تعد قصيدة النثر في المشهد الشعري العربي المعاصر تحولا ً جذريا ً في بنية الوعي الجمالي، حيث لم تكتف ِ بالتمرد على األطر العروضية التقليدية، بل سعت لإبتكار نظام إيقاعي داخلي يعتمد على كثافة الصورة وتوتر اللغة،وفي هذا السياق، تبرز تجربة الشاعر الليبي "مفتاح العماري" كأحد األصوات التي استطاعت تطويع هذا الجنس األدبي لخدمة قضايا وجودية ووطنية كبرى؛ فاإلبداع لديه ليس مجرد ترف فني، بل هو عملية توليد مستمرة للغة والصورة والمعنى في آن واحد. إن اإلبداع في منجز العماري الشعري يتجلى في قدرته الفائقة علىأنسنة األشياء وتحويل المادي (التراب، الأرض، الوطن، الأصل) من كينونة ساكنة إلى كائن حي مشحون بالرغبة والعطش؛ غير أن عطشه ليس مائياً، بل هو عطش وجودي للحرية والعدل والحياة الحقيقية. وتنبني هذه التجربة على آليات جمالية تحاول إقناع المتلقي عبر "صدمة الحداثة"وتجاوز المألوف اللغوي، مما يجعل النص فضاء ً مفتوحا ً على التأويل.
حوارية نقد الرواية الليبية تستعرض تحولات السرد وأسئلة النقد
الطيوب | متابعة وتصوير : مهنَّد سليمان
حوارية بعنوان “نقد الرواية الليبية”
احتضن بيت علي خليفة الزائدي للمقتنيات الكشفية بالمدينة القديمة مساء يوم الثلاثاء 14 يوليو الجاري ضمن فعاليات ليالي المدينة – الموسم الصيفي 2026، حوارية حملت عنوان “نقد الرواية الليبية”، نظمتها منظمة تفاصيل، بمشاركة الشاعر والكاتب مفتاح العماري، والناقد محمود ملودة، والشاعر والناقد عبد الحفيظ العابد، فيما أدارت دفة الحوار الكاتبة أحلام المهدوي، وسط حضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.
استهل الشاعر والكاتب مفتاح العماري مداخلته بالحديث عن التحولات التي شهدها المشهد الأدبي العربي، متوقفًا عند انتقال مركزية التعبير الإبداعي من الشعر إلى الرواية، معتبرًا أن الشعر، الذي ظل لقرون طويلة المرجعية الأبرز في الثقافة العربية، فقد تدريجيًا مكانته وهيمنته، وهي ظاهرة لا تقتصر على العالم العربي، بل ترتبط أيضًا بتحولات عالمية فرضتها العولمة وتغير أنماط التلقي الثقافي.
وأوضح العماري أن صعود الرواية لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية واللغوية، مشيرًا إلى أن اللغة تمثل العنصر الحاسم في تشكل الأجناس الأدبية، وأن الرواية استطاعت استثمار الحكاية بوصفها نواة أساسية لبناء النص السردي، في وقت شهدت فيه اللغة الشعرية تراجعًا ملحوظًا، حتى مع بروز أشكال جديدة كقصيدة النثر التي ما تزال تثير جدلًا نقديًا واسعًا.
كذلك توقف العماري عند أهمية اللغة الدارجة والشعر الشعبي الليبي بوصفهما خزّانًا غنيًا بالصور والتراكيب والمجازات، مؤكدًا أن الرواية الليبية استفادت من هذا الرصيد اللغوي في بناء خطابها السردي وتعدد أصواتها، وأن اللغة في الرواية ليست مجرد أداة لنقل الأحداث، وإنما عنصر تعبيري يكشف موقف الكاتب ويمنح النص أبعاده الجمالية والإنسانية. وانتقد في سياق حديثه بعض المشروعات الثقافية التي تُوجَّه إليها إمكانات كبيرة دون أن تحقق أثرًا معرفيًا حقيقيًا، مؤكدًا أن ذلك يعكس اختلالًا في ترتيب الأولويات الثقافية.
من جانبه، انطلق الناقد محمود ملودة من العلاقة بين الأدب والعمل، مستندًا إلى ما طرحه رينيه ويليك في كتابه نظرية الأدب، موضحًا أن الفنون والآداب تنشأ من طبيعة حياة الشعوب وأشكال إنتاجها، وأن الشعر العربي ارتبط تاريخيًا ببيئة العمل الصحراوية، بينما ارتبطت الفنون في مجتمعات أخرى بطبيعة أنشطتها اليومية.
كما فرّق ملودة بين السرد بوصفه ظاهرة إنسانية قديمة، والرواية باعتبارها جنسًا أدبيًا حديثًا، مبينًا أن السرد كان حاضرًا في الشعر والقرآن والأساطير، وأنه ارتبط بالتعبير عن الذات والفردانية، قبل أن تتبلور الرواية في أوروبا مع نشوء الطبقة البرجوازية، وهو ما تناوله عدد من المنظرين، وفي مقدمتهم ميخائيل باختين.
ورأى أن ظهور الرواية العربية ارتبط ببروز الطبقة الوسطى بعد الحرب العالمية الثانية، كما ربط تطور الرواية في العالم العربي والعالم الثالث بانتشار السينما، معتبرًا أن العلاقة بين الفنين كانت وثيقة، إذ وفرت السينما نموذجًا بصريًا أسهم في تطور الكتابة السردية.
وتناول ملودة مسار الرواية الليبية، متوقفًا عند تأثرها بالتيار الوجودي عقب الهزائم العربية، ثم التحولات التي أعقبت عام 1969، مشيرًا إلى أن عددًا من الكتّاب توقفوا عن الكتابة أو أعادوا توجيه موضوعاتهم بما يتوافق مع التحولات السياسية والثقافية. كما لفت إلى أن الرواية الليبية عانت من غياب المشاريع السردية طويلة الأمد، وهيمنة التجارب الفردية القصيرة، إضافة إلى التحديات الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تؤثر في حرية الإبداع وتلقي الأعمال الروائية، فضلًا عن ضعف الثقافة القرائية وسيادة الأحكام المبنية على السماع بدل القراءة.
بدوره، ركز الشاعر والناقد عبد الحفيظ العابد على واقع النقد الأكاديمي للرواية الليبية، مؤكدًا أن المناهج النقدية الحديثة ليست غريبة عن قراءة الرواية الليبية، بل إن الطابع الإنساني للعمل الإبداعي يجعلها قابلة للاستفادة من مختلف المناهج النقدية المعاصرة.
واستند العابد إلى مفهوم “الرواية الإجرائية” الذي طرحه الدكتور عبد الله العقيبي، ليطرح في المقابل مفهوم “النقد الإجرائي”، موضحًا أن كثيرًا من الدراسات الأكاديمية تلتزم بالإجراءات الشكلية للمناهج النقدية، لكنها تعجز عن إنتاج معرفة حقيقية بالنص الروائي، إذ تكتفي بحشد المصطلحات وإعادة سرد الحكاية دون تقديم تحليل نقدي عميق.
وتابع العابد بقوله : إن معظم الدراسات الأكاديمية حول الرواية الليبية تتناول المناهج البنيوية والسيميائية والسردية بوصفها عناوين عامة، لكنها لا توظفها توظيفًا معرفيًا حقيقيًا، كما انتقد استمرار بعض القراءات التي تتعامل مع الرواية بوصفها مجرد انعكاس مباشر للواقع، معتبرًا أن هذا التصور تجاوزه النقد الحديث منذ عقود، خاصة بعد الإسهامات التي أعادت النظر في مفهوم العلاقة بين الأدب والواقع، وأكدت استقلالية النص الأدبي وآلياته الخاصة في إنتاج المعنى.
اللافت أن الحوارية قد شهدت نقاشًا مفتوحًا بين المشاركين والحضور، تناول واقع الرواية الليبية، ومستقبل النقد الأدبي، وأهمية تطوير أدوات القراءة النقدية بما يواكب التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي، في إطار سعي فعاليات ليالي المدينة إلى تعزيز الحوار حول قضايا الفكر والإبداع، وإثراء المشهد الثقافي الليبي.
من شواطئ حوض المتوسط إلى ضفاف نهر التايمز، أُتيح للحكاية الليبية أن تسافر من لغة إلى أخرى. هذا ما فعله الكاتب الشاب «يونس محجوب»، حين طوع لغته الإنجليزية لإعادة إنتاج مختارات من حكاياتنا المحلية. ليبادر والده الشاعر والباحث «منعم المحجوب»، من بعد، بنقلها مجددًا إلى العربية تحت وسم «بلاد اليميم»، وقد زودني، مشكورًا، بنسخة من المخطوطة المعربة.
ولأن كل شيء في هذا العالم يبدأ بحكاية، سيكون المرء أكثر فاعلية وحضورًا وانسجامًا مع نفسه ومحيطه الاجتماعي، عندما يبني حكاية تخصه بهيئة كلمات تُروى. فعبر الحكاية ينجم قدر من التحقق للراوي والمتلقي في آن واحد. لكن ما سر ارتباط هكذا نشاط بالليل، حيث تبدو أجمل أوقات الحكاية تلك التي تسبق ذهابنا إلى النوم، كأنها بساط ريح يحملنا إلى بر الأحلام؟ أو هي جسر بين مسافتين، وحياتين، وبين لغة ولغة. ويكفي أن كل شيء في هذا الكون يبدأ وينتهي بحكاية، بوصفها النسيج الأول لكل السرديات الأخرى. لهذا كنا، في أيامنا، نُصغي بكثير من الشغف والحماسة لمن بحوزته حكاية تُروى.
كان ذلك قبل أن يدخل التلفزيون إلى البيت الليبي، ويتعرف الأطفال على برامج الكرتون (الرسوم المتحركة). في ذلك الحين كان يقع على عاتق الجدة، أو الأم أحيانًا، تأدية دور الراوية، بطريقة لا تخلو من الطرافة والتمثيل، ولا سيما حين تقتضي بعض وقائع الخرّافة (كما كنا نسميها) تقليد أصوات الدواب والطير والمخلوقات الغريبة، التي تتطلب محاكاتها قدرًا من مهارة تقليد أصوات الحيوانات والمردة. وقد ظلت تتجلى مآثر هكذا مسامرات ومؤانسات في مجتمعنا الليبي حتى مطلع عشرية السبعينيات من القرن الماضي.
كأن هذه الباقة المقترحة من حكايات «بلاد اليميم» تطمح هي الأخرى، وبكثير من الاحتفاء والشغف، إلى استعادة تلك اللحظة، التي كانت خلالها الجدة تؤثث خيالنا بمغامرات أثيرة لا تُنسى؛ أي أنها تحاول إنصاف الجدة والحكاية في آن واحد، كضرب من الاعتراف والتكريم. فوحدها الجدة كتاب حكاياتنا الذي لا ينضب أبدًا؛ فما الحياة سوى حكاية صاغتها المخيلة الجماعية خلال مسيرتها، بحثًا عن الحقيقة، بوصفها خريطة افتراضية لمعرفة الطريق إلى الكنز.
وفي الأثناء قد لا تكفي حكاية واحدة، طالما هناك احتمال لأن تكون الطريق محفوفة بعديد المخاطر والمكابدات؛ لذا تضافر حشد من الحكايات التي لا تُحصى، من بينها هذه الفصيلة التي انطوت عليها «بلاد اليميم»، كما قرأتها في نسختها المترجمة إلى العربية، ليقترح علينا كاتبها أكثر من حكاية شعبية، من حكايات ليبيا؛ بعضها لا يزال يحتفظ بالمذاق نفسه الذي روته الجدات، فيما انزاح بعضها الآخر لتأثيث دلالات أكثر ثراء تحتمل تأويلات شتى.
ربما لأن التوغل بعيدًا في أسرار الحياة، بتجاربها وخبراتها، لن يكون بتلك الطمأنينة المرجوة، ما لم يكن في وسعنا تكريس الخيال أداةً لفتح المغلق. من هنا يبدأ تأثير الحكايات وفاعليتها في المجتمعات البشرية. فما المكابدة المضنية من أجل أن يتغلب الإنسان على المخاطر المحدقة به، لينتصر الخير على الشر من جهة، وأن تتحقق إرادة المعرفة عبر الظفر بالمفتاح السحري من جهة أخرى، إلا سلسلة طويلة من المغامرات باتجاه رحلة المغامرة والاكتشاف، في ملحمة الإنسان الكبرى.
تعد الحكاية الشعبية بمثابة الأم الحاضنة، والرحم الذي خرجت من لدنه الأجناس السردية بمختلف أنواعها: ملحمة، ومقامة، وقصة، ورواية؛ ولا سيما أن المتن الأكثر شهرة ورسوخًا في تراثنا الحكائي العربي جسدته حكايات شهرزاد عبر «ألف ليلة وليلة»، وكذلك حكايات بيدبا في «كليلة ودمنة». ويكفي أن القارئ في الضفة الأخرى، و(إلى وقت قريب)، يكاد لا يعرف شيئًا من أدبنا العربي، باستثناء حكايات شهرزاد، التي كادت تتبوأ مكانة تشبه تلك التي احتلتها ملحمتا الإغريق: «الإلياذة» و«الأوديسا». وحسب الدور المعرفي الذي اختزلته الحكاية، يمكن القول إنها كانت الإشارة الأهم لطفولة الحضارات.
فمنذ القدم بدأت الحياة بحكاية صغيرة. وثمة أسطورة أفريقية تقول إنه في الماضي السحيق لم تكن هناك حكايات على وجه هذه الأرض؛ لأن الملك الجبار، الذي يعيش في كوكب آخر، هناك حيث تلمع النجوم في السماء البعيدة، قد أخفى جميع الحكايات في صندوق ذهبي لا يُفتح أبدًا إلا بمعجزة السحر، خبأه بجوار عرشه الملكي. ولأن الرجل العنكبوت، كما تقول الأسطورة، كان يبحث عن حكايته الخاصة، صنع سلمًا من نسيج خيوطه الرقيقة القوية، وصعد إلى السماء القصية لكي يسترد حكايته الضائعة.
ما فعله «يونس محجوب» هنا قد يتعدى وظيفة توثيق ذاكرتنا السردية في مستواها الشعبي، وصبها في لغة أخرى، ليضمر، في الآن نفسه، عديد الإشارات المحفزة على إعادة تفعيل الحكاية وتدويرها، بوصفها تاريخًا للمعرفة، وطريقة مثلى للحوار والتفكير، وذاكرة جمعية ينبغي تعزيزها لتكون أكثر قربًا، ولا سيما من حقائب الناشئة. لأن أجمل ما في الحكاية أيضًا أنك، حيثما توغلت بعيدًا في هذا العالم، ستجد حكاية أخرى قريبة الشبه بحكايتك الأولى، تلك التي كنت تظن أنها تخصك وحدك، وإذا بها مشاعٌ يتداوله الناس في شتى أنحاء المعمورة. وغالبًا ما كانت الحكاية تُدشن سردها بالعبارة نفسها: «كان يا ما كان في قديم الزمان».