرثًا ينتمي لماضٍ عريق وكفى؛ بل إن إنصاف ذاكرة الأدب يقتضي بالضرورة جعلها على الدوام نابضة بالحياة؛ وقادرة في آن على مشاركتنا لغتنا وأحلامنا ولحظتنا الراهنة؛ لا محض أيقونات على حائط التاريخ. فمهما تقادم زمن الكتابة سيحتفظ بطاقة ما، تكفل له حق العبور باتجاه الضوء. لهذا كان العالم الافتراضي في «سداسية بابل» يقود إلى الواقع؛ ليغدو جزءًا من الحقيقة. وحتى عندما يلجأ بورخيس إلى اختراع كتب ومؤلفين وفلاسفة؛ ويسبغ على كائنات الوهم تلك، أسماء وتواريخ وعناوين؛ سيبدو كل شيء كما لو كان حقيقيًا.

لعل شغف بورخيس المبكر بقراءة «سيرفانتس» كان محرضًا له على خوض مغامرة الكتابة؛ لينجز قصته الأولى دون عمر السابعة. فمنذ ذاك تنامى ولعه بقراءة كلاسيكيات الأدب العالمي؛ بما في ذلك التراث العربي؛ حيث كان لحكايات «ألف ليلة وليلة» تأثيرها الواضح على تحريك مخيلته. هذا الولع المبكر بفاعلية القراءة، وتحويل المقروء إلى كائنات حية؛ يُعزى للحافز الأكبر الذي شكلته الكلاسيكيات المركزية، كمحرّض شجّعه على التآلف مع مكتبته الكونية، لتشغل حيزًا كبيرًا من شغفه ووقته وحكاياته. بحيث كان لها الفضل في تحولاته من بعد. ليغدو مع مرور الأيام عابدًا استثنائيًا للكتب. وستبرهن مسيرته ككاتب استثنائي، على إرساء نسق يخصّه وحده؛ وقد عمل على صهر الكتابة والقراءة، في جسد واحد.

لذا كلما حاولتُ القرب من أدبه أجدني إزاء سؤال محير، يتعلق تحديدًا بهوية النصّ. مسوّغ هذا السؤال أن معظم المنجز السردي لبورخيس، يُخفي داخله نصًّا آخر. والمسألة برمتها لا تتعلق بما هو شائع من أنماط التناص الكتابي، وإنما بتفعيل المقروء، وإخضاعه من ثم لتشكّلات جديدة، ليس بوصفها مادة خام قابلة لإعادة تدوير، أو مصدر إلهام فحسب؛ وإنما سعيًا لإيقاظ إرادتها على فعل المزيد من الكشف والإضافة؛ حتى إنه كمؤلف لا ينفك غالبًا عن اجترار حفنة من الرموز والعلامات. مع ضرورة الإشارة إلى أن هكذا صنف استثنائي من التكريس لا يعدّ تكرارًا، طالما اللحظة ليست هي نفسها. ونحن هنا لا نشير إلى الزمن بوصفه حركة ميكانيكية، وإنما كصيرورة للتراكم المعرفي.

كان بورخيس يضع نفسه في مرتبة القارئ لا الكاتب، باعتبار أن معظم مؤلفاته شعرًا ونثرًا ناجمة عن تأثير قراءة سابقة، حتى وهي في أكثر أحوالها ذاتية ستظل شاسعة بحجم إمبراطورية من الكتب. مما سوّغ له التمهيد لعدّة مفاهيم نقدية، تعلّقت تحديدًا بانفتاح النص على التفاعل مع القراءة والكتابة في آن واحد.

صحيح، قد يتعذر العثور على قارئ بنفس الهوس الذي يغذي شغف القراءة المرجوة لدى بورخيس. ومع ذلك ستبقى ضرورة قراءة مقترحات معلم السرد مسألة ملحّة، وغير قابلة للتوقف؛ ولا سيما أن تناصاته ستفضي باستمرار إلى كتابة مغايرة تهضم السابق، وتنفتح على ما هو لاحق. فضلًا عن قابليتها لتعدد التأويل، وانفتاح أنساقها من ثم على توظيف وتجديد أكثر الأساليب غرابة، مثل الفنتازيا، والتهكّم المضمر.

هذه السمات وغيرها هي التي جعلت من بورخيس الساحر الذي أسهم في تجديد أدب اللغة اللاتينية، وغيرها من لغات أدب عالمنا المعاصر. علاوة على أنه سيحتفظ دائمًا بتلك المأثرة التي تعيد الكرامة للكتاب. ففي «الدنوّ من المعتصم»، كما في «الألف»، و«المرايا»، و«مكتبة بابل»، وغير ذلك من القصص، ستتخذ الحكاية عدة أوجه فلسفية عميقة الغور، حُمّلت بحساسية أكثر شاعرية وتلطّفًا. لهذا ظلت آثاره مشروع اكتشاف وتأمّل دائمين، ورفقة لا تُملّ.

وعلى الرغم من أن بورخيس صانع أصيل؛ إلا أنه لم ينفك، حتى آخر يوم من حياته، عن تأثيث «مكتبة بابل» بأشكالها السداسية، كما لو أنها خلية نحل تكتظ بكل ما أنتجته البشرية من كتب عظيمة، والتي على الرغم من خوارزمياتها ستظل صنيعة متاهة. وهذا ما تخطته الذاكرة الرقمية لمكتبة العولمة فيما بعد؛ حيث يمكن حملها ضمن محتويات الجيب بكل يسر؛ فقط يتطلب الأمر القليل من الضوء. هذا كل شيء.

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

الشاعر والناقد رياض عبد الواحد السعد يكتب: قراءة وتأويل لقصيدة (شجرة الرمان) للشاعر مفتاح العماري


حين يصير الغصنُ أثراً للغياب

المقدمة:

تنهض قصيدة (شجرة رمان) على بنيةٍ شعريةٍ لا تمنح دلالتها دفعةً واحدة، ولا تستقرُّ عند مرجعٍ يمكن الإمساك به منذ القراءة الأولى إنما تدفع المتلقي إلى ملاحقة شبكةٍ من العلامات المتوالدة إذ تتداخل الشجرة بالإنسان، والغصن بالجسد، والظل بالهوية، والعكاز بالذاكرة، والصورة بالرماد، واللغة بالانشطار.
إنَّ ما يميز هذا النص ليس كثافة صوره الشعرية فحسب إنما الطريقة التي تُنتج بها هذه الصور بعضها بعضاً؛ فالصورة لا تأتي بوصفها زينةً بلاغيةً مستقلة إنما تتحول إلى علامةٍ تستدعي علامةً أخرى بحيث يتعذر الوصول إلى مدلول نهائي مغلق.
من هنا تكتسب القصيدة قابليتها للقراءة السيميائية، لأن الأشياء فيها تتجاوز وجودها المادي لتصبح حواملَ لمعانٍ نفسية ووجودية ورمزية، كما تكتسب قابليتها للقراءة التفكيكية لأن الثنائيات التي يقيم عليها النص عالمه سرعان ما يبدأ بتقويضها من الداخل.
فالقرب لا يقود إلى المعرفة، والحماية لا تمنع الانكسار، والظل لا ينتسب إلى صاحبه، والصورة لا تحفظ صاحبها من الغياب، واللغة لا تجمع الذات وإنما تنقسم إلى (نصفين أو أكثر). وهكذا يبدو النص مشغولاً بسؤالٍ جوهري هو: كيف تستطيع الذات أن تبلغ أصلها إذا كان الأصل نفسه غائباً أو مراوغاً؟
من هذا المنظور، لا تبدو (شجرة الرمان) مجرد استعارة مركزية بل تتحول إلى نظامٍ علاماتي تتفرع منه بقية العلامات. فالشجرة تمنح الغصن، والغصن يتحول إلى جسد، والشجرة تتحول إلى عكاز، والعكاز يعيد الذات إلى مصدرها، والظل ينتسب إلى ذلك المصدر، ثم تنتهي الرحلة إلى لغةٍ منشطرة وذاتٍ تمشي وحيدة وبذلك تتشكل القصيدة في حركة دائرية ظاهرها النمو وباطنها الفقد.
سنحاول، في هذه القراءة، تفكيك آليات إنتاج المعنى في النص، ابتداءً من النصيص بوصفه عتبةً لغويةً وبنيوية، وصولاً إلى علاقات العلامات والثنائيات الضدية وانهيار المركز الدلالي للكشف عن البنية العميقة التي تجعل من القصيدة كتابةً عن الهوية والغياب واستحالة الوصول إلى الأصل:
أولاً: (شجرة رمان) عتبةً لسانيةً وبنيوية
يبدو النصيص في ظاهره تركيباً اسمياً بسيطاً:
شجرة رمان
لكن هذه البساطة الظاهرة تخفي تركيباً دلالياً شديد الكثافة.
لسانياً، يتكون النصيص من اسمين: /شجرة/ وهي اسم جنس يدل على كائن نباتي ذي أصل وجذور وفروع و/رمان/ وهو مضافٌ إليه يحدد نوع هذه الشجرة. ومن الناحية التركيبية نحن أمام مركب إضافي: شجرةُ رمان.
غير أن أهمية هذا التركيب لا تكمن في وظيفته النحوية وحدها إنما في العلاقة التي ينشئها بين العام والخاص، فـ(الشجرة).علامةٌ عامة بينما /الرمان/ يخصّصها ويمنحها هويتها، وبذلك ينتقل النصيص من الكل إلى النوع، ومن الكائن المجرد إلى كائنٍ محدد بخصائصه الرمزية.
وليس الرمان نفسه ثمرةً بسيطةً من الناحية الثقافية، فهو ثمرةٌ ذات قشرةٍ واحدة تخفي داخلها كثرةً من الحبات، ولذلك يمكن النظر إليه بوصفه علامةً على الوحدة التي تحتوي التعدد. وهذه الدلالة ستتجاوب لاحقاً مع قول الشاعر:
(وقد صارت لغتي نصفين
أو أكثر)
فالقصيدة التي تبدأ بشجرة واحدة تنتهي بلغة متعددة الأجزاء. وكأن النصيص يضع منذ البداية بذرةً بنيويةً ستتنامى داخل النص: وحدةٌ ظاهرية تخفي تعدداً داخلياً.
ومن الناحية البنيوية، تحتل (الشجرة) موقعاً مركزياً في بناء النص، إذ تتكرر مشتقاتها وتحضر وظائفها بنحو مباشر وغير مباشر: الغصن، النسغ، الحديقة، العكاز، الظل. وهكذا لا يبقى النصيص خارج النص بيد انه يتحول إلى مصفوفة توليدية تتفرع منها شبكة من العلامات.
اذن الشجرة ليست موضوعاً فحسب إنها البنية التي ينتظم عبرها النص.
ولعل المفارقة الأجمل أن الشجرة، في معناها الطبيعي، تقوم على الثبات والجذور، بينما الشخصية في القصيدة لا تعرف الثبات، إنها تمشي، وتسعى، وتنقطع ساقها، وتتخذ عكازاً، ثم تمضي وحيدة. بذلك ينشأ تضاد بين ثبات الشجرة وحركة الإنسان، لكن النص لا يترك هذا التضاد مستقراً، إذ يتحول الإنسان نفسه إلى امتداد للشجرة، ويصبح العكاز المصنوع من خشبها وسيلةً لاستمرار الحركة.
وهكذا يبدأ النصيص في تفكيك نفسه:
الشجرة ثابتة، لكنها تنتج الغصن
الغصن ينفصل لكنه يظل منتمياً إلى الشجرة
والإنسان ينفصل، لكنه يحمل أثر الشجرة
والظل يبتعد، لكنه يظل تابعاً للمصدر
إنها سلسلة من الحضور المؤجل إذ لا يوجد شيء مستقل تماماً عن أثر الآخر.
«كان شجرة» وانقلاب العلامة إلى هوية:
يفتتح النص بهذه الجملة
(كان شجرة)
وهذه الجملة القصيرة تمثل مفتاحاً بنيوياً بالغ الأهمية لأن الشاعر لا يقول: (كان كالشجرة) بل يلغي أداة التشبيه تماماً. وبذلك تنتقل العلاقة من التشبيه إلى الاستحالة: الإنسان ليس شبيهاً بالشجرة، وإنما يصبح شجرة.
إن حذف أداة التشبيه يختصر المسافة بين طرفي الصورة لكنه في الوقت نفسه يفتح مساحةً واسعة للتأويل. فمن هو هذا (الشجرة)؟ أب؟ سلطة؟ معلم؟ أصل؟ ذاكرة؟ حبيب؟ مرجع روحي؟
لا يقدم النص جواباً نهائياً، وهذه ليست ثغرة فيه بل جزء من استراتيجيته الدلالية.
فالشخصية التي (أهدتني غصناً) لا تمنح شيئاً مادياً وحسب، وإنما تمنح المتكلم امتداداً منها. والغصن، في هذا السياق، علامة على النسب والانتساب والاستمرار لكنه أيضاً علامة على الانفصال لأنه لا يصبح غصناً إلا بعد أن يكون جزءاً من جذع.
وهنا تبدأ واحدة من أهم حركات النص:
الأصل يمنح الفرع غير ان الفرع لا يستطيع أن يكون فرعاً إلا بانفصاله.
وهذا هو جوهر المأساة الرمزية في القصيدة.
الغصن والنسغ والجسد ــ من النبات إلى الإيروس:
يقول الشاعر:
(فسهرتُ حدَّ النسغ حتى تربّى
وصار في طور الشفق نهداً لأجمل أنثى)
هنا تنتقل العلامة النباتية إلى المجال الجسدي. فالنسغ الذي يجري في الشجرة يتحول إلى طاقة حياة ثم يتحول الغصن إلى (نهْد).
هذه ليست مجرد صورة حسية إنما عملية تحويل دلالي تنتقل فيها العلامة من النبات إلى الجسد، ومن الجسد إلى الرغبة، ومن الرغبة إلى الحياة.
والشفق بدوره منطقة زمنية انتقالية، ليس نهاراً خالصاً ولا ليلاً خالصاً، ولذلك ينسجم مع البنية العامة للقصيدة التي تقوم على المناطق الوسطى: بين القرب والبعد، بين الحضور والغياب، بين الأصل والأثر، بين الوحدة والتعدد.
كل شيء في النص يوجد في حالة بينية.
القرب الذي ينتج الغياب:
يقول:
(حين كان القرب عبادة
لم أعرفه وهو قريبي)
هذه من أكثر الثنائيات إحكاماً في النص لأنها تقلب العلاقة المتوقعة بين القرب والمعرفة.
عادةً ما يكون القرب طريقاً إلى المعرفة لكن القصيدة تجعل القرب سبباً في عدم المعرفة.
وهنا يبدأ التفكيك الحقيقي للثنائية:
القرب / البعد
فالقريب قد يكون أبعد من البعيد، والحاضر قد يكون أكثر غياباً من الغائب.
ثم تأتي عبارة:
(وهبني اسماً
وقال: اسعَ
فمشيت)
هنا يمنح الاسم الهوية، لكن الأمر بالسعي يفتح طريقاً لا نعرف نهايته. وهكذا يصبح الاسم بدايةً للبحث عن الذات لا نهايةً له.
الدرع والعكاز ــ تفكيك ثنائية الحماية والانكسار:
في المقطع:
(حين أعطاني درعاً
بُترت ساقي في الحرب)
يقيم النص علاقة تناقضية بين الدرع والبتر.
فالدرع علامة حماية لكن النتيجة إصابة. ومن هنا تنقلب وظيفة العلامة: ما كان يفترض أن يحمي يصبح جزءاً من منظومة العجز.
ثم تأتي المفارقة الأكثر عمقاً:
(فأضحى عكازي من شجر حديقته)
إن الشجرة التي كانت في البداية رمزاً للأصل والمنح، تتحول الآن إلى أداة يستعين بها المتكلم على السير بعد إصابته.
وهنا تتكرر الدورة:
الشجرة → الغصن → الجسد → الانكسار → العكاز → الشجرة
وكأن النص يعود دائماً إلى نقطة البداية، لكنه يعود إليها وقد تغيّر معناها.
وهذه من أهم خصائص البناء في القصيدة: التكرار ليس تكراراً للمشهد لكنه إعادة إنتاج للعلامة في سياق جديد.
الظل والهوية ــ من يملك صورة من؟
يقول:
[ ] (وظلي ينتسب إليه)
هذه العبارة تقلب مفهوم الملكية والهوية رأساً على عقب.
فالظل، وفق المنطق الطبيعي، تابع لصاحبه لكن النص يجعله تابعاً للآخر.
وهكذا تفقد الذات حتى ظلها.
إذا كان الظل هو العلامة الأكثر التصاقاً بالجسد، فإن انتسابه إلى الآخر يعني أن الذات لم تعد تملك حتى أثرها.
من هنا يمكن قراءة القصيدة كلها بوصفها رحلةً في سؤال الهوية:
من أنا إذا كانت أشيائي تنتمي إلى غيري؟
حواء والجمرة ــ استدعاء الأسطورة وتفكيكها:
يقول:
(كما لو أن حواء دست جمراً في عشّه)
ان استدعاء حواء يفتح النص على الذاكرة الثقافية والدينية والأسطورية غير انه لا يستعيد الحكاية الأصلية بنحو مباشر ، وإنما يعيد تركيبها.
فحواء لا تقدم بوصفها شخصيةً مكتملة وإنما بوصفها علامةً على الإغواء والافتتان والانقلاب.
أما (الجمرة) فتقيم علاقة تناقضية مع (العش):
العش = مأوى
الجمرة = احتراق
وبذلك يصبح المأوى نفسه قابلاً لأن يتحول إلى مصدر للخطر.
وهذه التقنية تتكرر في النص:
الحماية تتحول إلى إصابة
القرب يتحول إلى غياب
العطاء يتحول إلى انكسار
الصورة تتحول إلى رماد
اللغة تتحول إلى انقسام
وهذه ليست مصادفاتٍ بل بنية عميقة تحكم النص بأكمله.
الصورة والرماد ــ موت المرجع:
تبلغ القصيدة ذروةً دلاليةً في:
(حتى أمست صورته رماداً)
الصورة عادةً وسيلة لحفظ الغائب لكنها هنا لا تحفظه بل تصبح رماداً.
وهنا تتعرض فكرة التمثيل نفسها للانهيار: لم تعد الصورة قادرة على استعادة الأصل.
ولا يبقى للمتكلم سوى:
(أثر الكلمات)
وهذه العبارة يمكن ان نعدها مركزاً تفكيكياً للنص كله لأن النص لا يمنحنا الأصل إنما يمنحنا أثره.
وهذا الأثر هو الذي يظل قابلاً للقراءة.
انشطار اللغة وانشطار الذات:
يقول:
(وقد صارت لغتي نصفين
أو أكثر)
هنا لا يعود الانقسام موضوعاً من موضوعات القصيدة إنما يصبح طريقة في بناء اللغة نفسها.
فالذات منقسمة، واللغة التي تحاول التعبير عنها منقسمة أيضاً.
لكن الشاعر لا يكتفي بقول (نصفين) لكنه يضيف:
(أو أكثر)
وبهذه الزيادة الصغيرة ينسف الثنائية التي أقامها قبل لحظات.
ليست الذات اثنين فقط.
وليست اللغة اثنين فقط.
إنها تشظٍّ مفتوح.
وهنا تلتقي البنية الدلالية بالبنية الشكلية: فالنص نفسه يقوم على جمل قصيرة، وقفزات مشهدية، وانتقالات مفاجئة بين النبات والجسد والحرب والأسطورة واللغة. أي أن تشظي التجربة ينعكس في تشظي البناء.
الخاتمة التي لا تختم:
تأتي النهاية بهذا الزخ
(روحان في جسد
الريح تشير
والقارئ يتعب)
الجملة الأولى تلخص أزمة الهوية: تعدد داخلي داخل وحدة جسدية.
أما (الريح) فهي علامة شديدة المراوغة لأنها تشير إلى الاتجاه دون أن تكون هي الاتجاه، وتتحرك دون أن تستقر.
ثم تأتي الجملة الأخيرة:
(والقارئ يتعب)
وهي ليست مجرد خاتمة ساخرة أو اعتراف بصعوبة النص إنما يمكن قراءتها بوصفها إدخالاً للمتلقي في بنية القصيدة.
فكما أن المتكلم يسعى ولا يصل، فإن المتلقي يؤول ولا يحسم.
وكما أن الذات تبحث عن الأصل، فإن المتلقي يبحث عن المعنى.
وكما أن المعنى يبتعد كلما اقتربنا منه، يظل المتلقي في حركة تأويلية لا تنتهي.
من هنا يصبح تعب المتلقي جزءاً من دلالة النص لا نتيجةً عرضيةً له.
الخاتمة:
تتأسس قصيدة (شجرة رمان) على حركة دلالية تبدأ من الشجرة وتنتهي باللغة لكنها في الحقيقة لا تسير في خط مستقيم، إنها تتحرك في دوائر من الانتماء والانفصال، والحضور والغياب، والهوية والتشظي.
فالشجرة أصل، والغصن فرع، والفرع يتحول إلى جسد، والجسد ينكسر، والشجرة تتحول إلى عكاز، والعكاز يصبح وسيلةً لمواصلة البحث، والظل يفقد استقلاله، والصورة تتحول إلى رماد، والكلمات لا تستعيد الغائب وإنما تحفظ أثره، ثم تنقسم اللغة نفسها.
وبذلك فإن القصيدة لا تبحث عن الأصل الموجود خلف العلامة بقدر ما تكشف استحالة الوصول إليه، فكل علامة في النص تحيل إلى علامة أخرى، وكل حضور يخفي غياباً، وكل اقتراب يعيد إنتاج المسافة.
من هنا فإن (شجرة رمان) يمكن قراءتها بوصفها قصيدةً في الانتساب الملتبس: انتساب الإنسان إلى أصله، وانتساب الظل إلى صاحبه، وانتساب اللغة إلى تجربتها، وانتساب الصورة إلى غائبها. غير أن هذه الانتسابات لا تفضي إلى امتلاك الهوية بل إلى اكتشاف هشاشتها.
ولعل العبارة الأخيرة (وأنا كالعادة وحدي أمشي) تختزل الرحلة كلها، فالمتكلم، بعد أن مرَّ بالشجرة والغصن والنسغ والجسد والحرب والعكاز والظل وحواء والرماد واللغة لا يصل إلى الآخر، ولا يعود إلى الأصل، وإنما يواصل المشي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في النص:
لقد بدأ بالشجرة التي توحي بالجذور، وانتهى بإنسانٍ يمشي بلا جذور.
وهذه المفارقة هي التي تمنح القصيدة عمقها الوجودي، إذ يصبح المشي بديلاً عن الوصول، والأثر بديلاً عن الحضور، واللغة بديلاً عن الأصل.
لذلك لا تكون (شجرة رمان) قصيدةً عن شجرة إنما قصيدة عن الإنسان حين يكتشف أن ما كان يظنه أصلاً لم يكن سوى أثرٍ آخر، وأن الطريق إلى ذاته يمر دائماً عبر غياب الآخر.


النص الاصلي
شجرة رمان
ــــــــــــــ
كان شجرة.
أهداني غصناً وقال: تَعَلّمْ.
فسهرتُ حدّ النسغ حتى تَرَبَّى،
وصار في طورِ الشفقِ نهداً لأجملِ أُنثى.
.
حين كان القربُ عبادة
لم أعرفه وهو قريبي.
وهبني اسماً
وقال: اسعى
فمشيت.
.
حين أعطاني درعاً
بُترت ساقي في الحرب،
فأضحى عكازي من شجرِ حديقتِه
وظِلّي ينتسبُ إليه
ومقامي لا يهدأ.
كلما أدركتُ عبادته
صار أنأى.
.
كما لو أن حواء دست جمراً في عشّه
ظلَّ طيلة دهرٍ يهذي،
وأنا أُصغي لصوتِ يديه
حتى أمست صورتُه رمادا
فلم أبصر من أثرِ الكلمات
وهي بين ماء وطين
غير مصائر وجهي
وقد صارت لغتي نصفين
أو أكثر
وأنا كالعادة وحدي أمشي.
.
روحان في جسد؛
الريحُ تُشير،
والقارئُ يتعبْ.
______________

تقلا عن (شرفة ابداع) مجموعة ‏عامة‏https://www.facebook.com/groups/180203038846197/members

 

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها

انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها: مفتاح العماري يكتب: انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها

«الألفاظُ خدمُ المعاني»
-عبد القاهر الجرجاني-

------------------  
إن صعود نوع أدبي وسقوط نوع آخر مرتهن بتفسخ اللغة؛ فموت الشعر مؤداه موت اللغة نفسها التي صاغته؛ كونها بالطبيعة لمْ تعد قادرة على التقاط وإيواء وهضم أسئلة لحظتها الراهنة، والاستجابة مِن ثم لتلبية متطلبات التلقي. وعلى سبيل المثال ندلل هنا بموت سردية المقامة التي انتهت صلاحيتها بانتهاء قدرات بنية لغتها المهجورة على التعبير؛ لتمسي من ثم في عداد الموتى. ذلك لأن اللغة ليست محض وسيلة تعبير فحسب؛ بل منظومة للسرديات، بما فيها الأدب بشتى أجناسه، ولا سيما الرواية التي تستمد بقاءها واستمراريتها من فاعلية اللغة الطازجة والحارة التي تبلور نشاط الخيال، والتفكير، والحلم، والتفاهم اليومي؛ أي تلك التي يتكلمها الناس؛ وليس الفائض المهجور من تركة المعاجم.

يشير، محمد عابد الجابري، في كتابه: تكوين العقل العربي: «أن قاموس لسان العرب، وهو أضخم وأغنى قاموس في اللغة العربية، لا ينقل إلينا على ضخامة حجمه، أسماء الأشياء الطبيعية والصناعية». لعل هذا ما حفز الرواية على استثمار لغة (الكلام) كآلية رئيسة في آليات الذهن، ومبادرة إدماجها بلغة الكتابة؛ فالروائي الأكثر إبداعاً وأصالة هو من يتفطّن لذخيرة اللغة في حيزها الحيوي لتأثيث فضائه الروائي، اعتماداً على مرجعية لغة الأدب الشعبي، حتى يمكنه كسر سلطة اللغة الجامدة التي أنتجتها المؤسسة.

كان من شأن هذه التأملات إيقاظ جملة من الأسئلة القلقة، والتي تنصب حول صلة الرحم الوثيقة بين السرد الروائي ولغة الكلام، أي لغتنا اليومية التي نتداولها ونتواصل عبرها في واقعنا المَعِيش، وما وراءه. ولطالما شكلت لي هكذا أسئلة هاجساً شخصياً في مسيرتي ككاتب، وذلك منذ عشرية ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث تواترت بطريقة وأخرى في لقاءات وحوارات انصبت حول تجربتي الأدبية، وبالمثل في جملة من مقالات كتبتها بصحافتنا المحلية، اندرج بعضها ضمن مقترحات كتبي المنشغلة بهموم الكتابة وقضاياها. وكمحاولة مني لإرواء الأسئلة نفسها، سأبدأ من حيث انتهيت قبل ثلاثين سنة؛ وقد دونت جملة ملاحظات في مقالة اندرجت ضمن مقترحات كتابي «فعل القراءة والتأويل»، استلهمت أفكارها من مقولات ميخائيل باختين، التي استخلصتها من كتاب صغير الحجم صدر عن معهد الإنماء العربي بوسم «الملحمة والرواية». ولا سيما أن باختين، يعتبر من أهم المؤسسين لنظرية الرواية، والقبض على المرتكزات والشروط اللغوية والاجتماعية التي ساهمت في صعودها.

نظر باختين إلى الرواية في سيرورتها كحالة استثناء لعمارة نصية، هي على الدوام غير منجزة؛ خلافاً للأنواع الأدبية الأخرى المكتملة. مما يجعلها دونما توقف قيد التشكّل والتحوّل؛ بوصفها «النوع الأدبي الوحيد الذي لا يزال في طور التكوين، والنوع الوحيد الذي لم يكتمل بعد» وأنها تعمل باستمرار على تجديد أدوات حقيبتها السردية الخاصة بها لصياغة فضائها بما ينسجم مع ابتكارات لغة الشارع، انسجاماً مع ناموس التطور وما ينجم عنه من تغير في حساسية الذائقة.

فالرواية كما يقول باختين: «على خلاف الأنواع الأدبية الأخرى لا تمتلك قوانين خاصة - وما هو فعال تاريخياً يتشكل من عدة نماذج روائية - وليس من القواعد الروائية بحد ذاتها - ويمكننا مقارنة دراسة الأنواع الأدبية الأخرى بدراسة اللغات الميتة، أما دراسة الرواية فنقارنها بدراسة اللغة الحية الشابة». التي تحجب أكثر مما تكشف. تخفي التمرد والعصيان، وتساعد على إثارة السجال بين البشر. ودائماً تترك فراغاً يملؤه القارئ.

يولي هذا التصور أهمية خاصة للغة ضمن خلاصاتها المنتصرة، التي ظفرت بها إثر معركتها الدائمة مع نفسها والتاريخ. اللغة في نظرتها المنصفة للهامش كجزء حيوي من المتن، كما صاغها حكاء الشعب، لا شاعر البلاط.. هذا ما يُرجّح ارتباط مسألة صعود الرواية بشرط تجدد حياة اللغة، التي رفعت من شأن السرد الروائي، وأسهمت في تحولاته. وهي أكثر تأثيراً مِن الظواهر السياسية والعسكرية، كما يذهب إلى ذلك بعض المحللين من النقاد العرب الذين يعزون التحولات الأدبية الكبرى لعوامل سياسية وعسكرية مثل هزيمة يونيو 1967، وما تلاها من خيبة القومية العربية، وأحزاب اليسار؛ وما تمخّض عن هذا السياق من تأويلات تجعل من الأدب تابعاً للسياسة.

نستنتج مما تقدم أن حداثة اللغة، وقدرتها المستمرة على تجديد نفسها شكلت العامل الأساس في انتصار مخيلة السرد الروائي؛ وفي الوقت نفسه أدت إلى تقويض الشعر التقليدي باعتباره رمزاً للغة متكلسة، بطيئة النمو. وأن البقاء سيكون دائماً للغة الحية كمنظومة شابة تنطوي على قدرات غير محدودة تؤهلها لإعادة إنتاج نفسها، والتقاط وهضم أسئلة الواقع، وتحويلها من ثم إلى أنساق سردية لإبداع كتابي متخيل. وهي لا تستمد قيمتها من معايير نحوها وصرفها، أو ما تزخر به مناجمها من ذخائر الإعجاز، وإنما يكمن الفضل أساساً في كونها تمثل انعكاساً للواقع، لا ما وراء الواقع. لغة عيش، وحركة، وقلق اللحظة الماثلة؛ لا لغة أساطير وأزمنة بائدة. لغة ناسوت، لا لغة لاهوت.
تقع الرواية اليوم، وبرسوخ متعدّد في مرتبة الصدارة عالمياً، لتتبوأ المكانة الأسمى التي كانت قبل ذلك حكراً على الشعر وحده. لكأن الإطار الثقافي المجتمعي بشكل عام جعل مستويات الذائقة أكثر تقبلا واستجابة للسرد منها إلى الشعر. ولا أريد هنا الخوض أكثر في تفاصيل هذه النقطة، وسأكتفي بتأكيد أن اللغة كأداة كتابة شكلت عاملاً محفزاً وداعماً على انتصار مخيلة السرد.

يقول (ميشيل فوكو) في الفصل الثاني من كتابه، الكلمات والأشياء: «إن اللغة ستنمو دون إقلاع ودون نهاية محددة ودون موعد». وهذا تحديداً ما صنعته الرواية باعتبارها غير قابلة للتقنين الجامد، والتأطير المدرسي. الأمر الذي ساعدها على التجنّح بعيداً عبر آفاق المخيلة؛ من دون أن تقف عند حدود التشريط الأيديولوجي.
لأن الرواية في الأساس تتشكل من لحمة لغة المحكي. وتتشابك مع الواقع توخيا للممكن. وهي إذ تنضد تيمات القص لخلق نوع من التماسك السردي، تفكك في الآن نفسه هيكلية المرئي الماثل، وتعيد تكوينه وفق منطقها الخاص بها، الذي يختلف بين كتابة وأخرى؛ فلكل رواية منطقها الخاص بها.
من هنا أصبحت لغة الحكاية، التي نجمت عن تفسخ اللغة الرسمية، من أهم العوامل المؤسسة للعمل الروائي.