وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الاثنين، 13 أبريل 2026

فتنة البيوت - مفتاح العماري

مفتاح العماري

أمحمد تاجدي


فتنة البيوت

    في مدونة فنّ العَمارة، ثمة

 بيوت بلغت درجة عالية من

 البهاء، لا يمكن التغاضي

 عما تبثه فينا من إحساس

 محفز لمزيد من الإيمان

 والحب والجمال. بيوت لها

 جاذبية خاصة، لكأنها

 خضعت لتصاميم هندسة

 الأحلام، أو عَمارة الشِّعر،

 مما قيّض لها أن تقع في تلك

 المنطقة الخصبة من

 المخيلة؛ لتكون أقرب إلى

 الأسطورة منها إلى الواقع. 


والتي بقدر ما تثيره فينا سطوة فتنتها من دهشة لا تفسّر، تظل في آن مربكة ومحيرة، ولا مناص من الاستسلام لسحرها، كحالة تأمل لا متناهية؛ ليس من الهين التحدث عنها دونما امتنان لهبة الفن وسموه. الفن، عندما يترجم كضرب من الجنون.

    في الربع الأخير من القرن التاسع عشر تمكن ساعي بريد فرنسي، يدعى: "فرديناند شيفال" من بناء قصره الشهير، الذي تخلى فيه عن وظيفة السكنى منحازًا إلى عمارة الإعجاز. استمر بناؤه لثلاثة وثلاثين عاما. كان الرجل في أثناء أوبته إلى المنزل على دراجته الهوائية، يقوم بجمع ما تيسر حمله من قطع الحجارة الملقاة على الطريق. كان يتبع خياله إكراما لأعجوبة متخيلة، ستتضافر العبقريةُ والحماسةُ لصناعتها، لحظة تحويل الحجارة من مادة خام مهملة، إلى استعارات تنطوي على كل ما في الكون من هوس التشكيل وإيقاعات الطفولة. وقد ثابر على وضع حجر فوق حجر، بسماحة بستاني رَبّته امرأةٌ مقطوعةٌ من شجرة. وأحلام غامضة ما من لغة قادرة على جعلها ذات مغزى؛ سوى أن تُقد بهيئة ملحمة من خمس ضفاف. في كل جهة يقف الفنانُ مذهولًا مما صنعت يداه.

    في الريف الليبي، ثمة رجل من بلدة مسلاته، اسمه: "أمحمد الجدي"، شيد هو الآخر وعلى مدى أعوام طوال من حجارة الطريق بيتا لا يُضاهى، ناهز حدًا من الإبهار المتعذر على الوصف. يكمن جزء من أصالته في ما انطوت عليه حجارةُ جبال الريف من حياة ظلت كامنة، تنتظر نباهة منصفة. فكان لدى السيد أمحمد، من الفراسة ما يجعله قادرًا على تعقّب أبجديات قطع الحجارة الصماء، خلال التقاطها من قارعة الطريق؛ ليس كبناء ماهر فحسب؛ بل كمتأمل أو مُريد يقتفي بحركة صبورة أسرار الحجر في بلدته الجبلية. حيث دأب بمزاج الفنان المتمهل، مكتفيا بين يوم وآخر بإضافة ستة قطع من الحجارة في كل نوبة بناء. إلى أن بلغت الجدران مداها من روح الزمن وخفاء الطبيعة.

     استغرقت عملية البناء ردحًا من الزمان، كما لو أن كل قطعة حجر بمثابة كلمة في رسالة مشفرة يبثها عاشق ورع. حتى أصبح بنيانه بعد حين أكثر صلابة ورسوخا. شيد الغرف التي تحيط بأهواء الفصول، دونما إغفال لمزاج الرياح ومواسم الغيث، وعلاقة النهار بالليل. أقام الردهة الفسيحة، التي تجمع الأرض بالسماء في صحن ينفتح على أكثر من باب، وحياة تنتظر، ودهشة لا تبرح.

     قبل بضعة أشهر احتفت مواقع التواصل الاجتماعي ببيت مسلاته الحجري. صنّاع المحتوى الذين زاروا البيت الأعجوبة، صوّرت عدساتهم براعة البنيان قريب الشبه من نمط العمارة الشعبية؛ وانصبت أسئلتهم جميعًا حول ماهية المواد الخام، والمُدّة التي استغرقها تشييد المبنى. وبكل سخاء كالوا المديح لبهاء الغرف، وروعة الفرن الحجري، والأرضيات التي حاكت براعة الفسيفساء، كما أطنبوا في إطراء هندسة الممرات، وهي تنحدر في موجات هارمونية، باتجاه المسبح المحاط بأكثر من آية رَبّانية، يمكن للصوفيّ وحده قراءة فضائلها. بحيث لم يتركوا قوسًا أو سقفًا أو تجويفُا، إلا وأثنوا على مهارة تصميمه وتقانة صنعه، مشيدين بلمسات الإبداع التي تركت بصمتها في كل بقعة. لكن الشيء الوحيد الذي فاتهم التوقف عنده: أن المغزى الحقيقي من وراء هكذا بنيان، يمكن اختصاره في جملة واحدة مفادها: أن إرادة الإنسان لبناء بيت جميل وآمن؛ هي في جوهرها تعبير عن الإرادة نفسها، التي يمكن حَذْوها في بناء الأوطان.

     إذا كان ساعي البريد الفرنسي قد حشد في قصره الأسطوري كل ما استدعته الذاكرة من غرائب المخلوقات ونظائر ثقافات الشعوب؛ ليجاور بين المسجد والمعبد الهندوسي، وعديد الرموز والعلامات التي تلمّح لمعجزات التاريخ. فأن ما خلص إليه الليبي سَلِيل قبائل مسلاته، بعد أعوام طوال، عبّر في الواقع عن طموح راسخ لتشييد بيت حقيقي يُشعره بالسعادة والأمان، زوّده بنوافذ للشمس، وممرات للهواء، وفرن لصناعة الخبز وطهي الطعام. كأنه بذلك يبني وطنًا حقيقيًا، لا مجرد مجاز لتأثيث ذاكرة الطفولة.

    وفي كلا الحكايتين: ليس بناء بيت وحده ما كان توقًا يُرتجى، بل فعل الإرادة التي تبني البيت. وسواء أكان ذلك في فرنسا، أو في ليبيا. فأن قيامك بشيء مجدي، تعبير عن التحقّق، ليكون وجودك في الحياة ذا نفع؛ وقد أسهمت حقًا في تشييد ملاذ صالح لإيواء المغزى الإنساني؛ حتى بتوظيف ما هو مهمل، كمادة خام يمكن ترجمتها إلى ثروة من فصيلة الإبداع. عملًا بالمقولة التي تنسب للجاحظ: "الأفكار ملقاة على الطريق، المهم كيف نلتقطها". كمقولة حكمية شائعة، لا تحث فقط على كتابة قصيدة شعر، أو صناعة كتاب؛ بل تصلح لحمل  كل ما هو عظيم، مادام الشأن يتعلق بالإرادة والشغف، لحظة تحويل الأحلام الخيّرة إلى واقع جميل. هذا ما نستخلصه من مكارم العمارة الحية، حين تتسع الرؤيا، من بيت صغير إلى  وطن بأسره.

_________   

https://alwasat.ly/news/opinions/511736?author=1

 

الجمعة، 13 مارس 2026

مفتاح العماري - برلمان راقد الريح _ بوابة الوسط

مفناح العماري  


برلمان راقد الريح


    في العشر الأواخر من الشهر الكريم، نذكّر برلمان ليبيا ومجلس الدولة وحكومتي شرق البلاد وغربها، وكل مُلّاك النفوذ والثروة والسلاح، بأن الإحسان يُعدّ من أهم الأبجديات الآدمية، والروافد التي تكفل التماسك داخل الجماعة، عبر فعل الجميل والخير كالتضامن والأمن والسلام.

    ولا سيما في أثناء هذا المختنق المعيشي الذي يكابد ويلاته فقراء الوطن. إذ في الإمكان، عبر مبادرة بسيطة، إيقاظ أرواحنا الطيبة، وتعزيز قدر من التفاؤل والثقة داخل بيئة أنهكتها الفوضى، وطحنتها الحروب، ومزّقتها الفتن، وتربّص بخيراتها اللصوص وشذّاذ الآفاق.

لا شك أن الدعوة إلى تعميق فعل الإحسان في مثل هذا الظرف المخيف تُعدّ ملحّة، حينما يتعلق الشأن ببلاد معطاءة اسمها ليبيا؛ بذرت فينا حب الخير، كصلة الرحم، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، والرأفة بالعاجز والمعدم وعابر السبيل، والرفق بالحيوان. مما يلزمنا أن نكون أوفياء لقيمنا النبيلة التي توارثناها جيلًا بعد جيل؛ لا أن نستسلم أمام أوبئة الجشع والنهب والتغوّل.

ثمة في التاريخ شعوب كثيرة مرّت بمحن عصيبة، ومكابدات أكثر ضراوة وعنفًا، لكنها بفضل ثوابتها الأصيلة وحكمة زعمائها أنقذت نفسها من الضياع، ولنا في جنوب أفريقيا، بزعامة نيلسون مانديلا، مثال يُحتذى. مما يحمّسنا لتوجيه دعوة ملحّة إلى قدوة مجتمعنا الليبي، من زعماء ونواب ورجال أعمال ووزراء وسفراء، وكل أعيان وأثرياء الوطن، لتقديم العون للمعوزين من أبناء شعبهم.

ونناشد أولًا أعضاء مجلس نوابنا الأفاضل أن يأخذوا زمام المبادرة، والتبرع بربع رواتبهم لمدة سنة واحدة لصالح الفئات المعدمة، كالنازحين والمهجّرين، وأسر الشهداء، ومرضى السرطان، والمعاقين بدنيًا، وأصحاب المعاشات الضمانية.

فالمسألة برمّتها لا تتعلق فقط بإنقاذ أرواح وجبر خواطر، أو تضميد جراح، أو ترميم وطن؛ بقدر ما ترتبط بإنقاذ قيم أخلاقية ذات صلة وثيقة بنشر مآثر الرحمة وفعل الخير والمحبة بين الناس، انطلاقًا من المثل السامية لديننا السمح، وأعرافنا وتقاليدنا كمجتمع إسلامي خيّر. فعندما تشتد الأزمات تبقى القيم وحدها ما نحتاج إليه للحفاظ على كيان أمتنا.

صحيح أننا خلال سنوات الجمر فقدنا الثروة الأعزّ: عشرات الآلاف من شبّان بعمر الورد. شهداء هناك، وشهداء هنا. ناهيك عن خراب العمران، وهدر الكثير من الثروات دونما جدوى. لكننا، وبقليل من الحكمة، يمكننا إذا شئنا معالجة أزماتنا. فقط علينا إيقاظ ضمائرنا، وتحريك ما تبقى من آدميتنا، تعزيزًا لقيم التآزر والتكافل المجتمعي. ولتكن الخطوة الأولى من أناس اؤتمنوا على تسيير مؤسسات الدولة وخدمة الوطن والمواطن.

وإننا حين نعوّل على مثل هكذا مناشدة وطنية، فإنما نسعى إلى استعادة الثقة من جهة، وتعزيز روح التضامن بين الناس من جهة أخرى. وذلك لما لهذه المفردات من مكرمات وفضائل معنوية، ستجعل الناس يشعرون بأن من انتخبوهم هم بشر مثلهم، يحسّون بأوجاع فاقتهم، وآلام جوعهم، وخيبة أملهم، ومعاناة انسحاقهم اليومي.

ولكم تمنيت طوال هذه الأعوام التي كابد خلالها المواطن الليبي عديد الأزمات، من انقطاع الكهرباء والمياه، وشحّ الخبز والمحروقات، وأزمة السيولة، وارتفاع أسعار المؤن؛ أن ترصد لنا عدسات المصورين مسؤولًا واحدًا يقف، مثل مواطنيه، في طوابير الخبز والغاز والبنزين والزيت، أو ينتظر دوره أمام واجهات المصارف.

حتمًا سيكون المشهد مثاليًا وعادلًا ومنصفًا، بل في غاية الوطنية والتواضع، حين يشعر المواطن «راقد الريح» أن المسؤول ليس مشغولًا عنه (كما يُشاع) بالتنزه في شرم الشيخ، وفنادق القاهرة وتونس، و«مولات» إسطنبول ودبي والدوحة، وأن جلّ همه لا ينحصر في مصالح خاصة وضيقة تعبّر عن نزعة أنانية، هي أقرب إلى الخيانة حين يكون أفراد الشعب في أشد أزماتهم المعيشية ضنكًا واختناقًا، بينما هو يسعى لنهب المال العام، أو تمكين أفراد عائلته وقبيلته من العمل في الملاحق الدبلوماسية وبعثات الدراسة والعلاج بالخارج.

وكم سيكون جميلًا هذا الإيثار، وما سيعكسه لدى عامة الناس؛ لأنه سيسهم دون ريب في خلق قدر كبير من تأثيث الوجدان الليبي، لحظة أن يشاطر عضو البرلمان المستضعفين من أبناء الوطن معاناتهم اليومية، ويشعرهم بأنه على تماس يومي مع شكاتهم وضيقهم وبؤسهم. فأن تكون، يا سيادة البرلماني المبجل، حاضرًا لمواساة من انتخبوك ومؤازرتهم في فقدهم ومرضهم وعوزهم؛ هذا يعني أنك قد برهنت حقًا على ولائك للوطن.

واقتداءً بهذا الإيثار يمكننا إرساء ثقافة التسامح بين الناس، وتمهيد السبل لإيجاد حلول لمعظم خلافاتنا وخصوماتنا السياسية، عندما يصبح تأسيس الحوار والتفاوض والتصالح أقل صعوبة.

ولعلنا بذلك نتيح فرصة ذهبية أمام المسؤول الليبي الذي، بالرغم من تعاقب أكثر من حكومة انتقالية ومؤقتة وفاشلة وقاصرة ومرتهنة وتائهة، لم يبرهن حتى على إبداء الحد الأدنى من الوفاء لشعبه. والشأن نفسه ينسحب على معظم الأثرياء من أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال الذين ضربوا بالقيم الوطنية عرض الحائط.

أعني القيم بوصفها العنصر الأهم في مكون الشخصية الوطنية بشقيها الفردي والجمعي. والمعنى بداهةً ينصب في كفّة الخير لا الشر. هذا التوصيف يستمد دلالته من وجود ثوابت صلبة ترفد مجموعة الأعراف والقوانين التي تنظم علاقات الحق والواجب داخل الجماعة. لكن عندما تخضع منظومة القيم لسطوة التفسخ، سيؤثر ذلك حتمًا في المناخ العام، لتفضي بنا المحصلة إلى طقس ملوث وبيئة حاضنة بامتياز لكل السموم الناشئة عن تعفن الفساد ومشتقاته.

وجلّ ما نخشاه حينئذ أن تبقى القيم النبيلة مجرد شعارات جوفاء. علمًا بأن الشأن هنا لا يتعلق بوهم المدينة الفاضلة، ولا بأي صنف من المثاليات التي تقفز على شراسة الواقع؛ إنها فقط دعوة ملحّة لأن يتآزر الليبيون كعائلة كبيرة، يعوزها القليل من الحب، والقليل من التسامح، وأيضًا القليل من التضامن لكي تنتصر على أزماتها.

__________ 

الرابط :

https://alwasat.ly/news/opinions/510862?author=1

مفتاح العماري - الكاتب والناس - بوابة الوسط

مفتاح العماري 

الكاتب والناس 




«يا أبي قد صرتُ أفهمْ
روعة الحرف الذي يصنع للإنسان سلّمْ»
علي الرقيعي

لا ريب أن الكاتب المشغول بهموم الواقع المعيشي والسياسي لعموم الناس، أي الجماعة التي ينتسب إليها كشريك حقيقي في المواطنة والسيادة، مطالبٌ بأن يقول كلمته المعبرة عن مبادئه ومواقفه، وإسهامه في تحفيز قارئه على استخدام عقله وإنتاج أسئلته؛ سعياً لالتماس الحق، وتمهيد الطريق لتغليب الجمال (أي الخير)، وإرساء العدل والتكافل الاجتماعي، وصولاً إلى قدر من الطمأنينة التي تجعل الإنسان إنساناً.

ولا ريب أيضاً، أن كل ما تقدّم سيظل محض إنشاء لفظي لمفاهيم ومقولات مبتذلة، و«ضحكاً على الذقون»، ما لم يكن الكاتب صادقاً في إيمانه بالكلمة؛ بوصفها رافداً أخلاقياً يدعم بنية خطابه بكل خصائصها الفكرية والأدبية، حتى يحوز على ثقة الناس؛ كونهم الطرف الرئيس والمستهدف في عملية كهذه، لا يكتمل نصابها إلا بتحقق حالة التشابك النسيجي بين الكاتب والخطاب والمتلقي.

لهذا وذاك، سيبقى هذا الكلام ضرباً من الثرثرة ما لم نقترب في الوقت نفسه من توصيف الطرف المستهدف بتوجيه الخطاب، أي الناس (القراء)، الذين يعدون بمثابة المقيم والداعم للكاتب وخطابه. لكن في المطلق ليس كل الناس معنيين بالتلقي؛ طالما أن من يجيد القراءة منهم قد لا يكترث -بحكم التنشئة- قليلاً أو كثيراً بما يُكتب، فثمة من يكتفي بما تقدمه الوسائط السمعية والبصرية دون غيرها. وإذا حصرنا الأمر في القارئ المهتم وحده، سيتعين علينا بالمثل الأخذ في الاعتبار احترام وتفهّم مستويات الشغف، ومناطق الجذب والتنوع والاختلاف؛ فما يستأثر بانشغال فئة من القراء، قد لا ينسجم مع ميول ورغبات فئة أخرى. ولعل تفاصيل كهذه ستقودنا لاحقاً إلى توصيف مجالات الخطاب وأجناسه الكتابية، وكذلك النظر إلى العوامل الاجتماعية في تشكيل أنماط السلوك وتوجيه بوصلة القراءة، تبعاً لتأثيرات عوامل تربوية واجتماعية ودينية واقتصادية. وبذا، فالسؤال الملحّ الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تتوفر بيئتنا المحلية تحديداً على شروط قرائية فاعلة يمكن الاستئناس بها كمسوغ لاستمرار الكتابة، وتأكيد جدواها وضرورتها الثقافية؟

أظن أن واقع الحال في ليبيا سيكون مخيباً لطموح الكتابة، ليس بصدد انحسار ظاهرة القراءة فحسب، بل لما يُرتكب من جرائم (في غياب دولة القانون) لحظة تواطؤ السلطات الحاكمة نفسها بكل أجهزتها ومرافقها، وهو الأمر الذي يعد أكثر فداحة عندما نقف على ما تتعرض له «سلالة المخيلة» من «إبادة جماعية»، تستهدف معظم أجناس المعارف الإنسانية الجميلة، من أدب ورسم وموسيقى ومسرح وسينما. وصل الأمر إلى حد تهيئة حيز من الفضاء العام (الشعبوي) لازدراء العديد من أشكال الفن باعتبارها من قائمة المحرمات، أو المكروهات التي تتنافى مع ديننا الإسلامي. ولعل افتقار جدول مواد الدراسة بالتعليم الأساسي لحصص الموسيقى وغيرها من مواد التربية الفنية، يعزز شبهات كهذه؛ وكأن وزارة التعليم هي الراعي الرسمي لتفقير الوجدان الجمعي، حين تتورط في ارتكاب مثالب فادحة ضد الناشئة بحرمانهم عمداً من محرضات التربية المثلى لمواهبهم ومهاراتهم الفنية والأدبية. وسبق لي شخصياً في مناسبة عامة خلال سنة 2023، أن كاشفت وزير التعليم بـ«حكومة الوحدة الوطنية»، بضرورة استدراك ومعالجة هذا الخلل في العملية التعليمية.

ولمزيد من التدليل، سيبدو الأمر محيراً ونحن في منتصف العقد الثالث من عتبات الألفية الثالثة، وغير مفهوم البتة، عندما نشير إلى خلو عاصمة كبرى لبلد نفطي، مثل طرابلس، من قاعة مسرح واحدة، أو صالة سينما مفتوحة لاستقبال الجمهور، علاوة على غياب أي مطبوعة ثقافية تُعنى بحياة الفنون والآداب. وقد أصيبت الحياة الثقافية بشبه شلل كامل، عطّل صناعة الكتاب وتوزيعه وإقامة معارضه بصورة منتظمة، وأهمل مقترحات إرساء تقاليد قارة لأي احتفاء وطني بهيئة جوائز تشجيعية وتقديرية تنصف نشاط الإبداع بشتى مجالاته. ناهيك عن مظاهر التخلي العمد عن كل ما يتعلق بثقافة الطفل، حيث لا شيء من شأنه تحفيزه على إبرام صداقات حميدة مع الكتب والألوان والموسيقى، وكائنات البيئة من نبات وطير ودواب، حتى حديقة الحيوان الوحيدة بالعاصمة استولت عليها جماعات مسلحة، وحولت جزءاً من فضائها إلى مقر أمني وغرف اعتقال. فإذا كان هذا مآل العاصمة، فكيف هو الحال في مدننا الأخرى، ولا سيما «مناطق الظل»؟

في خضم فوضاهم، خسر الليبيون جزءاً عظيماً من ثرواتهم وسيادتهم، وقد سهوا -أو هم تغافلوا- إزاء التفريط في وجدانهم، ممثلاً في تعطيل «لغة الروح» كسيمياء لملامح شخصيتهم وكيانهم. ولعلهم سيندمون يوماً ما إذا ما حققوا سيادتهم، حيث لا مفر من خوض معركة عسيرة لاسترداد بعض المسلوب من ثروتهم المادية، وإعادة بناء ما تهدم من بنيانهم؛ لكن الأكثر قسوة آنذاك (وهذا ما يؤلم) سيكون استحالة تعويض الفاقد من وجدانهم، طالما ليس في الإمكان استعادة اللحظة نفسها.

وخلاصة القول إن الأزمة برمتها ليست ناجمة فقط عن ظاهرة انحسار القراءة كنشاط اجتماعي، بل عن جملة من الأعراض المرضية المزمنة: اجتماعية وثقافية وتاريخية. يلزمنا كمجتمع ضرورة إدراجها ضمن الأولويات التي ينبغي معالجتها عبر سياسات استراتيجية، ومخططات وبرامج عمل تُعنى بالشأن الثقافي وبناه التحتية، كمشروع حقيقي لترميم الذات أولاً، لعلنا بذلك نفلح في تجسير علاقة فاعلة بين الكاتب والناس.

________   

للأطلاع انقر الرابط :

https://alwasat.ly/authors/%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A


الأحد، 15 فبراير 2026

منصور العجالي .. البلاغة الجديدة . عن موقع ( بلد الطيوب)

 

للوحة-للفنان-العراق-جمال-ابراهيم-مدد


     لا تطمح البلاغة الجديدة إلى تقديم رسائل ونماذج جمالية معيارية بل هي بلاغة تثير الأسئلة وتعول على توظيف أبعاد سيمائية وتداولية في خطابها. فقد تحولت الرسالة الجمالية إلى سؤال ولم يعد التأثير غاية السؤال كما هو الحال في خصوص الرسالة بل صار الالتفات وإعادة الاكتشاف جوهر وظيفة السؤال الذي اتخذ من تقنيات الإزاحة والإحالة والتغريب الدلالي رديفا للاشتغال بالصورة. لذلك يبقى الشعر بلا حدود فيضا من فيوض الجمال السابحة في فضاء اللغة ولأن اللغة كما يقول هيدجر هي بيت الوجود ستظل أشكال التعبير عن هذا الجمال الوجودي شرعة المغامرين الخالدة.

 هذا النص المغامر كغيره من نصوص كثيرة للعماري يخلو من الجزالة ومن البلاغة التقليدية لكنه رغم لغته المتقشفة ينضح بجماليات الإزاحة والتجاور وشعرية الإحالة وهنا تتجلى أهمية المغامرة الجمالية وجِدّة خطابها. في هذه البلاد هناك قصيدة نثر قبل العماري وقصيدة نثر أخرى بعد العماري..


منذ أن دفنا أبي، وتركنا أخطاءه
تلعب حرّة خارج القبر،
منذ أن تدبرت أمنا زوجا آخر،
ولم نعد نراها إلا في المآتم،

منذ أن تخلت عّني الأبواب،
وتحوّل اسمي إلى خمسة أرقام هزيلة
وأمست الثكنات ملاذي غير الآمن،
منذ أن عثرت على جبران متروكاً بإهمال
على طاولة عامل بدالة في معسكر الكتيبة 23 مشاة
كان النبي مهانا،
شوّهت ملامحه أرقام وخربشات عابثة،
وبقع الشاي،
منذ ذلك الحين:
وأنا أكتب الشعر لجمهور مغرور،
يتجاهل الموسيقى،
ويفسح الطريق للجنرالات.

___________

مفتاح العماري


https://tieob.com/archives/104144?fbclid=IwY2xjawP-Y4NleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFYSkthYTM5NUxaam1NanpFc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHq6R1cv47TLeO6ttKr1aifSiKuZU8IkKuy_gnOg7to6qN_h1vJp5S9MCSwiR_aem_cgOOyu4iBLbdWUSqu3_5MQ

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

مفتاح العماري بودكاست ليبي

 


(بودكاست) ليبي    بوابة الوسط

مفتاح. العماري الجمعة 16 يناير 2026, 08:32 مساء

مفتاح. العماري                                                                                                     


خيانة


تُشاطرُ الذئبَ فريستَه؛
لمْ يعد لنباحِها معنى،
كلابُ النجع.

هل أضحى نهب ثروات الوطن نشاطا عاما، تشغل أخباره حيزًا من منظومة الأعلام - المعنية بالشأن الليبي- فلا يمر يوم دون أن نكون على موعد مع وقائع جديدة للسرقة والنهب والاحتيال وتهريب العملات الأجنبية، والذهب، والوقود، والآثار، والنفط، والبشر، وغسل الأموال، والاستيلاء على أملاك الدولة، وما يتبع ذلك من تزوير وثائق وسندات... إلخ.

سيل هادر لجرائم متسلسلة أتت على الأخضر واليابس، لم يقتصر فعلها على أشخاص من فئة الكومبارس: كلصوص عاديين، ومهربين، وتجار مخدرات وسوق سوداء، وسماسرة «اعتمادات»، ومراقبين ماليين ومحاسبين بالمصارف والسفارات وكافة المؤسسات والهيئات والأجهزة الرسمية؛ بل تبوأ أدوارَ بطولتها شخصيات مرموقة من فصيلة الثوار الشرفاء، والنخب الأكثر وطنية وعفة ونزاهة «كما يُظن»: وزراء وسفراء وقناصل ومديرون، ورؤساء، وأمراء حرب، وشيوخ «بأربطة عنق»، ومن على شاكلتهم. ليمسي مسلسل العبث بالمال العام في ليبيا المنكوبة، نشاطًا وطنيًا عاما: «ينبغي أن يُمارس لا أن يُتفرج عليه».

صحيح، أنني لم أضف جديدًا، طالما بات جميع الليبيين «صغارا وكبارا» بفضل الوسائط الذكية، على دراية بهكذا آفات وجوائح يندى لها الجبين، بلغت حدّا من الاعتياد تضاءلت إزاءه علامات التعجّب والدهشة، وحتى الاستنكار. ولعلّ هذا التواطؤ ناجم عن استفحال واستشراء فيروسات الفساد وتحوّلها إلى ظاهرة، أو شبه ظاهرة اجتماعية، قد تُشخّص بوصفها جزءا من تركيبة الثقافة «الشعبوية»، استئناسا بما يذهب إليه المخيال الجمعي لتسويغ هكذا آفات عبر إحالتها إلى فضائل: «الشطارة، والفهلوة، والزقاطة، وتشغيل الدماغ»، وربما من زاوية نظر أخرى تأتي كاستجابة جينية لنزعة الغنيمة، والتي ليس من المستغرب تفاقم جموحها، بالنظر لتمركز المرموزات الناجمة عن هوس الاستهلاك: «ثقافة التسوق» وما يسفر عنها من أمراض «الفخفخة والعنظزة» والتباهي بالمقتنيات.

والتنافس على امتلاك كل ما هو نفيس ونادر وفاخر وفاجر في آن: قصور باذخة، أثاث، سيارات، جواهر، يخوت، أزياء، ساعات، خدم من سلالة محسّنة! ومزارع واستراحات بالريموت كنترول، وجوازات سفر حمراء، وخيول سباق، وبهائم أخرى من فصائل نادرة ومهجّنة؛ لا يقتصر اختيارها على ما هو أليف وداجن، لتندرج النمور والصقور والقردة ضمن قائمة مشتريات، يتكفل بجلبها من خارج البلاد، وكلاء من العيار الثقيل. وما خفي كان أعظم.

ولا عجب البتة إذا ما تمخّض مثل هذا التعفّن غريب الأطوار، «من جهة أخرى» عن حالة قصوى من التفسّخ الممنهج للقيم الوطنية، كضرب ماكر من سياسات الحرب الناعمة، يفرضها الغالبُ على المغلوب؛ وهو ما خضعت له بلدان الربيع الغامض «مختبرات الفوضى الخلاقة»، خلال نوبات اضطرابها المستعصية، حسبا لمخططات أملتها أجندات مريبة، غريبة المنشأ؛ لتهيئة المناخ «من بعد» لتوطين الفساد، وتكريس التوحّش، وأصناف شتى من خيانات محتملة؛ وهذا ما حدث.

بداهة، أن كل شيء يبدأ صغيرًا: بهيئة نقطة، أو نطفة، أو بذرة، كدورة اعتيادية للنمو والتكاثر. فمن شتلة ثم شجرة تبدأ رحلة الغابة، ومن طلقة واحدة تتأجج الحرب، ومن خانة الصفر تنطلق جميع سلالات الخيانة، «بما فيها خيانة الأوطان»، ليسفر تماديها عن أرقام فلكية، وأحجام من فصيلة الديناصورات. لا حدود لمآلها وآفاقها الضبابية « كما هو الحال عندنا»، حيث يختلط الحابل بالنابل.

ويتعذر التمييز بين الخير والشر، والإخلاص والعمالة، والشرف والعار، والطيب والخبيث؛ إلى الدرجة التي لن يستحي فيها الخونة من عري سوءاتهم، حين يتمادون «بكل صحة وجه» في غيهم وعارهم، «دونما رادع»، أو أي شعور بالخجل من فضائحهم التي أثقلت موازين مواقع التواصل الاجتماعي.

لكأن وظيفة السوشيال ميديا، لا تقتصر على نشر الحقيقة، ووفرة المعلومة، وتواصل الناس، واختزال المسافات بين ثقافات العالم فحسب؛ بل إن هدفها الأسمى: يتلخص في تخنيث المعني و«موت الإنسان»، لحظة أن يفتر إحساسنا بالخزي والفاجعة؛ إلى حدّ تغدو فيه «على سبيل المثال» مشاهد الإبادة الجماعية في غزة، لطول تكرارها مجرد صور مألوفة، ستفقد تأثيرها تدريجيا على تحريك ضمير العالم.

أعيد السؤال مرة أخرى «بكثير من المرارة والحزن»: هل ستقتصر جرائم نهب المال العام في ليبيا؛ على ثرواتنا، أم هي انتهاك مستمر يُمارس بحرفية ماكرة لتهديد قيمنا ووجداننا، وتشويه شخصيتنا وهويتنا وتاريخنا، وكل ما يتصل بمعتقداتنا ومثلنا العليا، ليخضع المواطن المستضعف «راقد الريح» رغما عنه، لآلة شيطانية تجعل منه محض خادم للوهم؛ وقد سلبت إرادته وأرزاقه، وحقوقه، ولغته، وأثاره، وذاكرته، وحتى أحلامه؛ فقط محض كائن «خردة»، يلهث ليل نهار، في طواف دائم من «صنف المتاهة، وصخرة سيزيف»، بين القوت والمحروقات، وأزمة السيولة، وطرح الأحمال، وارتفاع الأسعار، ودوامة الذل والمرض والجهل والفاقة والكذب والتضليل والزيف، والخوف من السلطة والقتلة واللصوص، وغدر الزمان، ومن نفسه أيضًا.

ملهاة سوداء يتمتع أبطالها بجشع أسطوريّ؛ بحيث لا يتورعون في نهاية مطافهم عن بيع الوطن بقضه وقضيضه. إذ ذاك لا مفر من عبث المصير، وقد تعطلت «سهوا أو عمدا» بوصلة مشروع دولة الدستور والمؤسسات، لصالح مراحل انتقالية، لخمسة عشر عاما من الخراب.

وما زال «الحبل ع الجرار». وسواء أكان الأمر بفعل نوايا حسنة لعقول حمقاء، أم بتدابير «نظرية المؤامرة» ففي كلا الحالتين: «خسرنا ليبيا»، خسرناها منذ لحظة الشؤم تلك، التي تواطأ فيها أُولو الأمر منّا، وتركوا سُدّة الحكم نهبًا لمشيئة الفوضى المصطنعة بدهاء؛ تمهيدًا لسطوة دولة المافيا، لا القانون. وحتى يأتي ذلك الحين الذي يستعيد فيه الليبيون سيادتهم، سيبقى باب الخيانة مشرعًا.

_________ 

https://alwasat.ly/news/opinions/505024?author=1

السبت، 17 يناير 2026

آليات الإبداع ووسائل الإقناع في قصيدة النثر عند مفتاح العماري: دراسة تحليلية


أ.خليفة عبد السالم أحمد شفتر 

 قسم اللغة العربية، كلية اآلداب، جامعة بني الوليد، ليبيا

 آليات الإبداع ووسائل الإقناع في قصيدة النثر عند مفتاح العماري: 

دراسة تحليلية 



رابط التحميل:

file:///C:/Users/HP/Downloads/002..pdf

السبت، 20 سبتمبر 2025

فقط أريدكِ حبيبتي

 مفتاح العماري

 

جورجيا أوكيف (امرأة نائمة)، 1916

_____________

أريدكِ حبيبتي وحسب.

أعطيك كل غنائمي من رحلة الشتاء والصيف،

ومن تجاربي أفسح لك الحيزَ الخالي من العثرات،

كمتسع رحيم لفراغكِ الطيب.

ومن المشي أهبكِ دون منة القمر بدرًا،

وكل حصتي من فضّة النهار،

وما اقتطعته من جداول أحلامي الغاليات.

أعني الوقت الأثير الذي سعدتُ بتهريبه خارج الثكنات،

أو هكذا ظننت.

حيث لن يعود خيالي الكلبِ الوفيّ الذي يكتفي بهز ذيله وحسب؛

لأنه سيتبعكِ من قصيدةٍ الى أخرى.

ولا ضير إن تعبتْ مخيلتي من شدّة الطواف.

أو تعبتُ أنا الآخر، من التظاهر بالصمت والعمى.

ففي كل دورةٍ للماء خليةٌ متطرفة.

وفي كل سلام كبير، جزءٌ عظيم من نفاية الحرب.

اذ يحدث أن نتشاجر بين حين وآخر؛ ونغضب كحبيبين لدودين؛

لكيلا تتربّى الضغينة دونما رحمة.

وهذا أمرٌ عادي جدًا في سير المحبين؛

سواء في البيت الأبيض أو قصر فرساي.

ولأنك، لأمر ما تفضلين تقشير استعارات العشاق الخشنة.

ستحرسك أسناني طوال الليل،

فيما أمسح الغبار عما تبقّى من كتب تحت قدميك.

وأعتني بقطتك كأنها طفلتنا المدللة، أجلب لها الحليب

والعابًا بهيئة فئران طازجة.

فقط، أريدك حبيبتي.

_ _ _  

11 نوفمبر 2024

 

 


فريدا كاهلو*

 


____________

 فريدا كاهلو، حشدٌ من النمور تركض خارج

غابات المايا 

زهرةُ توليب يحرسها سربٌ من النحل

كمنجة بأوتار إضافية تتأهب لاستقبال الربيع

تسلبكَ عيناها كل ما تملك من استعارات

لتبقى كما هي: فريدا كاهلو؛

مشيتها فرقةُ مارش.

مستعمرةٌ صغيرةٌ من العصافير في شجرة برتقال،

جزيرةٌ بجناحين.

ساعة رمل مستعارة من سلفادور دالي.

قافلة سيرك من الغجر بهيئة امرأة.

مشية رامبو في رحلة العودة المحزنة من الحبشة الى مرسيلبا.

فريدا التي بدافع الحب تمضي قُدمًا في عنفها؛

تبني العالمَ وتحطمه بالألوان.

صرخاتٌ مكتومة لطفلة تُغتصب في كنيسة.

أثرُ خريفٍ سكران تكنسه عاصفة.

جمالٌ مُحطم لعبوة ناسفة في ملهى ليلي.

 

تكتب لدييغو: " أريد أن أرسمك،

ولكن ليس هنالك من ألوان.

لأن الكثير منها موجودة في حيرتي."

هكذا هي:

مرّة تشبه حكاية السندريللا 

أو الدجاجة التي تبيض ذهبا. ومرة

قساوة العائلة المقسومة على أربعة فصول.

طريق مترنحة الى المجد بقدر كبير من الفوضى.

ميراث غامض لجسد أعرج تطارده غابة.

نظرة مشككة في براءة المستقبل،

كالتخلي عن الكلام، وحشد المزيد من الألم

لبناء عاصفة من العيون التي تستنكر.

 

حين تغضب

سيبدو النوم غبيًا كمشروع للهرب؛ غبيًا وخانعا؛

طالما يكفيها اللجوء إلى ما هو أكثر فعالية

من سكاكين المطبخ في البيت الأزرق.

لأن القوةَ أن تكون اعزلا،

كجرح لا يكف عن النزيف.

فكانت المعضلة التي حيّرت كبار المحاربين.

وحلقة الوصل بين بريتون وتروتسكي.

واللحظة شبيهة النابالم.

من فرط ما كانت احشاء الخيال تتمزق؛

ما من شيء ينمو في الداخل غير العُواء.

 

لحظة دخولها الى قاعة الأوبرا

كما لو أن اعجوبة تمشي في ازياء الفراشة.

تثير نباهة كارلوس فيونتس؛ فينتبه الى ضوضاء قلائدها واقراطها،

عوض الإصغاء لسحر الكونشيرتو

 

هذه هي العظمة التي ينتجها المرض، 

اعجوبة البسالة في القتال والألم والحب والعزلة.

عندما يتسنى لفراشة معطوبة تحطيم رجل بضخامة ثور.

أعنى دييغو ريفيرا، الذي علمها خلط الألوان الحارة.

كانت تحبه دونما سقف. حين تخاطبه كعاشقة:

" دييغو مرآة الليل.

عيناك سيوفٌ خضراء داخل لحمي."

وحين تختبر حبّها له؛ ستتمرغ كبهيمة بين رجل وآخر.

قد تتحوّل الى قبر ٍفي حديقة

وأكثر من عين ووجه ولدغات سامة

في عهدة قبيلة من الخواتم والقبعات.

 

وعندما تكتب يومياتها تدقُّ كل حرف باللون القرمزي.

فما اللغة سوى خادم مطيع لجلب المزيد من الحطب.

تبتكر لعبة الفرار الى الجسد،

حيث الأنثى والذكر وجهان لكلمة واحدة.

أو هي الشهوة تخلط بين الصدر والقفا.

تهمس لجاكلين بريتون:

" سأواصل الكتابة لك بعيوني."   

ولدييغو تقول:

" غيابُك يزهر مرتجفًا في ضجة الساعة."

_____   

مفتاح

* كتبت على هامش يوميات فريدا "نسخة منقحة"

طرابلس/ 9 ديسمبر 2021 

من قصائد: "حكايات تجعلنا نخجل"