وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى

المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى: مفتاح العماري يكتب: المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى
_________________

من المفارقات العجيبة في دولة نفطية مثل ليبيا، أن تنجم مشيئة الظلام المستبد عن فخامة المنجزات الحميدة، لعودة الحياة الكريمة. هذا تحديدًا ما حمَّسني لاستدعاء بصيرة الأعمى. لأمسي كمن يفلّ الظلمة بصنوها، لعلّ في حكمة العمى ما يضيء متاهة الفوضى. لهذا يأتي الاتكاء على عكّاز راهب المعرفة: «خورخي لويس بورخيس»؛ محض حيلة بريئة للتغلب على هيمنة القتام. لكأن القرب من «مكتبة بابل» استعارة (من جهتي) للتضافر مع أزمة مكتبتي المنزلية؛ في مواجهة عتمة العاصمة طرابلس، التي أمست تخضع لشبه إظلام عام، سبّب تعطّل الحياة، وبصورة خاصة ضخّ المياه لبيوت الأسر الفقيرة، العاجزة عن تأمين قوت يومها؛ فما بالك بمولدات الكهرباء.

لا ريب أن القرب من أدب بورخيس ليس براءً من شبهة المتاهة نفسها التي اقترفها هذا الناسك، عبر تسكّعه داخل أقاليم مكتبة كونية، عُرفت باسم «مكتبة بابل» أو «سداسية بابل» - الفردوس الافتراضي - الذي نجم عنه الإغواء المتخيّل ذاته، كسلطان لنشوة القراءة، ومصدر لسعادة سحرية. حيث تعتبر المكتبة، كما هو معلوم لدى قراء هذا الكاتب الموسوس بالمعرفة، مشروعًا للخلق؛ لتنطلق الكتابة شعرًا ونثرًا من هكذا عالم افتراضي؛ بوصفه نظامًا فريدًا لتداخل المتون والأزمنة واللغات والشموس.

وهنا لا تقف المسألة عند حدود إعادة إنتاج المقروء، كضرب من عملية الخلق، أو التأويل؛ وإنما لتكتشف فراغًا داخل فراغ. وكل فراغ سيحتاج دائمًا (كما يبدو)، إلى إضافة أسماء وأفعال وإشارات وكائنات مجهولة؛ لكي يُوهب دون توقف فضيلة النور، التي تتعلق بإيقاظ حيوات، وبعثها من جديد؛ لتستأنف دورتها الشمسية بلا نهاية.

كما لو أنه - أي بورخيس - قد أدرك بفطرته أن النصوص التي كتبها الأوائل، لا ينبغي تركها مركونة لعتاقة الظلّ وسطوة الغبار، بوصفها إرثًا ينتمي لماضٍ عريق وكفى؛ بل إن إنصاف ذاكرة الأدب يقتضي بالضرورة جعلها على الدوام نابضة بالحياة؛ وقادرة في آن على مشاركتنا لغتنا وأحلامنا ولحظتنا الراهنة؛ لا محض أيقونات على حائط التاريخ. فمهما تقادم زمن الكتابة سيحتفظ بطاقة ما، تكفل له حق العبور باتجاه الضوء. لهذا كان العالم الافتراضي في «سداسية بابل» يقود إلى الواقع؛ ليغدو جزءًا من الحقيقة. وحتى عندما يلجأ بورخيس إلى اختراع كتب ومؤلفين وفلاسفة؛ ويسبغ على كائنات الوهم تلك، أسماء وتواريخ وعناوين؛ سيبدو كل شيء كما لو كان حقيقيًا.

لعل شغف بورخيس المبكر بقراءة «سيرفانتس» كان محرضًا له على خوض مغامرة الكتابة؛ لينجز قصته الأولى دون عمر السابعة. فمنذ ذاك تنامى ولعه بقراءة كلاسيكيات الأدب العالمي؛ بما في ذلك التراث العربي؛ حيث كان لحكايات «ألف ليلة وليلة» تأثيرها الواضح على تحريك مخيلته. هذا الولع المبكر بفاعلية القراءة، وتحويل المقروء إلى كائنات حية؛ يُعزى للحافز الأكبر الذي شكلته الكلاسيكيات المركزية، كمحرّض شجّعه على التآلف مع مكتبته الكونية، لتشغل حيزًا كبيرًا من شغفه ووقته وحكاياته. بحيث كان لها الفضل في تحولاته من بعد. ليغدو مع مرور الأيام عابدًا استثنائيًا للكتب. وستبرهن مسيرته ككاتب استثنائي، على إرساء نسق يخصّه وحده؛ وقد عمل على صهر الكتابة والقراءة، في جسد واحد.

لذا كلما حاولتُ القرب من أدبه أجدني إزاء سؤال محير، يتعلق تحديدًا بهوية النصّ. مسوّغ هذا السؤال أن معظم المنجز السردي لبورخيس، يُخفي داخله نصًّا آخر. والمسألة برمتها لا تتعلق بما هو شائع من أنماط التناص الكتابي، وإنما بتفعيل المقروء، وإخضاعه من ثم لتشكّلات جديدة، ليس بوصفها مادة خام قابلة لإعادة تدوير، أو مصدر إلهام فحسب؛ وإنما سعيًا لإيقاظ إرادتها على فعل المزيد من الكشف والإضافة؛ حتى إنه كمؤلف لا ينفك غالبًا عن اجترار حفنة من الرموز والعلامات. مع ضرورة الإشارة إلى أن هكذا صنف استثنائي من التكريس لا يعدّ تكرارًا، طالما اللحظة ليست هي نفسها. ونحن هنا لا نشير إلى الزمن بوصفه حركة ميكانيكية، وإنما كصيرورة للتراكم المعرفي.

كان بورخيس يضع نفسه في مرتبة القارئ لا الكاتب، باعتبار أن معظم مؤلفاته شعرًا ونثرًا ناجمة عن تأثير قراءة سابقة، حتى وهي في أكثر أحوالها ذاتية ستظل شاسعة بحجم إمبراطورية من الكتب. مما سوّغ له التمهيد لعدّة مفاهيم نقدية، تعلّقت تحديدًا بانفتاح النص على التفاعل مع القراءة والكتابة في آن واحد.

صحيح، قد يتعذر العثور على قارئ بنفس الهوس الذي يغذي شغف القراءة المرجوة لدى بورخيس. ومع ذلك ستبقى ضرورة قراءة مقترحات معلم السرد مسألة ملحّة، وغير قابلة للتوقف؛ ولا سيما أن تناصاته ستفضي باستمرار إلى كتابة مغايرة تهضم السابق، وتنفتح على ما هو لاحق. فضلًا عن قابليتها لتعدد التأويل، وانفتاح أنساقها من ثم على توظيف وتجديد أكثر الأساليب غرابة، مثل الفنتازيا، والتهكّم المضمر.

هذه السمات وغيرها هي التي جعلت من بورخيس الساحر الذي أسهم في تجديد أدب اللغة اللاتينية، وغيرها من لغات أدب عالمنا المعاصر. علاوة على أنه سيحتفظ دائمًا بتلك المأثرة التي تعيد الكرامة للكتاب. ففي «الدنوّ من المعتصم»، كما في «الألف»، و«المرايا»، و«مكتبة بابل»، وغير ذلك من القصص، ستتخذ الحكاية عدة أوجه فلسفية عميقة الغور، حُمّلت بحساسية أكثر شاعرية وتلطّفًا. لهذا ظلت آثاره مشروع اكتشاف وتأمّل دائمين، ورفقة لا تُملّ.

وعلى الرغم من أن بورخيس صانع أصيل؛ إلا أنه لم ينفك، حتى آخر يوم من حياته، عن تأثيث «مكتبة بابل» بأشكالها السداسية، كما لو أنها خلية نحل تكتظ بكل ما أنتجته البشرية من كتب عظيمة، والتي على الرغم من خوارزمياتها ستظل صنيعة متاهة. وهذا ما تخطته الذاكرة الرقمية لمكتبة العولمة فيما بعد؛ حيث يمكن حملها ضمن محتويات الجيب بكل يسر؛ فقط يتطلب الأمر القليل من الضوء. هذا كل شيء.

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

الشاعر والناقد رياض عبد الواحد السعد يكتب: قراءة وتأويل لقصيدة (شجرة الرمان) للشاعر مفتاح العماري


حين يصير الغصنُ أثراً للغياب

المقدمة:

تنهض قصيدة (شجرة رمان) على بنيةٍ شعريةٍ لا تمنح دلالتها دفعةً واحدة، ولا تستقرُّ عند مرجعٍ يمكن الإمساك به منذ القراءة الأولى إنما تدفع المتلقي إلى ملاحقة شبكةٍ من العلامات المتوالدة إذ تتداخل الشجرة بالإنسان، والغصن بالجسد، والظل بالهوية، والعكاز بالذاكرة، والصورة بالرماد، واللغة بالانشطار.
إنَّ ما يميز هذا النص ليس كثافة صوره الشعرية فحسب إنما الطريقة التي تُنتج بها هذه الصور بعضها بعضاً؛ فالصورة لا تأتي بوصفها زينةً بلاغيةً مستقلة إنما تتحول إلى علامةٍ تستدعي علامةً أخرى بحيث يتعذر الوصول إلى مدلول نهائي مغلق.
من هنا تكتسب القصيدة قابليتها للقراءة السيميائية، لأن الأشياء فيها تتجاوز وجودها المادي لتصبح حواملَ لمعانٍ نفسية ووجودية ورمزية، كما تكتسب قابليتها للقراءة التفكيكية لأن الثنائيات التي يقيم عليها النص عالمه سرعان ما يبدأ بتقويضها من الداخل.
فالقرب لا يقود إلى المعرفة، والحماية لا تمنع الانكسار، والظل لا ينتسب إلى صاحبه، والصورة لا تحفظ صاحبها من الغياب، واللغة لا تجمع الذات وإنما تنقسم إلى (نصفين أو أكثر). وهكذا يبدو النص مشغولاً بسؤالٍ جوهري هو: كيف تستطيع الذات أن تبلغ أصلها إذا كان الأصل نفسه غائباً أو مراوغاً؟
من هذا المنظور، لا تبدو (شجرة الرمان) مجرد استعارة مركزية بل تتحول إلى نظامٍ علاماتي تتفرع منه بقية العلامات. فالشجرة تمنح الغصن، والغصن يتحول إلى جسد، والشجرة تتحول إلى عكاز، والعكاز يعيد الذات إلى مصدرها، والظل ينتسب إلى ذلك المصدر، ثم تنتهي الرحلة إلى لغةٍ منشطرة وذاتٍ تمشي وحيدة وبذلك تتشكل القصيدة في حركة دائرية ظاهرها النمو وباطنها الفقد.
سنحاول، في هذه القراءة، تفكيك آليات إنتاج المعنى في النص، ابتداءً من النصيص بوصفه عتبةً لغويةً وبنيوية، وصولاً إلى علاقات العلامات والثنائيات الضدية وانهيار المركز الدلالي للكشف عن البنية العميقة التي تجعل من القصيدة كتابةً عن الهوية والغياب واستحالة الوصول إلى الأصل:
أولاً: (شجرة رمان) عتبةً لسانيةً وبنيوية
يبدو النصيص في ظاهره تركيباً اسمياً بسيطاً:
شجرة رمان
لكن هذه البساطة الظاهرة تخفي تركيباً دلالياً شديد الكثافة.
لسانياً، يتكون النصيص من اسمين: /شجرة/ وهي اسم جنس يدل على كائن نباتي ذي أصل وجذور وفروع و/رمان/ وهو مضافٌ إليه يحدد نوع هذه الشجرة. ومن الناحية التركيبية نحن أمام مركب إضافي: شجرةُ رمان.
غير أن أهمية هذا التركيب لا تكمن في وظيفته النحوية وحدها إنما في العلاقة التي ينشئها بين العام والخاص، فـ(الشجرة).علامةٌ عامة بينما /الرمان/ يخصّصها ويمنحها هويتها، وبذلك ينتقل النصيص من الكل إلى النوع، ومن الكائن المجرد إلى كائنٍ محدد بخصائصه الرمزية.
وليس الرمان نفسه ثمرةً بسيطةً من الناحية الثقافية، فهو ثمرةٌ ذات قشرةٍ واحدة تخفي داخلها كثرةً من الحبات، ولذلك يمكن النظر إليه بوصفه علامةً على الوحدة التي تحتوي التعدد. وهذه الدلالة ستتجاوب لاحقاً مع قول الشاعر:
(وقد صارت لغتي نصفين
أو أكثر)
فالقصيدة التي تبدأ بشجرة واحدة تنتهي بلغة متعددة الأجزاء. وكأن النصيص يضع منذ البداية بذرةً بنيويةً ستتنامى داخل النص: وحدةٌ ظاهرية تخفي تعدداً داخلياً.
ومن الناحية البنيوية، تحتل (الشجرة) موقعاً مركزياً في بناء النص، إذ تتكرر مشتقاتها وتحضر وظائفها بنحو مباشر وغير مباشر: الغصن، النسغ، الحديقة، العكاز، الظل. وهكذا لا يبقى النصيص خارج النص بيد انه يتحول إلى مصفوفة توليدية تتفرع منها شبكة من العلامات.
اذن الشجرة ليست موضوعاً فحسب إنها البنية التي ينتظم عبرها النص.
ولعل المفارقة الأجمل أن الشجرة، في معناها الطبيعي، تقوم على الثبات والجذور، بينما الشخصية في القصيدة لا تعرف الثبات، إنها تمشي، وتسعى، وتنقطع ساقها، وتتخذ عكازاً، ثم تمضي وحيدة. بذلك ينشأ تضاد بين ثبات الشجرة وحركة الإنسان، لكن النص لا يترك هذا التضاد مستقراً، إذ يتحول الإنسان نفسه إلى امتداد للشجرة، ويصبح العكاز المصنوع من خشبها وسيلةً لاستمرار الحركة.
وهكذا يبدأ النصيص في تفكيك نفسه:
الشجرة ثابتة، لكنها تنتج الغصن
الغصن ينفصل لكنه يظل منتمياً إلى الشجرة
والإنسان ينفصل، لكنه يحمل أثر الشجرة
والظل يبتعد، لكنه يظل تابعاً للمصدر
إنها سلسلة من الحضور المؤجل إذ لا يوجد شيء مستقل تماماً عن أثر الآخر.
«كان شجرة» وانقلاب العلامة إلى هوية:
يفتتح النص بهذه الجملة
(كان شجرة)
وهذه الجملة القصيرة تمثل مفتاحاً بنيوياً بالغ الأهمية لأن الشاعر لا يقول: (كان كالشجرة) بل يلغي أداة التشبيه تماماً. وبذلك تنتقل العلاقة من التشبيه إلى الاستحالة: الإنسان ليس شبيهاً بالشجرة، وإنما يصبح شجرة.
إن حذف أداة التشبيه يختصر المسافة بين طرفي الصورة لكنه في الوقت نفسه يفتح مساحةً واسعة للتأويل. فمن هو هذا (الشجرة)؟ أب؟ سلطة؟ معلم؟ أصل؟ ذاكرة؟ حبيب؟ مرجع روحي؟
لا يقدم النص جواباً نهائياً، وهذه ليست ثغرة فيه بل جزء من استراتيجيته الدلالية.
فالشخصية التي (أهدتني غصناً) لا تمنح شيئاً مادياً وحسب، وإنما تمنح المتكلم امتداداً منها. والغصن، في هذا السياق، علامة على النسب والانتساب والاستمرار لكنه أيضاً علامة على الانفصال لأنه لا يصبح غصناً إلا بعد أن يكون جزءاً من جذع.
وهنا تبدأ واحدة من أهم حركات النص:
الأصل يمنح الفرع غير ان الفرع لا يستطيع أن يكون فرعاً إلا بانفصاله.
وهذا هو جوهر المأساة الرمزية في القصيدة.
الغصن والنسغ والجسد ــ من النبات إلى الإيروس:
يقول الشاعر:
(فسهرتُ حدَّ النسغ حتى تربّى
وصار في طور الشفق نهداً لأجمل أنثى)
هنا تنتقل العلامة النباتية إلى المجال الجسدي. فالنسغ الذي يجري في الشجرة يتحول إلى طاقة حياة ثم يتحول الغصن إلى (نهْد).
هذه ليست مجرد صورة حسية إنما عملية تحويل دلالي تنتقل فيها العلامة من النبات إلى الجسد، ومن الجسد إلى الرغبة، ومن الرغبة إلى الحياة.
والشفق بدوره منطقة زمنية انتقالية، ليس نهاراً خالصاً ولا ليلاً خالصاً، ولذلك ينسجم مع البنية العامة للقصيدة التي تقوم على المناطق الوسطى: بين القرب والبعد، بين الحضور والغياب، بين الأصل والأثر، بين الوحدة والتعدد.
كل شيء في النص يوجد في حالة بينية.
القرب الذي ينتج الغياب:
يقول:
(حين كان القرب عبادة
لم أعرفه وهو قريبي)
هذه من أكثر الثنائيات إحكاماً في النص لأنها تقلب العلاقة المتوقعة بين القرب والمعرفة.
عادةً ما يكون القرب طريقاً إلى المعرفة لكن القصيدة تجعل القرب سبباً في عدم المعرفة.
وهنا يبدأ التفكيك الحقيقي للثنائية:
القرب / البعد
فالقريب قد يكون أبعد من البعيد، والحاضر قد يكون أكثر غياباً من الغائب.
ثم تأتي عبارة:
(وهبني اسماً
وقال: اسعَ
فمشيت)
هنا يمنح الاسم الهوية، لكن الأمر بالسعي يفتح طريقاً لا نعرف نهايته. وهكذا يصبح الاسم بدايةً للبحث عن الذات لا نهايةً له.
الدرع والعكاز ــ تفكيك ثنائية الحماية والانكسار:
في المقطع:
(حين أعطاني درعاً
بُترت ساقي في الحرب)
يقيم النص علاقة تناقضية بين الدرع والبتر.
فالدرع علامة حماية لكن النتيجة إصابة. ومن هنا تنقلب وظيفة العلامة: ما كان يفترض أن يحمي يصبح جزءاً من منظومة العجز.
ثم تأتي المفارقة الأكثر عمقاً:
(فأضحى عكازي من شجر حديقته)
إن الشجرة التي كانت في البداية رمزاً للأصل والمنح، تتحول الآن إلى أداة يستعين بها المتكلم على السير بعد إصابته.
وهنا تتكرر الدورة:
الشجرة → الغصن → الجسد → الانكسار → العكاز → الشجرة
وكأن النص يعود دائماً إلى نقطة البداية، لكنه يعود إليها وقد تغيّر معناها.
وهذه من أهم خصائص البناء في القصيدة: التكرار ليس تكراراً للمشهد لكنه إعادة إنتاج للعلامة في سياق جديد.
الظل والهوية ــ من يملك صورة من؟
يقول:
[ ] (وظلي ينتسب إليه)
هذه العبارة تقلب مفهوم الملكية والهوية رأساً على عقب.
فالظل، وفق المنطق الطبيعي، تابع لصاحبه لكن النص يجعله تابعاً للآخر.
وهكذا تفقد الذات حتى ظلها.
إذا كان الظل هو العلامة الأكثر التصاقاً بالجسد، فإن انتسابه إلى الآخر يعني أن الذات لم تعد تملك حتى أثرها.
من هنا يمكن قراءة القصيدة كلها بوصفها رحلةً في سؤال الهوية:
من أنا إذا كانت أشيائي تنتمي إلى غيري؟
حواء والجمرة ــ استدعاء الأسطورة وتفكيكها:
يقول:
(كما لو أن حواء دست جمراً في عشّه)
ان استدعاء حواء يفتح النص على الذاكرة الثقافية والدينية والأسطورية غير انه لا يستعيد الحكاية الأصلية بنحو مباشر ، وإنما يعيد تركيبها.
فحواء لا تقدم بوصفها شخصيةً مكتملة وإنما بوصفها علامةً على الإغواء والافتتان والانقلاب.
أما (الجمرة) فتقيم علاقة تناقضية مع (العش):
العش = مأوى
الجمرة = احتراق
وبذلك يصبح المأوى نفسه قابلاً لأن يتحول إلى مصدر للخطر.
وهذه التقنية تتكرر في النص:
الحماية تتحول إلى إصابة
القرب يتحول إلى غياب
العطاء يتحول إلى انكسار
الصورة تتحول إلى رماد
اللغة تتحول إلى انقسام
وهذه ليست مصادفاتٍ بل بنية عميقة تحكم النص بأكمله.
الصورة والرماد ــ موت المرجع:
تبلغ القصيدة ذروةً دلاليةً في:
(حتى أمست صورته رماداً)
الصورة عادةً وسيلة لحفظ الغائب لكنها هنا لا تحفظه بل تصبح رماداً.
وهنا تتعرض فكرة التمثيل نفسها للانهيار: لم تعد الصورة قادرة على استعادة الأصل.
ولا يبقى للمتكلم سوى:
(أثر الكلمات)
وهذه العبارة يمكن ان نعدها مركزاً تفكيكياً للنص كله لأن النص لا يمنحنا الأصل إنما يمنحنا أثره.
وهذا الأثر هو الذي يظل قابلاً للقراءة.
انشطار اللغة وانشطار الذات:
يقول:
(وقد صارت لغتي نصفين
أو أكثر)
هنا لا يعود الانقسام موضوعاً من موضوعات القصيدة إنما يصبح طريقة في بناء اللغة نفسها.
فالذات منقسمة، واللغة التي تحاول التعبير عنها منقسمة أيضاً.
لكن الشاعر لا يكتفي بقول (نصفين) لكنه يضيف:
(أو أكثر)
وبهذه الزيادة الصغيرة ينسف الثنائية التي أقامها قبل لحظات.
ليست الذات اثنين فقط.
وليست اللغة اثنين فقط.
إنها تشظٍّ مفتوح.
وهنا تلتقي البنية الدلالية بالبنية الشكلية: فالنص نفسه يقوم على جمل قصيرة، وقفزات مشهدية، وانتقالات مفاجئة بين النبات والجسد والحرب والأسطورة واللغة. أي أن تشظي التجربة ينعكس في تشظي البناء.
الخاتمة التي لا تختم:
تأتي النهاية بهذا الزخ
(روحان في جسد
الريح تشير
والقارئ يتعب)
الجملة الأولى تلخص أزمة الهوية: تعدد داخلي داخل وحدة جسدية.
أما (الريح) فهي علامة شديدة المراوغة لأنها تشير إلى الاتجاه دون أن تكون هي الاتجاه، وتتحرك دون أن تستقر.
ثم تأتي الجملة الأخيرة:
(والقارئ يتعب)
وهي ليست مجرد خاتمة ساخرة أو اعتراف بصعوبة النص إنما يمكن قراءتها بوصفها إدخالاً للمتلقي في بنية القصيدة.
فكما أن المتكلم يسعى ولا يصل، فإن المتلقي يؤول ولا يحسم.
وكما أن الذات تبحث عن الأصل، فإن المتلقي يبحث عن المعنى.
وكما أن المعنى يبتعد كلما اقتربنا منه، يظل المتلقي في حركة تأويلية لا تنتهي.
من هنا يصبح تعب المتلقي جزءاً من دلالة النص لا نتيجةً عرضيةً له.
الخاتمة:
تتأسس قصيدة (شجرة رمان) على حركة دلالية تبدأ من الشجرة وتنتهي باللغة لكنها في الحقيقة لا تسير في خط مستقيم، إنها تتحرك في دوائر من الانتماء والانفصال، والحضور والغياب، والهوية والتشظي.
فالشجرة أصل، والغصن فرع، والفرع يتحول إلى جسد، والجسد ينكسر، والشجرة تتحول إلى عكاز، والعكاز يصبح وسيلةً لمواصلة البحث، والظل يفقد استقلاله، والصورة تتحول إلى رماد، والكلمات لا تستعيد الغائب وإنما تحفظ أثره، ثم تنقسم اللغة نفسها.
وبذلك فإن القصيدة لا تبحث عن الأصل الموجود خلف العلامة بقدر ما تكشف استحالة الوصول إليه، فكل علامة في النص تحيل إلى علامة أخرى، وكل حضور يخفي غياباً، وكل اقتراب يعيد إنتاج المسافة.
من هنا فإن (شجرة رمان) يمكن قراءتها بوصفها قصيدةً في الانتساب الملتبس: انتساب الإنسان إلى أصله، وانتساب الظل إلى صاحبه، وانتساب اللغة إلى تجربتها، وانتساب الصورة إلى غائبها. غير أن هذه الانتسابات لا تفضي إلى امتلاك الهوية بل إلى اكتشاف هشاشتها.
ولعل العبارة الأخيرة (وأنا كالعادة وحدي أمشي) تختزل الرحلة كلها، فالمتكلم، بعد أن مرَّ بالشجرة والغصن والنسغ والجسد والحرب والعكاز والظل وحواء والرماد واللغة لا يصل إلى الآخر، ولا يعود إلى الأصل، وإنما يواصل المشي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في النص:
لقد بدأ بالشجرة التي توحي بالجذور، وانتهى بإنسانٍ يمشي بلا جذور.
وهذه المفارقة هي التي تمنح القصيدة عمقها الوجودي، إذ يصبح المشي بديلاً عن الوصول، والأثر بديلاً عن الحضور، واللغة بديلاً عن الأصل.
لذلك لا تكون (شجرة رمان) قصيدةً عن شجرة إنما قصيدة عن الإنسان حين يكتشف أن ما كان يظنه أصلاً لم يكن سوى أثرٍ آخر، وأن الطريق إلى ذاته يمر دائماً عبر غياب الآخر.


النص الاصلي
شجرة رمان
ــــــــــــــ
كان شجرة.
أهداني غصناً وقال: تَعَلّمْ.
فسهرتُ حدّ النسغ حتى تَرَبَّى،
وصار في طورِ الشفقِ نهداً لأجملِ أُنثى.
.
حين كان القربُ عبادة
لم أعرفه وهو قريبي.
وهبني اسماً
وقال: اسعى
فمشيت.
.
حين أعطاني درعاً
بُترت ساقي في الحرب،
فأضحى عكازي من شجرِ حديقتِه
وظِلّي ينتسبُ إليه
ومقامي لا يهدأ.
كلما أدركتُ عبادته
صار أنأى.
.
كما لو أن حواء دست جمراً في عشّه
ظلَّ طيلة دهرٍ يهذي،
وأنا أُصغي لصوتِ يديه
حتى أمست صورتُه رمادا
فلم أبصر من أثرِ الكلمات
وهي بين ماء وطين
غير مصائر وجهي
وقد صارت لغتي نصفين
أو أكثر
وأنا كالعادة وحدي أمشي.
.
روحان في جسد؛
الريحُ تُشير،
والقارئُ يتعبْ.
______________

تقلا عن (شرفة ابداع) مجموعة ‏عامة‏https://www.facebook.com/groups/180203038846197/members

 

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها

انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها: مفتاح العماري يكتب: انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها

«الألفاظُ خدمُ المعاني»
-عبد القاهر الجرجاني-

------------------  
إن صعود نوع أدبي وسقوط نوع آخر مرتهن بتفسخ اللغة؛ فموت الشعر مؤداه موت اللغة نفسها التي صاغته؛ كونها بالطبيعة لمْ تعد قادرة على التقاط وإيواء وهضم أسئلة لحظتها الراهنة، والاستجابة مِن ثم لتلبية متطلبات التلقي. وعلى سبيل المثال ندلل هنا بموت سردية المقامة التي انتهت صلاحيتها بانتهاء قدرات بنية لغتها المهجورة على التعبير؛ لتمسي من ثم في عداد الموتى. ذلك لأن اللغة ليست محض وسيلة تعبير فحسب؛ بل منظومة للسرديات، بما فيها الأدب بشتى أجناسه، ولا سيما الرواية التي تستمد بقاءها واستمراريتها من فاعلية اللغة الطازجة والحارة التي تبلور نشاط الخيال، والتفكير، والحلم، والتفاهم اليومي؛ أي تلك التي يتكلمها الناس؛ وليس الفائض المهجور من تركة المعاجم.

يشير، محمد عابد الجابري، في كتابه: تكوين العقل العربي: «أن قاموس لسان العرب، وهو أضخم وأغنى قاموس في اللغة العربية، لا ينقل إلينا على ضخامة حجمه، أسماء الأشياء الطبيعية والصناعية». لعل هذا ما حفز الرواية على استثمار لغة (الكلام) كآلية رئيسة في آليات الذهن، ومبادرة إدماجها بلغة الكتابة؛ فالروائي الأكثر إبداعاً وأصالة هو من يتفطّن لذخيرة اللغة في حيزها الحيوي لتأثيث فضائه الروائي، اعتماداً على مرجعية لغة الأدب الشعبي، حتى يمكنه كسر سلطة اللغة الجامدة التي أنتجتها المؤسسة.

كان من شأن هذه التأملات إيقاظ جملة من الأسئلة القلقة، والتي تنصب حول صلة الرحم الوثيقة بين السرد الروائي ولغة الكلام، أي لغتنا اليومية التي نتداولها ونتواصل عبرها في واقعنا المَعِيش، وما وراءه. ولطالما شكلت لي هكذا أسئلة هاجساً شخصياً في مسيرتي ككاتب، وذلك منذ عشرية ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث تواترت بطريقة وأخرى في لقاءات وحوارات انصبت حول تجربتي الأدبية، وبالمثل في جملة من مقالات كتبتها بصحافتنا المحلية، اندرج بعضها ضمن مقترحات كتبي المنشغلة بهموم الكتابة وقضاياها. وكمحاولة مني لإرواء الأسئلة نفسها، سأبدأ من حيث انتهيت قبل ثلاثين سنة؛ وقد دونت جملة ملاحظات في مقالة اندرجت ضمن مقترحات كتابي «فعل القراءة والتأويل»، استلهمت أفكارها من مقولات ميخائيل باختين، التي استخلصتها من كتاب صغير الحجم صدر عن معهد الإنماء العربي بوسم «الملحمة والرواية». ولا سيما أن باختين، يعتبر من أهم المؤسسين لنظرية الرواية، والقبض على المرتكزات والشروط اللغوية والاجتماعية التي ساهمت في صعودها.

نظر باختين إلى الرواية في سيرورتها كحالة استثناء لعمارة نصية، هي على الدوام غير منجزة؛ خلافاً للأنواع الأدبية الأخرى المكتملة. مما يجعلها دونما توقف قيد التشكّل والتحوّل؛ بوصفها «النوع الأدبي الوحيد الذي لا يزال في طور التكوين، والنوع الوحيد الذي لم يكتمل بعد» وأنها تعمل باستمرار على تجديد أدوات حقيبتها السردية الخاصة بها لصياغة فضائها بما ينسجم مع ابتكارات لغة الشارع، انسجاماً مع ناموس التطور وما ينجم عنه من تغير في حساسية الذائقة.

فالرواية كما يقول باختين: «على خلاف الأنواع الأدبية الأخرى لا تمتلك قوانين خاصة - وما هو فعال تاريخياً يتشكل من عدة نماذج روائية - وليس من القواعد الروائية بحد ذاتها - ويمكننا مقارنة دراسة الأنواع الأدبية الأخرى بدراسة اللغات الميتة، أما دراسة الرواية فنقارنها بدراسة اللغة الحية الشابة». التي تحجب أكثر مما تكشف. تخفي التمرد والعصيان، وتساعد على إثارة السجال بين البشر. ودائماً تترك فراغاً يملؤه القارئ.

يولي هذا التصور أهمية خاصة للغة ضمن خلاصاتها المنتصرة، التي ظفرت بها إثر معركتها الدائمة مع نفسها والتاريخ. اللغة في نظرتها المنصفة للهامش كجزء حيوي من المتن، كما صاغها حكاء الشعب، لا شاعر البلاط.. هذا ما يُرجّح ارتباط مسألة صعود الرواية بشرط تجدد حياة اللغة، التي رفعت من شأن السرد الروائي، وأسهمت في تحولاته. وهي أكثر تأثيراً مِن الظواهر السياسية والعسكرية، كما يذهب إلى ذلك بعض المحللين من النقاد العرب الذين يعزون التحولات الأدبية الكبرى لعوامل سياسية وعسكرية مثل هزيمة يونيو 1967، وما تلاها من خيبة القومية العربية، وأحزاب اليسار؛ وما تمخّض عن هذا السياق من تأويلات تجعل من الأدب تابعاً للسياسة.

نستنتج مما تقدم أن حداثة اللغة، وقدرتها المستمرة على تجديد نفسها شكلت العامل الأساس في انتصار مخيلة السرد الروائي؛ وفي الوقت نفسه أدت إلى تقويض الشعر التقليدي باعتباره رمزاً للغة متكلسة، بطيئة النمو. وأن البقاء سيكون دائماً للغة الحية كمنظومة شابة تنطوي على قدرات غير محدودة تؤهلها لإعادة إنتاج نفسها، والتقاط وهضم أسئلة الواقع، وتحويلها من ثم إلى أنساق سردية لإبداع كتابي متخيل. وهي لا تستمد قيمتها من معايير نحوها وصرفها، أو ما تزخر به مناجمها من ذخائر الإعجاز، وإنما يكمن الفضل أساساً في كونها تمثل انعكاساً للواقع، لا ما وراء الواقع. لغة عيش، وحركة، وقلق اللحظة الماثلة؛ لا لغة أساطير وأزمنة بائدة. لغة ناسوت، لا لغة لاهوت.
تقع الرواية اليوم، وبرسوخ متعدّد في مرتبة الصدارة عالمياً، لتتبوأ المكانة الأسمى التي كانت قبل ذلك حكراً على الشعر وحده. لكأن الإطار الثقافي المجتمعي بشكل عام جعل مستويات الذائقة أكثر تقبلا واستجابة للسرد منها إلى الشعر. ولا أريد هنا الخوض أكثر في تفاصيل هذه النقطة، وسأكتفي بتأكيد أن اللغة كأداة كتابة شكلت عاملاً محفزاً وداعماً على انتصار مخيلة السرد.

يقول (ميشيل فوكو) في الفصل الثاني من كتابه، الكلمات والأشياء: «إن اللغة ستنمو دون إقلاع ودون نهاية محددة ودون موعد». وهذا تحديداً ما صنعته الرواية باعتبارها غير قابلة للتقنين الجامد، والتأطير المدرسي. الأمر الذي ساعدها على التجنّح بعيداً عبر آفاق المخيلة؛ من دون أن تقف عند حدود التشريط الأيديولوجي.
لأن الرواية في الأساس تتشكل من لحمة لغة المحكي. وتتشابك مع الواقع توخيا للممكن. وهي إذ تنضد تيمات القص لخلق نوع من التماسك السردي، تفكك في الآن نفسه هيكلية المرئي الماثل، وتعيد تكوينه وفق منطقها الخاص بها، الذي يختلف بين كتابة وأخرى؛ فلكل رواية منطقها الخاص بها.
من هنا أصبحت لغة الحكاية، التي نجمت عن تفسخ اللغة الرسمية، من أهم العوامل المؤسسة للعمل الروائي.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

انتصار الهامش (2)

انتصار الهامش (2): مفتاح العماري يكتب: انتصار الهامش (2)

الرواية العربية وجدل البدايات
من أرض النيل تبدأ حكاية شهرزاد الجديدة. لكن قبل أن نقتفي أثر المخيلة، علينا أولًا إلقاء نظرة سريعة حول فرضية صعود الرواية على أنقاض الشعر. الشعر الذي ظل، حتى مطلع الربع الأخير من القرن العشرين، من أهم ما نملك، باعتباره وسيلة التعبير الأكثر مركزية في الإبداع الكتابي. وقد هيمن طويلًا على مدونة الأدب العربي، إلى حدٍّ أصبح فيه مرجعًا موسوعيًا لأمة الضاد. وعلى مدى قرون طوال في تاريخ ثقافتنا العربية، كان ظهورُ شاعرٍ أصيلٍ يُعد حدثًا يُحتفى به. لكن ما لبث هذا التقليد أن تلاشى تمامًا، حتى لم يعد الشعر العربي، من فرط عزلته، يقبض على شيء سوى المزيد من الازدراء.

تُعد فرضية صعود الرواية العربية على أنقاض الشعر، من بين الاحتمالات المرجحة في توصيف هذه الظاهرة. وهي، بقدر ما تشي بجزء من حقيقة تقويض صرح الشعر العمودي، الذي، كما يبدو، قد وصل إلى درجة عالية من الهشاشة، بحيث أخذ بنيانه يتداعى بكل يسر إزاء تلك المعارك التي كان، من جهة، يخوضها توهمًا ضد نفسه، ظنًا منه أن «قصيدة النثر» فرعٌ من سلالته. وكانت تلك من أكبر مثالب وحماقات خدع التأصيل، التي ما زالت، حتى يومنا هذا، تخوض معاركها المضادة مستخدمة الأسلحة والمواقع نفسها، مع تكرار فج لمعظم الحجج والأسانيد التي لطالما عبّرت عن مستويات من العمى. لأن «قصيدة النثر»، التي اتُّهمت، من جهة أخرى، بالمروق، لم تكن في جوهرها سوى نوع مستقل، لا علاقة له بالشعر العربي، لا من قريب ولا من بعيد.

والذين انتبهوا إلى هذه الحقيقة كانوا أكثر تبصرًا وفهمًا لهذه الظاهرة، التي مهدت، عبر معاركها الأولى، بطريقة غير مباشرة، لصعود الرواية، باعتبارها (أي الرواية) أقدر من الشعر على الإحاطة بمتطلبات الواقع. علاوة على كونها هي الأخرى جنسًا أدبيًا وافدًا، سيخضع، بالمثل، لحماقات التأصيل نفسها، التي ستعتبره امتدادًا لأدب المقامة العربية، و«ألف ليلة وليلة»، وغيرها من حكايات الأدب الشعبي.

السؤال الأكثر حيرة هو: إلامَ يُعزى هذا الانتقال التراتبي من الشعر إلى الرواية، من لسان العرب إلى مدونة العرب؟ وقد بلغت الرواية درجة عالية من التدفق، لتجرف كل ما يقع في طريقها من فنون وآداب، وتتبوأ، دون منازع، صدارة المشهد الأدبي، بوصفها السردية الأدبية الكبرى في لحظتنا الراهنة. سؤال ملح، يطمح إلى ملامسة العوامل المؤسسة لصعود الرواية العربية، والتي، كما أرى، هي أشمل من أن تُحصر في حيز محدود، سواء أكان سياسيًا أم اجتماعيًا، ولا سيما أن انحسار تداول الشعر، بالمقابل، كان يشكل، في اللحظة ذاتها، ظاهرة عالمية أخذت مؤشراتها تظهر بوضوح مع شيوع ثقافة العولمة، لتترسخ بدرجة أكبر مع مطلع ألفيتنا الثالثة.

مما تقدم سنميل إلى ترجيح انحراف كفة اللغة، كعامل أساسي، في ظهور نوع أدبي واختفاء آخر؛ ليس بوصفها (أي اللغة) المادة الخام لفضاء المتخيل السردي فحسب، بل في مدى قدرتها الفائقة على حسم إشكالياتها الداخلية أولًا، من حيث تقويض كل ما هو لاهوتي وأرستقراطي في مكوناتها الأسلوبية، ومن ثم إدماج المهمل والمُزدرى من أنماط التعبير، بحيث يغدو الدميم والفج والساخر والبذيء جزءًا حيويًا من نسيجها الحي، وشريكًا فاعلًا في تأثيث الجمال، عبر ضخ المزيد من الدماء الحارة في أوردتها. نشير هنا بصورة خاصة إلى إدماج لغة كلام (الهامش) ضمن نسيج السرد.

بالعودة إلى منتصف القرن العشرين، يمكننا رصد كيف بدأت لغة الشعر، للأسباب نفسها التي تتعلق بتحلل بعض الأنواع الأدبية، كالمقامة على سبيل المثال، في التراجع، جراء أزمة انهيار قصوى، برزت في أثنائها مظاهر خادعة لثورة شعرية، تمخض عنها بروز أشكال جديدة في الكتابة الشعرية، بينما، في الحقيقة، لم تكن تلك المظاهر سوى مؤشرات البداية لانتكاسة النوع الشعري بكل أشكاله الفنية. وإن ظلت «قصيدة النثر» على الركح تؤدي، توهمًا، دورًا عبثيًا، لكنها، في الحد الأدنى، ولمجرد مفارقة التسمية: «قصيدة النثر»، كسيمياء تجمع بين نقيضين في عبارة واحدة، ستخضع لهجمات شرسة من السخرية المضادة، لتجعل منها، حتى يومنا هذا، عرضة للتنكيل المستمر.

لكن اللافت للانتباه أنه، خلال استمرارية الجدل بين الحقلين: الروائي والشعري، لم يبدر عن أنصار الشعر التقليدي أي اعتراض إزاء استخدام عبارات من شاكلة: شعرية الرواية، شعرية العمارة؛ خلافًا لموقفهم من التضاد الناجم عن وسم «قصيدة النثر». ربما لأن نثر الشعر فيه مساس بلغة الضاد، كلغة مقدسة، ارتبطت بالقرآن الكريم، الذي، كما يذهب عديد من المحللين، لن يحتفظ بنفس دلالاته لو نُقل إلى اللغات الحية الأخرى. هذا الضرب من الذود عن اللغة غالبًا ما كان يُثار من أجل قصيدة لم تعد حاضرة كقيمة ثقافية وجمالية بشكليها: (عمودًا، ونثرًا). لذا كان لا مناص من تهشم صنمية اللغة، عبر تحريك المستضعف والهش والمُغفل من هامشها، وإعادة تدويره كمخزون حي يُعوَّل عليه.

وهكذا، لا يعد من المصادفة في شيء أن تشهد ضفاف النيل مشروع صعود الرواية العربية، طالما يُعزى الأمر إلى توفر جملة من الشروط الموضوعية، التي كانت المحرض، في عام 1914، وراء إصدار رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، كمحاولة بدت خجولة في حينها لتدشين صرح البدايات. حيث لم تسلم هذه المغامرة من مظاهر الحياء إزاء جنس أدبي غير مرحب به، مما حدا بالكاتب إلى أن يُغفل وضع اسمه على غلاف الطبعة الأولى، مكتفيًا باسم إشاري: «بقلم فلاح مصري».

كذلك حاول التحايل على تمويه هويتها عبر إضافة عنوان فرعي شارح هو: «مناظر وأخلاق ريفية»، وذلك خشيةً منه، كمؤلف، على مكانته السياسية والمهنية، باعتباره سليل عائلة مرموقة وثرية. وحسب تعبير جابر عصفور في كتابه: «زمن الرواية»، فإن المؤلف كان يتحاشى «أن يُعرف بصفة كتابة -الروايات- التي يكتبها ويطالعها من لا مكانة لهم بارزة في القوم، والتي لا تستخدم إلا في التسلية والتفكه وإضاعة الوقت الفارغ».

في خريف 1945 كتب نجيب محفوظ أن سيادة الشعر ارتبطت بأزمنة الفطرة والأساطير، بوصفه شكلًا من أشكال التعبير القديمة التي لم تعد تتماشى مع عصر العلم والصناعة والحقائق. وقد رأى في القصة أكثر مواءمة وترجمة لظواهر المجتمع، ليطلق عليها وصف: «شعر الدنيا الحديثة».*

حتى ذلك الحين، لم يكن لأدب القصة القصيرة أي حضور فاعل، وإن بدأت في مصر تعلن عن نفسها من داخل نسيج الرواية التاريخية أو الاجتماعية. وكان لنجيب محفوظ الدور المؤسس لرواية عربية ناضجة جماليًا، ظلت تتشكل يومًا بعد يوم، لتنقل المتخيل السردي من الهامش إلى المتن.

صحيحٌ أن الشعر ظل، حتى أواخر ثمانينيات القرن العشرين، صاحب الحصة الأوفر من مظاهر الاهتمام والاحتفاء، سواء من حيث حظوظ الإصدارات، أو الملتقيات والمهرجانات المنتظمة، فضلًا عن مناسبات التكريم، كالجوائز وغيرها. وكان فحول الشعر العمودي، أو رواد الحداثة من الجيلين الأول والثاني، في تياري شعر التفعيلة وقصيدة النثر، هم نجوم مشهدنا الثقافي.

الآن لا أظن أن قصيدة الجواهري، أو أدونيس، أو محمود درويش، ما زال في مكنتها الاحتفاظ بنفس تأثيرها الوجداني والمعرفي. ولعلنا بعد قليل سنعثر على إجابة شافية، فيما انطوت عليه الرواية العربية، خلال مسيرتها القصيرة نسبيًا، من مآثر وأسرار.
* جابر عصفور، «زمن الرواية»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.

الجمعة، 17 يوليو 2026

أ. خليفة عبد السلام أحمد شفتر: آلايات الإبداع ووسائل الإقناع في قصيدة النثر عند مفتاح العمّاري

 

المقدمة                                                 

       تعد قصيدة النثر في المشهد الشعري العربي المعاصر تحولا ً جذريا ً في بنية الوعي الجمالي، حيث لم تكتف ِ بالتمرد على األطر العروضية التقليدية، بل سعت لإبتكار نظام إيقاعي داخلي يعتمد على كثافة الصورة وتوتر اللغة،وفي هذا السياق، تبرز تجربة الشاعر الليبي "مفتاح العماري" كأحد األصوات التي استطاعت تطويع هذا الجنس األدبي لخدمة قضايا وجودية ووطنية كبرى؛ فاإلبداع لديه ليس مجرد ترف فني، بل هو عملية توليد مستمرة للغة والصورة والمعنى في آن واحد. إن اإلبداع في منجز العماري الشعري يتجلى في قدرته الفائقة علىأنسنة األشياء وتحويل المادي (التراب، الأرض، الوطن، الأصل) من كينونة ساكنة إلى كائن حي مشحون بالرغبة والعطش؛ غير أن عطشه ليس مائياً، بل هو عطش وجودي للحرية والعدل والحياة الحقيقية. وتنبني هذه التجربة على آليات جمالية تحاول إقناع المتلقي عبر "صدمة الحداثة"وتجاوز المألوف اللغوي، مما يجعل النص فضاء ً مفتوحا ً على التأويل. 

________   للمزيد افتح الرابط 

https://jshd.com.ly/index.php/jshd/ar/article/view/59/53

أ. فضة الشارف - حركة ابتناء الصوة ( شعر مفتاح العماري) قصيدة اخطاء نموذجا

 

مجلة علوم التربية

الرابط:

https://educational-sciences-journal.lacts.org.ly/esj/index.php/esj/article/view/230/202

مهنَّد سليمان - يكتب: حوارية نقد الرواية الليبية تستعرض تحولات السرد وأسئلة النقد

 متابعات

حوارية نقد الرواية الليبية تستعرض تحولات السرد وأسئلة النقد

حوارية بعنوان “نقد الرواية الليبية”

احتضن بيت علي خليفة الزائدي للمقتنيات الكشفية بالمدينة القديمة مساء يوم الثلاثاء 14 يوليو الجاري ضمن فعاليات ليالي المدينة – الموسم الصيفي 2026، حوارية حملت عنوان “نقد الرواية الليبية”، نظمتها منظمة تفاصيل، بمشاركة الشاعر والكاتب مفتاح العماري، والناقد محمود ملودة، والشاعر والناقد عبد الحفيظ العابد، فيما أدارت دفة الحوار الكاتبة أحلام المهدوي، وسط حضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.

استهل الشاعر والكاتب مفتاح العماري مداخلته بالحديث عن التحولات التي شهدها المشهد الأدبي العربي، متوقفًا عند انتقال مركزية التعبير الإبداعي من الشعر إلى الرواية، معتبرًا أن الشعر، الذي ظل لقرون طويلة المرجعية الأبرز في الثقافة العربية، فقد تدريجيًا مكانته وهيمنته، وهي ظاهرة لا تقتصر على العالم العربي، بل ترتبط أيضًا بتحولات عالمية فرضتها العولمة وتغير أنماط التلقي الثقافي.

وأوضح العماري أن صعود الرواية لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية واللغوية، مشيرًا إلى أن اللغة تمثل العنصر الحاسم في تشكل الأجناس الأدبية، وأن الرواية استطاعت استثمار الحكاية بوصفها نواة أساسية لبناء النص السردي، في وقت شهدت فيه اللغة الشعرية تراجعًا ملحوظًا، حتى مع بروز أشكال جديدة كقصيدة النثر التي ما تزال تثير جدلًا نقديًا واسعًا.

كذلك توقف العماري عند أهمية اللغة الدارجة والشعر الشعبي الليبي بوصفهما خزّانًا غنيًا بالصور والتراكيب والمجازات، مؤكدًا أن الرواية الليبية استفادت من هذا الرصيد اللغوي في بناء خطابها السردي وتعدد أصواتها، وأن اللغة في الرواية ليست مجرد أداة لنقل الأحداث، وإنما عنصر تعبيري يكشف موقف الكاتب ويمنح النص أبعاده الجمالية والإنسانية. وانتقد في سياق حديثه بعض المشروعات الثقافية التي تُوجَّه إليها إمكانات كبيرة دون أن تحقق أثرًا معرفيًا حقيقيًا، مؤكدًا أن ذلك يعكس اختلالًا في ترتيب الأولويات الثقافية.

من جانبه، انطلق الناقد محمود ملودة من العلاقة بين الأدب والعمل، مستندًا إلى ما طرحه رينيه ويليك في كتابه نظرية الأدب، موضحًا أن الفنون والآداب تنشأ من طبيعة حياة الشعوب وأشكال إنتاجها، وأن الشعر العربي ارتبط تاريخيًا ببيئة العمل الصحراوية، بينما ارتبطت الفنون في مجتمعات أخرى بطبيعة أنشطتها اليومية.

كما فرّق ملودة بين السرد بوصفه ظاهرة إنسانية قديمة، والرواية باعتبارها جنسًا أدبيًا حديثًا، مبينًا أن السرد كان حاضرًا في الشعر والقرآن والأساطير، وأنه ارتبط بالتعبير عن الذات والفردانية، قبل أن تتبلور الرواية في أوروبا مع نشوء الطبقة البرجوازية، وهو ما تناوله عدد من المنظرين، وفي مقدمتهم ميخائيل باختين.

ورأى أن ظهور الرواية العربية ارتبط ببروز الطبقة الوسطى بعد الحرب العالمية الثانية، كما ربط تطور الرواية في العالم العربي والعالم الثالث بانتشار السينما، معتبرًا أن العلاقة بين الفنين كانت وثيقة، إذ وفرت السينما نموذجًا بصريًا أسهم في تطور الكتابة السردية.

وتناول ملودة مسار الرواية الليبية، متوقفًا عند تأثرها بالتيار الوجودي عقب الهزائم العربية، ثم التحولات التي أعقبت عام 1969، مشيرًا إلى أن عددًا من الكتّاب توقفوا عن الكتابة أو أعادوا توجيه موضوعاتهم بما يتوافق مع التحولات السياسية والثقافية. كما لفت إلى أن الرواية الليبية عانت من غياب المشاريع السردية طويلة الأمد، وهيمنة التجارب الفردية القصيرة، إضافة إلى التحديات الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تؤثر في حرية الإبداع وتلقي الأعمال الروائية، فضلًا عن ضعف الثقافة القرائية وسيادة الأحكام المبنية على السماع بدل القراءة.

بدوره، ركز الشاعر والناقد عبد الحفيظ العابد على واقع النقد الأكاديمي للرواية الليبية، مؤكدًا أن المناهج النقدية الحديثة ليست غريبة عن قراءة الرواية الليبية، بل إن الطابع الإنساني للعمل الإبداعي يجعلها قابلة للاستفادة من مختلف المناهج النقدية المعاصرة.

واستند العابد إلى مفهوم “الرواية الإجرائية” الذي طرحه الدكتور عبد الله العقيبي، ليطرح في المقابل مفهوم “النقد الإجرائي”، موضحًا أن كثيرًا من الدراسات الأكاديمية تلتزم بالإجراءات الشكلية للمناهج النقدية، لكنها تعجز عن إنتاج معرفة حقيقية بالنص الروائي، إذ تكتفي بحشد المصطلحات وإعادة سرد الحكاية دون تقديم تحليل نقدي عميق.

وتابع العابد بقوله : إن معظم الدراسات الأكاديمية حول الرواية الليبية تتناول المناهج البنيوية والسيميائية والسردية بوصفها عناوين عامة، لكنها لا توظفها توظيفًا معرفيًا حقيقيًا، كما انتقد استمرار بعض القراءات التي تتعامل مع الرواية بوصفها مجرد انعكاس مباشر للواقع، معتبرًا أن هذا التصور تجاوزه النقد الحديث منذ عقود، خاصة بعد الإسهامات التي أعادت النظر في مفهوم العلاقة بين الأدب والواقع، وأكدت استقلالية النص الأدبي وآلياته الخاصة في إنتاج المعنى.

اللافت أن الحوارية قد شهدت نقاشًا مفتوحًا بين المشاركين والحضور، تناول واقع الرواية الليبية، ومستقبل النقد الأدبي، وأهمية تطوير أدوات القراءة النقدية بما يواكب التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي، في إطار سعي فعاليات ليالي المدينة إلى تعزيز الحوار حول قضايا الفكر والإبداع، وإثراء المشهد الثقافي الليبي.