وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

خيانات صديقة (4)

خيانات صديقة (4): مفتاح العماري يكتب: خيانات صديقة (4)

تبدأ حياة نيرودا بموت المرأة التي ولدته، حيث لم يبلغ الشهرين بعد؛ حين لفظت آخر أنفاسها جراء تأثير داء السل. هكذا كانت خاتمة أول النساء وأقربهن لقلب الشاعر، أمه التي لم يَعرف عنها شيئًا سوى ما انطوى عليه ذلك الصندوق من روائح وألوان، تشي بها ثياب وأدوات زينة. من هذا الفقد الغامض سيثابر الشاعر على العيش بأكثر من قناع، ولغة، ووجه، واسم، وامرأة، ومدينة، وبيت. مسيرة ثرية بالمغامرة والاكتشاف والسفر والكتابة والنضال والمجد.

منذ اللحظة تلك التي شهدت فتح صندوق الأم الميتة؛ سيتلقى الشاعر أولى الإشارات التي ستدله على اقتناص أكثر الاستعارات بلاغة في صناعة الشعر والجمال. لينقض على الحياة بنهم، ومتع إضافية في اشتهاء الطعام والتفنن في طهيه، يخبر أنواع السمك والنبيذ، وإقامة الولائم والحفلات، وسهرات الأصدقاء، لكأنه بداية من ذلك الصندوق قد عكف على تنضيد الاستعارات التي تخدم إرثه الشخصيّ والتي - كما أشرت - لن تقف عند حدود الكلمات فحسب؛ وإنما ستنسحب على علاقاته بالنساء والسفر والسياسة. ليتوارى خلف قناع مجازي، يعرّي حقائق، ويحجب أخرى. حتى أشعاره الشابة سينشرها من وراء ظهر أبيه الذي لا يرى في كتابة الشعر مهنة للعيش. ومذ ذاك سيختفي الشاعر خلف جاذبية الاسم المستعار، (بابلو نيرودا)، عوضا عن اسمه الحقيقي.

عندما بدأ يحلم بالسفر إلى بلدان بعيدة، ليجمع بين صفتي الشاعر والدبلوماسي، ظل قرابة عامين يتردد على وزارة خارجية بسانتياغو دونما جدوى، الى أن قادته الحيلة للاستعانة بصديق من عائلة مرموقة كي يتوسط له لدى وزير خارجية بلده، ليفوز في الثالثة والعشرين من عمره بقرار تعيينه قنصلا. ومع ذلك لم يتورع القنصل الشاب خلال إقامته في (سيلان) عن اغتصاب خادمة مستضعفة من (التاميل)، جاءت لتنظيف غرفته، فانتهكها -كما يروي في مذكراته- بكل براءة الشاعر ونبله.

بعد ذلك بعقدين ونيف، وقد وجد نفسه ملاحقا بتهمة الخيانة من شرطة بلده؛ سيهرب على ظهر حصان، عابرًا جبال الأنديز، حتى حدود الأرجنتين. التي سيغادرها الى أوربا، متنكرًا بشخصية وجواز سفر الكاتب الغواتيمالي: «ميغيل أنخيل أستورياس»، صاحب رواية «السيد الرئيس»، لوجود شبه بينهما.

أقنعة لا عديد لها استعملها بابلو نيرودا، لكي يظل على الدوام في بقعة الضوء، شاعر صخب ومؤتمرات. نجح إلى حد بعيد في الربط بين نخبوية الشعر وشعبويته، بين الأدب والسياسة، بين الشيوعي شاعر العمال والمضطهدين أينما كانوا، والدبلوماسي المحبوب من الجميع والذي يملك ثلاثة منازل فاخرة. كان التفنن في ابتكار الأقنعة جزءًا حيويًا من انهمامه بصناعة الشعر والحياة. لتجتمع في سلوكه جملة متناقضات: النبل والخداع، والإخلاص والمجون، والصدق والكذب؛ وإن ظل على الدوام مناهضًا لحكم العسكر، وأنظمة الفاشية في بلده والعالم. كتب عن الحرية، والعدل، والحب. ومنح صوته للمغبونين؛ لكنه لم يترك في قلبه متسعا لإيواء طفلته المريضة.

في إندونيسيا، يلتقي القنصل الشاب بفتاة هولندية تنحدر من أرومة إندونيسية، تدعى «ماريا أنطونيتا هاغينار» المعروفة بماروكا. ستكون هي الزوجة الأولى لبابلو نيرودا. وسوف تثمر هذه العشرة عن ولادة طفلتهما البكر «مالفا»؛ الاسم الذي أطلقه عليها الشاعر: اسم زهرة مفضلة لديه، كانت تنبت على ضفاف الشواطئ. ولعله قد بيت في نفسه أيضًا، بأن يكون اسم ابنته البكر من سلالة الأزاهير، كتكريم منه لذكرى امه البيولوجية: «روزا». لكن ما أن يقف على عاهة ابنته المصابة بداء استسقاء الرأس؛ حتى يتنكر لها بطريقة في غاية القسوة. متخليا عن مسؤوليته كأب، بضرورة رعايتها والإنفاق عليها؛ حين يهجرها، لتبقى مع أمها ردحًا من الزمن، ثم تُترك بعد ذلك في عهدة عائلة هولندية، بمدينة خودا.

ربما لم يشأ الشاعر أن يكرس نفسه للاعتناء بابنة معوقة، يتطلب علاجها مثابرة دقيقة؛ خشية منه أن يأتي ذلك على حساب شهرته ومجده كشاعر وسياسي. لذا نبذ الصغيرة المعاقة وأمها. من دون حتى أن يعبأ بتقديم إعانة مالية تساعد على استمرارية العلاج والعيش. هذه الجزئية الكريهة سيصعب معها قراءة شعر بابلو نيرودا بالحماسة نفسها، قبل التعرف على مأساة الصغيرة «مالفا مارينا»، التي ماتت بعد ثماني سنوات، لتدفن في مقبرة بهولندا. ولم يحضر جنازتها سوى بضعة أشخاص بعدد أصابع اليد الواحدة.

ما كان لهذه الحقيقة أن تظهر على هذا النحو من البيان، لو لم يعثر على قبر الضحية بمحض المصادفة وحدها. ففي عام 2004 حدث في مدينة «خودا» الهولندية، أن اكتشف أحدهم المقبرة التي تضم رفاة «مالفا مارينا». لتظهر الحقيقة على الملأ، بعد عقد من الزمان بهيئة رواية، صاغتها الشاعرة الهولندية: «هاخر بيترز». والتي ستروى بلسان طفلة ميتة؛ أي الضحية نفسها، بعد مضي قرابة سبعين سنة من رحيلها إلى الأبدية. وهي ليست مجرد عتاب، أو اعتراف متأخر بجريمة الشاعر وخيانته؛ بل كوثيقة مهمة لفهم طبيعة الإنسان الذي مهما كان خيّرا، لكنه في الآن نفسه، لا يخلو من آفة الشر. هكذا يمكننا - دون مواربة- الاقتراب من شخصية الشاعر الإنسان، في تكاملها. هذه هي الحقيقة التي يمكننا هضمها رغم مرارتها؛ من دون التقليل من أهمية نيرودا شاعرًا ومناضلًا.

صحيح، سنتعرف في رواية «مالفا» على الوجه الخفي للشاعر: بابلو نيرودا، الذي منح صوته للعمال والمستضعفين، للظلال والطيور، للمطر والغابات والثلج والرياح، دون أن يخص طفلته الهشة بكلمة واحدة. فكانت تلك من أكثر مثالب الشاعر العالمي والمناضل الشهير، قسوة وتطرفًا، الى الحد الذي يتعذّر فيه التسامح معها.

في حياة الأبدية ستلتقي (مالفا)، بعديد الأطفال من فصيلة المستضعفين والمنبوذين، الذين تخلى عنهم أهلهم، ليقضوا ما تبقى من حياتهم في عهدة دور الرعاية أو المصحات. منهم الافتراضي الذي ولدته المخيلة، ومنهم الواقعي. ربما لكي تجد بعض العزاء، أو هي حين تقترب من هؤلاء؛ فإنها بذلك تقترب من أبيها الذي لا تعرفه، لكي تعرفه. بحيث يلخص الدنو من الأشباه، والتحدث إليهم، جزءا من الحقيقة الغامضة التي يتعذر فك بعض أسرارها دون سماع صوت الضحايا الذين لا صوت لهم. بحيث تتكفل الكاتبة على لسان مالفا، بأن تهبهم الصوت الذي يعبّرون من خلاله عما لحقهم من ضيم القربى.

الأدب مثل الحياة تمامًا، دائمًا ثمة منطقة متطرفة. وسواء تعلق الأمر بالشعر أو النثر، ما من براءة كاملة يمكن الاعتداد بها، طالما على الدوام هناك أوساخ تعتور نقاء القيمة. كمعدن الذهب الذي مهما حاولنا فصل ما علق به من شوائب تنتمي لأجسام غريبة؛ فلن نحصل على ذهب بنقاء خالص. الشأن نفسه ينسحب هنا على أكثر معاقل الأدب براءة؛ لحظة أن تطال التشوهات، مسيرة أحد أشهر رموز الأدب العالمي في القرن العشرين، شاعر الشيلي، الحائز على جائزة نوبل: بابلو نيرودا.

عندما تنحرف الثورات

عندما تنحرف الثورات: مفتاح العماري يكتب: عندما تنحرف الثورات

هل تنتصر الثورة بإطاحة نظام، وتغيير أعلام وأناشيد وشعارات، أم عبر التمسّك بنبل أهدافها، وترجمتها على أرض الواقع.. انطلاقا من سياسات العمل الطموح، سعيا منها لإرساء ثقافة بديلة، على أنقاض ما تم تقويضه؛ إرساء معايير المواطنة الكريمة، التي تنعم بحماية القانون، وقيم التسامح والتكافل والعطاء، والتطلع إلى الحداثة، وخلق كافة المحفزات لحرية التفكير، وتعاطي العلم والتنوير، بإرادة واثقة ومستمرة للتنمية والبناء.

والآن، فيما تفصلنا بضعة أيام عن ذكرى يوم التحرير (23 أكتوبر). كمناسبة لدحر الطغيان والتي تقتضي بالطبيعة الترحم على من ضحوا بأرواحهم من أجل الحرية، وتذكير أنفسنا، بضرورة التشبث بأهداف ثورة الشباب، بعد مضي عقد ونصف العقد من انطلاقها، حتى لا تبقى مجرد (حبر على ورق). وهي لا ريب، أهداف نبيلة وسامية تدعو، (كما ورد في بيانها الأول) إلى «التمسك بالوحدة الوطنية، ولحمة النسيج الاجتماعي، وروح التضامن والتعاون والوئام، ونبذ كل النزعات المصلحية والأنانية والشخصية النفعية، والجهوية، والقبلية الضيقة، التي تعوق تقدمنا الاجتماعي والسياسي، ونبذ كل مظاهر التطرف والانتقام والعنف، والتمسك بقيم العدل والوسطية والتسامح».

ففي الثالث والعشرين من أكتوبر 2011، وتحديدًا بساحة الكيش في مدينة بنغازي؛ استهل رئيس المجلس الانتقالي، المستشار «مصطفى عبد الجليل» كلمته بمناسبة إعلان التحرير، مشددا على وقف إطلاق النار، باعتباره حسب قوله: «أمر محرّم، وفيه مساس وإضرار بالمدنيين». كانت تلك إشارة أولى لخطورة العبث بالسلاح وفوضى انتشاره. يفهم منها، أن وجود بندقية واحدة خارج السيطرة سيقوض، أو يعطل مسار تأسيس دولة الدستور المنتظرة والتي يعول عليها الليبيون الأحرار، من أجل تأمين استقرارهم الأمني، ووحدة وطنهم، وتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية، والتحول إلى ما هو أفضل.

لأن وجود قطعة سلاح واحدة خارج سيطرة الدولة، سيشكل عنفا موازيا، لا يؤتمن، من حيث تهديده لاستقرار البلاد وأمنها المجتمعي. لهذا كانت معضلة انفلات السلاح من أصعب الاختبارات، وأكثر الأزمات خطورة، ما سبّب انحراف ثورة 17 فبراير، وإرباك مسيرتها، وتشتيت أهدافها ورؤاها، وعدم قدرتها على حسم مواقفها لصالح شعبها. ربما حدث ذلك جراء ضعف إرادة السلطات التشريعية والتنفيذية، أو تباطؤها من حيث إقران القول بالعمل الجاد؛ قبل أن تستفحل ظاهرة التشكيلات المسلحة.

من هنا تقوّض أول المبادئ التي رفعتها ثورة 17 فبراير ليُقْلب رأسا على عقب. فعوضًا عن التمسك بوحدة الوطن، تحولت ليبيا إلى شتات عظيم يتعذر جمعه؛ وقد انقسمت إداراتها وهياكلها، وتشظت أزماتها، إلى حد أن قياداتها السياسية والعسكرية باتت عاجزة عن عقد جلسة تفاوض واحدة في أي بقعة آمنة من ترابها، لتستقبلهم قاعات وفنادق بلدان عربية وأوروبية. برعاية، وربما (وصاية) أطراف خارجية. هذا الضرب من التخبط والارتباك، سوف لن يقتصر على رقعة السياسيين وحدهم بل ستنسحب مجرياته على عديد الحوارات الأخرى؛ بما فيها حوار كرة القدم لتقام مباريات نهائي (الدوري الممتاز)، أو (كأس ليبيا) خارج الحدود، بملاعب تونس ومصر وإيطاليا.

عناوين كثيرة تتداخل في توصيف انحراف ثورتنا وإفسادها. تقتضي الإحاطة بكل منها، تدوين كتب مستقلة إذا شئنا؛ بعد أن تنوعت مظاهرها، وتعددت بأساليب شتى، وقد تسللت إلى معاقلها، وغرف عملياتها، وأجهزتها، ودوائرها السيادية، كائنات جاهلة، أو مشبوهة، أو هي غير مؤهلة لإدارة المرحلة. ولا سيما حين تفشت عقلية الغنيمة، إلى حد اللعب (ع المكشوف).

لهذا ليس من المستغرب أن يفقد (رقّاد الريح)، حماسة الاحتفاء بهكذا ذكرى مجيدة، وقد أمسوا مهددين في مقدرات عيشهم وأمنهم. والذين أدركوا بحدسهم، أن الثورة ما تلبث أن تفسد، وتنحرف عن أخلاقها، حين تخون مبادئها وأهدافها وشعاراتها الإنسانية/ حين تعيد تدوير المتاهة نفسها، وتسويق الأوهام نفسها، ورفع الشعارات الصاخبة نفسها، دونما خارطة طريق، أو بوصلة تدلها على درب آمن باتجاه (دولة القانون). عاجزة عن مراجعة أخطائها، ومحاسبة (لصوص المال العام)/ حين يتواطأ رموزها، في العبث بمقدرات الوطن وثرواته/ وحين يقف قادتها كالمتفرج الأخرس إزاء تجويع العباد وإفقارهم وتجهيلهم وإذلالهم، والحد من حريتهم. حينذاك كيف يمكن الهتاف احتفاءً بذكرى التحرير، بأفواه جائعة؛ فأي عدالة هذه التي تتفاوت فيها رواتب القطاع العام، وقد تفاقمت فجوتها بين فرد وآخر، لتبلغ خمسين ضعفا، أو أكثر. فثمة بون شاسع بين من يلعبون بالثروة والسلاح، ومن يقفون لساعات طوال في طوابير الوقود والخبز والمصارف.

إذن: تنتصرُ الثوراتُ، وتبلغُ أقصى درجات مداها نزاهةً وأخلاقًا عندما تُوقظ فينا إنسانيتنا. الثورةُ إنسانٌ يحلمُ، ويفكّرُ، ويعملُ ويُحب. من هذا النبل نستلهمُ نقاءَ الثورات وفضائلها ونِعَمها ولطفها وجمالها ورحمتها، ومعجزاتها أيضًا؛ عندما يخرج الحيُّ من الميت، والطيب من الخبيث. فما الثورة سوى إرادة كلمةٍ وسلالة دم. ثمة من ضحّى بحياته لكي يُمهّد لنا طريقًا آمنة للحرية. وثمة من فقد أطرافَه، ليشقّ لنا قنوات وممرات ومسارب سالكة في جبال صلدة، حتى تكسّرت عظامه. وثمة أيضًا من اختار أن يواصل حياته، ضريراً ومعاقاً؛ يتوكأ على عكاكيز، أو يتنقّل بواسطة كراس متحركة؛ ظنا منه بأننا سننعم أخيراً بحياةٍ حرّة ومستقبل واعد بالخير.

فأين ذهبت كل تلك التضحيات والشعارات والخطب والموسيقى والزغاريد والأناشيد والقصائد الحماسية. أين هي الثورة المنتصرة يا سادة، حتى نحتفي بذكرى تحريرنا، ونهتف مرة أخرى: نعم لوحدة الوطن، وألف مرحى «لروح التضامن والتعاون والوئام، ونبذ كل النزعات المصلحية والأنانية والشخصية النفعية، والجهوية، والقبلية الضيقة، التي تعوق تقدمنا الاجتماعي والسياسي، ونبذ كل مظاهر التطرف والانتقام والعنف، والتمسك بقيم العدل والوسطية والتسامح». والسلام ختام

الخميس، 8 أكتوبر 2026

الحطاب . مفتاح العماري

 


_________ الحطّاب

 

يحدث أحيانًا أن أقول لنفسي:

سأتخلى عن كتابة الشعر،

وأعود إلى الجبل

لعلي أظفر ببقايا شجرة ميتة

أحملها على كتفي،

أو نصف امرأة مهجورة، عند حافة قرية توشك

على الخرف؛ قد لا يسعها الاحتفاظ

بأوصاف حكايتي.

وفيما أنا أمشي منحنيًا،

سأترك أثرًا على الدروب:

خشخشة حروف حزينة ما تلبث

أن تتحول الى بذور،

وعصافير تطير مزهوة في أرجاء اللغات. 

وقد يحدث في الأثناء:

أن راعيًا ما، على الأقلّ،

 سوف يستوقفني متسائلاً:

 ماذا تصنع بكل هذه الفوضى؟

حينها لن أهتم بأوجاع تاريخي،

وأرد بفخر:

أنا خطاب.



الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

خيانات صديقة (2)

خيانات صديقة (2): مفتاح العماري يكتب: خيانات صديقة (2)
_____________

       في يوم شديد البرد من فبراير 1948، وقف الزعيم الشيوعي «كليمان غوتوالد» عاري الرأس بشرفة قصر من قصور براغ، يعود للعصر الباروكي، ليخطب في مئات الآلاف من أبناء شعبه. لكن، ما إن بدأ الثلج يسقط، حتى بادر «كليمانتس» أحد رفاقه المخلصين، والرجل الثاني في قيادة الحزب بنزع قبعته عن رأسه، ليضعها بكل لطف على رأس القائد غوتوالد. «وهكذا بدأ التاريخ الشيوعي لبوهيميا من هذه الشرفة. كل الأطفال كانوا يعرفون هذه الصورة، لكثرة ما شاهدوها في الملصقات، أو في الكتب المدرسية أو في المتاحف». بعد هذا المشهد بأربع سنوات اتهم «كليمانتس» بالخيانة، وأعدم شنقًا. فقامت شعبةُ الدعاية بمحو أثره من التاريخ، وبطبيعة الحال من كل الصور الفوتوغرافية». (1)

مثل هكذا أحداث تبدو مألوفة جدًا في سيناريو الديكتاتوريات، حيث يعرف القادة الملهمون متى يرفعون شعارات العدل والحرية، وكيف يعملون في الوقت ذاته على ترجمة أفظع الجرائم قمعا وتنكيلا بالحريات. طالما لديهم من مؤهلات الخداع، ومواهب الغش، ما يكفي لتدمير القيم وقلب الدلالات بجدارة لا تضاهى. في أعمال «ميلان كونديرا» الروائية، تخضع ثيمة الخيانة لقانون العود الأبدي، لتشي على الدوام بذلك التداخل بين العام والخاص؛ وأيضًا كضرب من الكوميديا السوداء، لحظة أن تُبنى المأساة على لقطة عابرة.

كما تعكسه وقائع روايته «المزحة»، عندما يقوم شاب بكتابة بطاقة بريدية إلى صديقته، مصرّحا فيها بمناصرته لتروتسكي. لكن صديقته ستشي به للشرطة؛ مما يستدعي طرده من الحزب الشيوعي. وهنا يعيد كونديرا إنتاج الحادثة نفسها التي تسببت في طرده هو الآخر من الحزب الشيوعي، جراء رسالة كتبها لصديق، تتضمن نكتة حول مسؤول حكومي. أحيانًا تأخذ الخيانة شكلًا بريئًا، أو هكذا يضمر السرد تمريرها.

هذا النوع من الحفر الفلسفي العميق في طبائع الشخصيات، يطلق عليه كونديرا: التأمل الروائي. وسيظهر في أعماله الروائية على درجة عالية من الانسجام، تعكسها طريقته في كسر نمط السرد، وتقاليد الرواية المتعارف عليها. كذلك من حيث تنويع الخيانات. مما يحفزنا على الاستئناس بالرواية، كضرب من العيش الإضافي؛ بوصفها من أكثر الأنواع الأدبية هضمًا لتجربة الفرد في علاقته بنفسه والآخرين والطبيعة. ولكونها تملك مقومات خاصة على توظيف جملة من العلوم الإنسانية وصهرها داخل فضائها، كالفلسفة والتاريخ وعلمي النفس والاجتماع. وذلك من موقع السرد لا التنظير.

نشير هنا إلى بعض سرديات ميلان كونديرا، للتدليل على ما في الواقع من زيف السياسة والأدب؛ وذلك لقدرتها الفائقة على رصد وتأويل الهشاشة البشرية، والتي يمكن ترجمتها عبر ممارسات وأشكال عديدة ارتبطت بشخصياته الأكثر إثارة، كما هو حال الشاعر؛ حسبا لشخصية (ياروميل) في «الحياة في مكان آخر».

بحيث لا يمكن الاكتفاء بالتعرف على وهم الشعر وخديعته، من دون تتبع حياة كاملة، بداية من تلك النُطْفة. وكيف تعمل الظروف الخارجية على التأثير في تكوين مزاجها، وتضخيم إحساسها بعظمتها، تماما مثل تلك الظروف التي تتضافر لصناعة طاغية، عبر تنمية نرجسيته. وقد تحولت الهشاشة إلى مصدر قوة وخطر ماحق.

يولد (ياروميل) داخل علاقات أسرية تغمره بعناية مفرطة إلى حد الاستبداد، ليبدو معها كما لو أنه صدى لخطيئة مركّبة، أو مجرد حماقة ناجمة عن لحظة طيش، ونزوة فالتة بين رجل وامرأة. فمن طفل موهوب وذكي تحيطه أمه بحنان دافق، إلى كائن فائض عن الحاجة، غير ضروري، وغير مرئي، وغير فاعل، وهو من حيث موقعه الوجداني لا يعني شيئاً للآخرين، باستثناء نرجسيته، والمرأة التي ولدته.

وسط هذه القسوة، وهذا الثقل من الفراغ النفسي والاختناق العاطفي، تتشكل المقدمات الأولى لشخصية شاعر كونديرا، حسبا لقوى ودوافع خارجية؛ هي ما تحدد نمط لغته ومشاعره ومشيته، ليظل حتى سن المراهقة رهنا بما تقترحه الأم من كلمات وثياب وطعام وأمكنة.

ليخوض من بعد، تجربة الوهم والتي سيبدو خلالها كما لو أن مهنته الوحيدة هي النوم؛ متنقلا من حلم إلى آخر.

كائن يتحرك داخل حيز معلوم سلفا، دونما تجارب وخبرات راسخة، سوى ما يحيكه عالمه الضيق من نسيج هش. فقط، هو شاعر، لأن جزءا من نزوة الأم ارتبط بذلك الوهم السري الناجم عن ذاكرتها وحدها. ومن جراء هكذا عقد قد يتحول الشاعر إلى واشٍ، ليتسبب في تهلكة أقرب الناس إلى قلبه.

هذا النمط من الاختلال الأخلاقي ذكرني بجملة من المقالات، كتبها شاعر معروف في صحافتنا المحلية خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، والتي كانت أشبه بتقارير وشاية تستعدي السلطة الحاكمة ضد مجموعة بعينها من الكتاب الشباب، الذين كانوا حسب زعمه يقرأون كتبًا مهربة. موثقًا بذلك خيانة معلنة (مع سبق الإصرار والترصد)، وفي أكثر مستوياتها خزيا وقسوة. مما يجعلنا نتساءل عن الظروف القاهرة التي أحاطت بالشاعر حتى يكون واشيًا مفتريًا.

لربما هي الأسباب نفسها التي حرضت مثقفًا كبيرًا على التعاون مع العسكر الذين سبقوه إلى السلطة. من دون أن يجرؤ على التصريح بكلمة حق، ذودًا عن حرية الرأي، وضحاياها من زملائه الأدباء والكتاب الذين زُجّ بهم في السجن. فهل حقا أن المثقفين أسرة واحدة؟

في سنة 2008 نشرت مجلة تشيكية تقريرًا مطولا، يتهم الروائي: ميلان كونديرا، (حين كان طالبا)، بالوشاية ضد أحد طياري سلاح الجو التشيكي، كعميل لصالح المخابرات الأميركية. مما أدّى إلى محاكمة الطيار لخيانته. تعود هذه الواقعة إلى العام 1950. تهمة وصفها كونديرا، حسب «التايمز» البريطانية في 14 أكتوبر 2008 بأنها مجرد كذبة، ومحاولة لاغتيال كاتب. (2)

(1) ميلان كونديرا. كتاب الضحك والنسيان. ترجمة محمد التهامي العماري. المركز الثقافي العربي.

(2) «خيانة كونديرا التي لا تحتمل elaph.com»


خيانات صديقة (1)

خيانات صديقة (1): مفتاح العماري يكتب: خيانات صديقة (1)


تحتفظ ذاكرةُ الأدب بعديد الخيانات التي رافقت مسيرة الشاعر، خلال مساعيه لخدمة السلطان. ولا تقف هذه الآفة، كما يبدو، عند حدود العلاقة بين المتنبي وسيف الدولة، أو كافور الإخشيدي؛ بل تتعداها إلى ما هو أكثر خزيًا، كما لو أنها، في سيرورتها عبر تاريخ الأدب العالمي بصورة عامة، والعربي بخاصة، تحمل وباءً مضمرًا؛ ما تزال جيناته تفعل فعلها؛ حين يكرّس شاعرٌ معاصرٌ قصيدته لتمجيد الحاكم إلى حدّ التأليه، كضرب من التسوّل والارتزاق، طمعًا في نيل العطايا والهبات. مما يُعد من أسوأ وأحطّ أصناف الانحراف الأخلاقي، التي لا يشفع لها أي اعتذار، أو تراجع، أو محاولة التظاهر بالندم.

هل يمكن لفعل الخيانة أن يكون شاعريًا وبريئًا؟ سؤال تقليدي يتكرر بصيغ مختلفة كلما تطرّق النقاش لضرورة الأدب وقيمه، أو استنطاق سيرة شاعر فحل بوزن «أبوالطيب المتنبي»، أو رحلة «أرثور رامبو» وقد تبعثرت لغته بين الشعر، وتجارة السلاح والعبيد. حيث الحقيقة الساطعة، رغم براءتها، أشبه بلغز محيّر ومتعذّر الفهم. مما يدفعنا إلى الاستعانة بالمتخيّل السردي للاقتراب أكثر من هكذا علاقات معقدة، لعلنا، بقليل من الهدوء والتبسيط، نعثر على ضالتنا في فضاء «ميلان كونديرا»، وبالأخص روايته الثالثة «الحياة في مكان آخر». كأن نجد مسوّغًا واحدًا يمرّر متناقضات شاعر كبير مثل: «محمد الفيتوري»، عندما يناصر العدل والحرية، ويمدح الطغاة في وقت واحد.

ولسنا هنا في الموقع الذي يخول لنا إدانة المثقف، وتجريم ما يرتكبه من زيف في حق نفسه ومجتمعه وشرف الكلمة، وميثاقها الأخلاقي؛ وإنما نحاول، بقدر كبير من الحذر، تقصي تلك الدوافع الخفية التي تجبر شاعرًا على ممارسة دور الواشي. وملامسة الضغوط السياسية التي تلزم رسّامًا على حمل حقيبة متفجرات. وتفكيك ذلك المشهد الذي يظهر فيه أديب أو شاعر في نقل مباشر للتلفزيون الوطني، وهو يبايع الحاكم المستبد، ليكون على النقيض من تصريحاته المضادة للسلطة في جلساته الضيقة. ولعل في كتاب «أشخاص حول القذافي» لعبد الرحمن شلقم، ما يكفي من وقائع العار التي تشي بفصامية المثقف الوطني ونفاقه.

توليف هذا الصنف من صورة المثقف أو الشاعر أو الفنان، وبالأخص في حقب الحكم الشمولي، سيُعدّ مسألة على درجة عالية من التعقيد فيما لو حاولنا أن نحقّق شيئًا من التناغم السريّ بين الموسيقى وإحراق مدينة، أي بين فاغنر وتدمير العالم. لأن ما يطرحه التاريخ من صور وأحداث وحكايات، سوف تقوم الرواية وشقيقاتها بترجمته إلى جملة من الأسئلة الساخرة، بحيث ستظل الإجابات على الدوام معلّقة.

فقط كل ما في الأمر أننا نبحث عن مسوّغ واحد، ليس لتبرير وجود شخصية المثقف المزيف من بين أفراد العائلة الكريمة التي نخشى من جرح مشاعرها، أو استعداء أفرادها الغيورين، لمجرد إقدامنا على إعادة توثيق الحقائق بصيغة ناعمة، دونما ضغائن أو أي نيّات سيئة لتشويه ولو جزء ضئيل من الذاكرة، بل نود أن نكون أكثر شفافية إزاء تاريخنا الوطني، توخّيًا للصدق، ومكاشفة أنفسنا بالحقيقة كلها دون ترقيع أو تزويق؛ فقط لكي نكون صادقين إزاء أنفسنا، ليس إلا.

وإننا حين نستأنس بقصص بورخيس، أو روايات ميلان كونديرا وهنري ميلر، أو ما جادت به ذاكرة عبد الرحمن شلقم، أو أحمد القطعاني، فإنما لكي ندلّل، دون مواربة، بأن قريحة الأدب، سواء أكانت سجلًا وثائقيًا بهيئة يوميات أو مذكرات، أم محاكاة متخيّلة للواقع، إنما هي أبلغ صدقًا وتأثيرًا وعمقًا من كتب التاريخ، حين تتعامل مع مادة الواقع بحس انتقائي، يعمل على بتر واجتزاء كل ما هو قبيح ومخزٍ. كصنف من التزييف للذاكرة الوطنية.

إذن، ثمة هنا أكثر من مفارقة صادمة تظهر الشاعر بوجهين في قصيدة واحدة، هي قصيدته؛ فهو محطّم تماثيل، كما يصفه هنري ميلر، في «رامبو وزمن القتلة». وكائن منشقّ عن عقيدة الشعر حسب الوقائع الساخرة التي صاغها ميلان كونديرا، في روايته: «الحياة في مكان آخر». وبين الوجه الأول والثاني يظهر خلل أخلاقي، ليس في طبيعة الشعر؛ بل في تقلبات الشاعر من حيث إيمانه بنزاهة الكلمة. كما لو أن هناك قوى خفية هي ما تجبره أحيانًا، على خيانة نفسه والشعر وجماعته. ليتورط في هذا النمط من الخداع، والتنكيل بعظمة الشعر كقيمة إنسانية؛ ويعمل من ثم على تدمير ذاته، عوض تحطيم الأصنام.

داخل هذا الحشد المخزي من المفارقات العجيبة (هنا وهناك)؛ سيعترض السؤال بالضرورة، ليأخذ استدارة تاريخية حول مشهدنا الثقافي الليبي في عهد الاحتلال الإيطالي، بحثًا عن إجابة منصفة تسوّغ مديح شيخ الشعراء: «أحمد الشارف»، لدوتشي الفاشية: «بينيتو موسوليني» في أثناء زيارته إلى ليبيا، ربيع 1937. بقصيدة يقول في مستهلها: «بالحزم أصبح موسوليني مالكًا ... ثقةَ البلاد فأصبحتْ تهواه». وكانت تلك من أشد صدمات الذاكرة الوطنية عنفًا وألمًا، ولا سيما أننا إزاء قاضٍ عالمٍ بأمور الشرع، وشاعر مناضل، كرّس أكثر أشعاره بلاغة وقوة، لفعل المقاومة، منددًا بجرائم الاحتلال الإيطالي وطغيانه، ومحرضًا على الكفاح المسلح لتطهير البلاد من دنسه وجوره. فهل تبقّى بعدُ، أي شرف للكلمة وقد أعلنت خنوعها واستسلامها في مشهد مذل؟ كيف لنا أن نقنع تلامذة المدارس، أن مدّاح موسوليني، هو نفسه القائل: «رضينا بحتف النفوس رضينا ... ولم نرض أن يُعرف الضيم فينا»؟

ربما لأن الحياة أخيرًا، هي دائمًا في مكان آخر. حيث لا بقاء لشيء سوى المغزى من وجود كلمة نظيفة. الكلمة وحدها دليل التائهين بحثًا عن منابع الحق، لا مناجم الذهب. إذ ذاك كل ما هو صوت، وضوء، ورائحة، ومذاق، ودفق، يبدأ من وجود كتاب، وشجرة طيبة تنتظر. والسلام ختام.

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

مِن هذا الشغف

مِن هذا الشغف: مفتاح العماري يكتب: مِن هذا الشغف
______________________ 

تتربّى المعرفةُ في حيز كبير منها دون ريب، بفضل رعاية الكتب الخيّرة، ورفقتها الآمنة. فمن هذا السفر المجيد، تنطلق مغامرة القراءة؛ شغفًا بالتعلّم والاكتشاف، عبر إبرام أواصر متينة مع المكتبة أينما حلّت، سواء في البيت، أو المدرسة، أو الشارع؛ بوصفها منطقة جذب وألفة، ينبغي الحرص على تحريك رمادها، وإيقاظ عناوينها بين حين وآخر، والتآلف مع دفئها وحواسها وأنفاسها، لتشغل حيزًا أثيرًا من ملاذنا ووقتنا وذاكرتنا وحكاياتنا؛ باعتبارها حافزًا للدنوّ من فضائل التعلّم ومكارمه.

بعض الكتب، سيتاح لها دون غيرها حصة وافرة من الحظوة، فنجد أنفسنا نعود إليها، ونطيل المكث حدّها، لكي تستأثر بقراءة إضافية. ولست أدري، حين نعيد قراءة الكتاب نفسه، هل يُعزى الأمر إلى شبهة الحنين، عبر تجديد القرب مرة أخرى. تمامًا مثلما نزور حبيبًا أو مكانًا أثيرًا. أم أن المسألة برمتها لا علاقة لها بهذه النوستالجيا؛ طالما في كل صحبة سنميط لثامًا؛ ونكتشف كنزًا. وربّما يُعزى الأمر أحيانًا لعسر في الهضم. لكن، ومن دون أن نخوض في جنس المقروء وحقله؛ قد نتفق في الحدّ الأدنى أن القراءة وطقسها، من أبهى مكارم «الإمتاع والمؤانسة»؛ على رأي التوحيدي.

صحيح، ثمة من يرى في إعادة قراءة الكتاب نفسه، هدرًا مجانيًا للوقت. ولعلّ أنصار هذا الصنف من وجهات النظر لا يميلون إلى استنساخ اللحظة ذاتها؛ ربما حرصًا منهم على استثمار الوقت في معرفة الجديد. لكن ماذا حين يتعلق الشأن نفسه بالموسيقى؟ فهل إعادة الإصغاء إلى موسيقانا الأثيرة يعدّ هدرًا للوقت؟ من جهتي سأُقْبِل وبمزيد من الحماسة على إعادة قراءة الكتاب الجيد، مرات ومرات؛ ولا سيما أن هناك مصنفات في رفوف مكتبتي الورقية، وكذلك الإلكترونية، قد استأثرت بقراءتين أو أكثر.

هذا الضرب من الحظوة، لا يقتصر أمره فقط، على متون السرد الأصيلة من روايات وقصص؛ وإنما يشمل رفوف التاريخ، ونظريات النقد الأدبي، ومتون الفلسفة والشعر، وعلمي النفس والاجتماع؛ فضلًا عن عناوين وأسماء شتى، في الديانات والميثولوجيا، والتصوف، وفقه اللغة. واستئناسًا برأي عالم فنّ الشعر، الناقد: «مايكل ريفاتير»، أن القراءة الأولى غالبًا ما تكون استطلاعية، بينما ستكون الثانية تأويلية. لكن ماذا سنسمّي، أو نصف، القراءات اللاحقة، بدءًا من الثالثة؛ أي ما بعد التأويل؟ أعتقد أن هذا الموضوع سيحتاج إلى أكثر من إضاءة، بين توصيف وتشخيص.

لعل ما دفعني لتوثيق هذه المآثر، كخلاصة لعلاقتي الشخصية بالكتب: أن المصنف الجيد لا يكتفي بقراءة واحدة. وإنني حين أشير إلى الفضائل الحميدة لإعادة القراءة، فلأنها حسب تجربتي تمثل إيقاظًا للمعلومة، وتعميقًا وإثراءً للفهم والدراية؛ يرسّخ ما اكتسبته عبر قراءة سابقة. ولعلها في الوقت نفسه تعدّ ضربًا من الامتنان للكتب التي تجعلنا أكثر قربًا من روح العالم على رأي «باولو كويلهو»، وعرفانًا منا كقراء مخلصين، بذلك الأثر السحري الذي تحدثه بضعُ كلمات مضمرة تتوزع هنا وهناك بين الصفحات، بهيئة ضوء أو عطر أو موسيقى، وقد ارتدت من بهاء الشكل وفتنته ما يشبه شجرة أحيانًا، أو نهرًا جاريًا، أو غابة أو حجرًا أو حديقة؛ فللكلمات هي الأخرى حياتها الخاصة بها، ولكي نستدلّ عليها يلزمنا أن نتعلّم عديد الخبرات، وعديد الحيل، حتى نكتشف سرّ العناصر والأسماء والأشياء، مثل النار والماء والهواء والطين والنحاس، وحركة الكواكب، ولغة النجوم.

كما يقتضي الإنصاف، فهم ما تمليه رحلة التعلم من تقلّبات الطقس، ودورة الفصول ومزاج الريح؛ والإحاطة بإشارات الحكمة التي يتعذر لملمة فسيفسائها من كتاب واحد، أو الاكتفاء بقراءة دواوين الشعر؛ طالما يمكن الحدس بأن تكون تلك العلامات الخفية مندسّة في رواية باهرة، تفنّن الراوي في سرد تفاصيلها، وبثّ السحر في فضائها، لكي يصبح السفر قمينًا بغواية المجاهل، التي قد يكمن مغزى أسرارها في رفرفة جناح، أو ارتعاش ضوء. ولعلها قد افتتنت ببهاء الطبيعة فاختبأت في عين ماء، أو حبّة رمل.

لكنك قد تتساءل في اللحظة نفسها: ألا يجدر بنا الوصول إلى تلك الكلمات، من دون أن نتكبّد كل هذا التعب، جراء تصفّح آلاف الكتب. أجل؛ قد يمكننا العثور على تلك الكلمات دونما حاجة إلى قطع كل هذه المسافات الطوال؛ غير أنه سيتعسر علينا في الوقت ذاته فهم تلك الكلمات ما لم نستعن بما ابتكرته مخيّلةُ الفلاسفة والمفكرين والحكماء والشعراء والحكائين والخطّاطين والرسامين والموسيقيين؛ الذين سلكوا الطريق نفسها. لهذا يتعين علينا اقتراح ما يلبّي معرفتنا. ألَسنا جميعًا في حاجة لاكتشاف ما نجهله؟

لذا علينا أن نتعلّم دائمًا، إذا أردنا الإحاطة بالبراهين التي تدلّنا على الكلمة الضائعة، وأن نظفر في الوقت نفسه، بالقليل أو الكثير من المتع، صحبة الكتب التي تنتظرنا. ولا ضير من إعادة قراءتها. ليس عرفانًا بما تنطوي عليه من مآثر المعرفة فحسب؛ بل حتى بتلك الأطوار التي تمرّ بها حياةُ الكتاب نفسه؛ فبدءًا بصناعة الورق والتأليف والطباعة، وانتهاءً بالتوزيع والعرض والإعلان، مرورًا بالشحن والنقل؛ يستغرق الكتابُ دورة طويلة ريثما يصل ليد القارئ. لذا يجدر بنا إكرام وفادته؛ وأن نهبه حقّه من المديح والعناية والتكريم.

أجل، من هذا الشغف الحميد تتربى المعرفة، لتصبح الحياة أكثر أنسًا ورحمةً وجمالًا.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

رصيف

رصيف: مفتاح العماري يكتب: 

(1)

على الرغم من أزمة الوقود التي تتكرر بين فترة وأخرى، لا تنفك ظاهرة الازدحام المروري بشوارع طرابلس عن فرض ضجيجها وفوضاها. ربما لأن الليبيين من أكثر شعوب العالم شغفا بامتلاك السيارات. وربما لانعدام البدائل التي تشكل خيارات مجدية للمواصلات، كوسائل نقل عام، نجدها متاحة حتى في أسوأ البلدان فقرا وتخلفا؛ وبصورة خاصة خطوط الحافلات داخل المدن. وربما، لأن (الليبي) من فرط ولعه بالسيارات، لمْ يعد يتقبّل استخدام الدراجات الهوائية، أو الاعتماد على قدميه للمشاوير القصيرة. ولأن ثمة أواصر غريبة الهوس بالسيارات؛ ستحتل السيارة المكانة نفسها التي كانت تشغلها ناقةُ البدوي وفرسه. لهذا وذاك ليس من المستغرب في شيء أن تتواطأ العاصمة مع ضجيج سياراتها؛ وتتخلى عن أرصفتها.

(2)

حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي ظل الرصيف الطرابلسي محفّزا على المشي، ليس كنموذج يحتذى، من حيث تصميمه ورحابته؛ بل كان على ضيقه يتسع بسخاء لحركة المارة، ولا سيما في الشوارع العتيقة، كالرشيد، وعمر المختار، وميزران، و 24 ديسمبر، والاستقلال؛ وينعم بقدر وافر من التسامح، ومظاهر البهجة؛ لمشاة يبتسمون، وأكشاك صحف، ومكتبات، وباعة زهور، وأصداء موسيقى، ورائحة قهوة طيبة، وشجيرات من فصيلة مهذبة تشاطر الخطى إيقاعها، وباعة جوالين، وواجهات دور سينما، وفترينات عرض، ومحطات أوتوبيس؛ سيحظى الانتظار تحت ظلالها بحكايات لا تملّ.

كان المشي بوسط البلد مهرجانا حافلا بشتى ألوان الألفة. ولا سيما في ليالي رمضان وأيام الأعياد. لكأن الرصيف نهرُ العاصمةِ ووتينها. فعبره تتدفق أسرابُ المارة بمشية بهية تنبض عزما ونشاطا، كما لو أنها عرس متنقل، يشترك في إحيائه سيلٌ دافقٌ مِن المشاة، بمختلف أعمارهم. حيث كل شيء يبدو مطروحا على الطريق. فعبر الرصيف يمكن رصد أحوال العابرين، وتشخيص أوضاعهم، ومظاهر الرفاه، أو الفقر، وكل ما يشي بخفايا الواقع المعيش. فمن خلال قراءة أزياء الناس وإيقاع مشيتهم، والأغراض التي يحملونها؛ حسبما تعكسه مرايا الأرصفة من مظاهر الناس، والأرض التي يمشون عليها؛ يمكن تلخيص حياة كاملة في بضع دقائق من التأمل.

(3)

أجل، حتى ذلك الحين ظلّ الرصيف الطرابلسي يحتفظ ببصمته التي تعبّر بامتياز عن مدينة متوسطية عريقة، لها فلكلورها، وعمارتها، وتقاليدها، وأخلاقها الخاصة بها. والتي بلورت على نحو ما الدور الوظيفي لرصيفها كفضاء عام، يفترض أن يحظى بعناية مستدامة، كما هو الحال في كبريات مدن العالم، تجعله بين وقت وآخر أكثر جاهزية وسلامة مرورية، عندما تُضاف إليه مساربُ موازيةٌ تستوعب راكبي الدراجات الهوائية، وعربات ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وقد خصصت لفئات منهم إشارات ومنبهاتٌ مرورية، تجعل مشاويرهم أكثر نجاة من احتمالات الأذى. فثمة مدن عريقة في عالمنا المعاصر، يُعد الرصيف من أبرز تشكّلات طابعها العمراني؛ لتأخذ تصاميمه الهندسية أبعادا فنيةً غاية في البهاء. بحيث لا تقتصر وظيفته على المشي بسلام فحسب؛ بل أصبح منطقة خصبة بآيات من الجمال.

(4)

فقط، رصيفنا الطرابلسي وحده الذي لمْ تحظَ بنيته بتلك العناية التي تؤهله الانتساب إلى حاضرة عصرية، إلى حدّ أن فقد ابتسامته، ومرح موسيقاه، ومحطة الحافلة، وفترينة المكتبة، وواجهة السينما؛ ليمسي عرضة للعبث: اعتداء الباعة الجوالين، الذين يتألف معظمهم من المغتربين، لتستغل أجزاء من أرضيته كمفروشات لعرض السلع الصينية والتركية، في شارعي الرشيد وعمر المختار. أمّا في ما يتعلق بأرصفة الكورنيش وحوض السرايا الحمراء، وحدائق شارعي البلدية، وأدريان بلت، كذلك الأحزمة الخضراء بطريق الشط؛ فأنها ستعج بأفواج القادمين من جنوب الصحراء، الذين اتخذوها ملاذا للتجمع، وللنوم أيضا. على الرغم من عدم توافّر دورات المياه، وحاويات القمامة.

(5)

رصيف منتهك على الدوام، شوهته الحفر والتصدعات، والتهمت أطرافه أشجارُ الزينة المهملة، وأعمدة الإنارة واللوحات الإعلانية، وعديد الآفات، كالركن العشوائي للسيارات، وغيرها من المظاهر المعيبة التي تمارس سطوها على فضاء المشاة، من دون أن يكون للقوانين الرادعة أية بادرة من شأنها حماية الأرصفة، كخطوة داعمة لأن يستعيد الشارع الليبي بعض هيئته التي سُلبت بفعل الاعتداء المستمر على هوية المدينة. أعني العاصمة التي مع سطوة الفوضى، وكسل القانون، سيندرج رصيفها هو الآخر ضمن قائمة الغنائم؛ فحتى مداخل المحال التجارية والمقاهي كان لها نصيبها الوافر؛ لتنهش ما دنا لواجهاتها من مساحات الرصيف الذي لم يعد رصيفا صالحا للمشي؛ طالما لم يبق من جثته شيء سوى نتوءات عظام أسمنتية متهالكة كجزء من خريطة وطن افترستها ضواري الزمان.

(6)

وبذا لم يحرم المواطن الليبي في مدينته، من نعم المشي الآمن فحسب؛ بل خضع لعديد الانتهاكات الوحشية. التي عبثت بأبسط حقوقه؛ كالرعاية الصحية، والأمن العام، والسيولة النقدية والمحروقات، والتيار الكهربائي، والمياه، والأمن الغذائي، علاوة على ما رافق هذه الفوضى من غلاء فاحش لم يسلم منه حتى رغيف الخبز، وقنينة ماء الشرب.

وهكذا فقدت عاصمة ليبيا أهم ملامحها؛ حين خسرت رصيفها، وضرورة جدواه كمسرب آمن لمن يستخدمون أقدامهم في مشاويرهم اليومية؛ ولا سيما كبار السن، وتلامذة المدارس، والعاجزون عن تأمين سيارة خاصة، أو حتى القدرة على السياقة.

(7)

لهذا وذاك لن تكون الإشارات هي نفسها؛ فها هنا ثمة فرق شاسع بين مَنْ يحمل كتابا، ومَن يتنكّب بندقية؛ بين زي تلامذة المدارس، وثياب الكاكي. تماما كالفرق بين حامل الورد، وحامل الكفن؛ فحتى وإن قصد كلاهما المقبرة ذاتها؛ لكننا سوف لن نشعر بالإحساس نفسه. فبين الموسيقى وصوت الرصاص ستختلف مشاعر المارة، الذين قد يتخلون عن حصتهم من الرصيف، ويقتحمون المجال المخصص للسيارات، مما يجعلهم عرضة للأذى. هذا ما يُسمى في قانون الفوضى: (اختلاط الحابل بالنابل)، كحالة لمْ تعد حكرا على الحروب وحدها؛ مادامت السلطة الناعمةُ ستبدو أكثر خشونة وعنفا، لمّا تخضع هي الأخرى لمثلبة فقدان التكامل بين الهامش والمتن؛ وتُخْلط لغةُ الشعر بهتافات الخونة.

facebook sharing button

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

(طرابلس 1981)

(طرابلس 1981): مفتاح العماري يكتب: (طرابلس 1981) 

مع مطلع يناير العام 1981، كنتُ أحمل أكثر من قصيدة، في أثناء رحلتي الثانية إلى طرابلس كشاعر. إذ أتيح لي قبل ذلك بسبع سنوات اكتشاف بعض أسرار العاصمة، خلال إقامتي بإحدى معسكراتها بحيّ الفرناج. إذ ذاك كنت في طور التعلّم لأكثر من طريقة كمحاولة لفكّ شفرات المعلم: يوسف القويري. و«من مفكرة رجل لم يولد» أدركتُ ذلك الخفاء، الذي لا يطاله سوى من يحمل كتابا. وكانت تلك البوصلة (الكتاب)، أكثر من كافية لضخّ المزيد من الحماسة والشغف، سعيًا لكلّ مَا مِن شأنه إعانتي على محو جزء من أمّيتي، وبالأخص كتابة رسالة واحدة، دونما عثرات نحوية.

حتى ذلك الحين جبتُ أجزاء من ليبيا كانت مجهولة بالنسبة لي، وخضتُ معارك لا هوادة فيها. وأيضًا صغتُ أشعارًا وقصصًا وحكايات ومقالات، نُشر بعضُها في مجلة البيت الليبية، وبعضُها الآخر في مجلات كويتية. لهذا ستبدو لي العاصمة كما لو أنها مدينة أخرى. صحيح كانت الشوارع نفسها، والمعالم والميادين والمقاهي والمطاعم نفسها، والحدائق والأسواق ودور العرض نفسها؛ لكن ثمة مذاق أجمل بطعم الشعر.

ونكهات الخيال لحظة أن تكون القصيدة هي دليلك إلى أسرار الجمال وذاكرته. إذ ذاك كانت طرابلس مع كل خطوة تظهر كمدينة ترزح تحت ثقل ماضيها، وهذا ما يجعل حركتها بطيئة وغير قابلة للانفتاح على المعاصرة. ولعلها ستحتاج إلى وقت إضافي ريثما تُعنى بفضائها الثقافي؛ وترسّيخ بناه التحتية: مسارح ودور عرض ونشر ومطابع، وقاعات رسم وموسيقى، ومحافل ومنصات لخدمة الفن والإبداع.

في زيارتي تلك كانت الكاتبة والشاعرة فوزية شلابي أول شخصية ثقافية ألتقي بها، لأنها هي لا غيرها من فتح لي الباب، واستقبلتني بترحاب مرح، وأتاحت لي أكثر من فرصة للاقتراب من الصحافة الأدبية، واستعادة الثقة. حدث ذلك عندما تغلبتُ على خجلي، وغامرت بزيارة مقر صحيفة الجماهيرية. أتذكر: كان الوقت بعد ظهر ممطر. كنت قادما من مواقع تمركزات جيشنا في صحراء تشاد، وذلك بفضل قانون المصادفات العجيبة التي تآزرت جميعها في تهيئة أسباب رحلتي بطيران الشحن العسكري، من مدينة آتيا التشادية إلى الكفرة، ومن ثم إلى طرابلس.

كان داخلي يتلعثم، ولم يبق لدي سوى القليل من الكلمات التي ضاع نصفها حين ألفيتني وجهًا لوجه، إزاء كاتبة مشاكسة كنت أقرأ لها من بعيد، عبر مسافة ألف كيلومتر، خلف سياج معسكر الأبيار. وها نحن في لحظة مصافحة جاءت بفضل الشعر الذي ربّته الثكنات على اقتفاء الأثر، وتعاطف الحدس الطيب، ومشيئة أحلام الجندي، والشاعر الشاب، والتسكع في المطر، واليد التي فتحت الباب.

كذلك، مهدت لي تلك الزيارة الخاطفة التعرف إلى الشاعرة: فاطمة محمود، والرسام: محمد رضا، والأديب: رضوان أبوشويشة. وسأظلّ كشاعر، خلال علاقتي بالمشهد الثقافي أقف على مسافة منصفة، تفصل بين السياسي والشعري، كذلك بين الخاص والعام، لهذا ستظلّ علاقتي بأهل الأدب تحتفظ دائما بتلك الروح التي يمليها الإيمان بقداسة الكلمة، والاعتراف بكل ما هو أصيل وحقيقي.

وهكذا جلتُ في طرابلس كما يحلو لملك تائه؛ من قلعة السراي إلى أزقة المدينة القديمة، ومن باب البحر إلى باب الجديد، وصولا إلى باب الحرية وسوق المشير. واستمتعت بنكهة الحرايمي في مطعم شعبي، والقهوة المعطرة بالحبهان بمقهى الساعة. كانت طرابلس نظيفة بلا مرح، كما لو أنها خالية من السكان. فباستثناء وسط البلد بدت الحركة قليلة، ربما بسبب منع تجارة القطاع الخاص والاكتفاء بالأسواق المجمّعة. حيث لا أثر لدكاكين البقالة، ومحال الألبسة، مما جعل من معظم الشوارع الرئيسة شبه فارغة. فعقب مرحلة إلغاء خدمات القطاع الخاص باشرت مؤسسات الدولة المعنية بخدمات الاقتصاد والتجارة بتسيير مرافق التجارة العامة، واستيراد وتوزيع وعرض وبيع السلع.

وهي الفترة التي شهدت ظاهرة الأسواق المجمعة.

بالطبع تعثرت المدينة الكبيرة، ودخلت في طور من المتاه والارتباك الناتج عن اتخاذ مثل هكذا قرارات فجائية، نجم عنها إلغاء استيراد الكثير من السلع غير الأساسية حسب تصنيفات تلك المرحلة. حيث لا أثر للفواكه المستوردة، كالموز والتفاح والكمثرى ... إلخ.

كذلك قد انقرض أثر المكسرات بشتى فصائلها وأنواعها، والتي اختفت تمامًا من الأسواق الليبية. وجراء هذا الخبل غريب الأطوار؛ تكدست لدى مجتمعنا الليبي العديد من المشاكل والأزمات المفتعلة، لحظة أن تختفي فجأة من الأسواق وفي وقت واحد سلعٌ تموينيةٌ أساسيةٌ، مما دفع الناس إلى الوقوف في طوابير طويلة، أمام أبواب منشآت البيع العامة والأسواق المجمعة، من أجل الحصول على طبق بيض، أو كرتونة حليب، أو زيت، أو شاي؛ ناهيك عن أن السلع أخذت تتلاشى تناوبا..

فما إن يتوافر الحليب حتى يغيب الأرز، وحين يحضر الشاي ينقطع أثر السكر، وهكذا دواليك. حتى تفشت ظاهرة الطوابير التي وصفها أحدُ رموز اللجان الثورية (بالظاهرة الحضارية).

أجل، كنتُ في يناير 1981 أحمل أكثر من قصيدة. حيث كان لا بد من طرابلس، (المدينة العاصمة) التي ينصهر جمالها بألوان من الغموض والرهبة والخوف والتفاؤل. طرابلس التي وصفتها عالمة الفلك مابل تود، بأنها: «مدينة سحر، بيضاء كأحلام الجنة، مزركشة بحواشٍ من النخيل والزيتون، وذات جذور عميقة في ذكريات القرون».

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه

ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه: مفتاح العماري يكتب: ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه
_______________

قبل أربعين سنة ونيف، قرّبتنا طرابلس. كنتُ قادمًا من بلدة الأبيار، فيما جاء هو من مدينة الخمس. لنجتمع تحت سقف الكتابة بقاعة الإجدابي، ضمن المشاركين في الملتقى الأول للقصة القصيرة، الذي تنظمه رابطة الأدباء الليبيين. وذلك في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. قد لا أحتفظ الآن بشيء من قصته سوى تلك النبرة الحارة، وما تركته من إحساس اللحظة بأنها من سلالة أصيلة. مضى ذلك اللقاء دون أن نتجاذب من الحديث غير القليل من كلمات أمْلتها بروتوكولات المجاملة، ربّما بسبب الريبة، أو الخوف، أو الحذر.

ففي ذلك الحين كان الجوّ ملغومًا بكثير مِن التوجس. فلم تمضِ سوى بضعِ سنوات على اعتقال كتّاب الأسبوع الثقافي، كما أن مناورات الحرب الباردة ما تزال تعبّر عن ضغينتها بعجرفة معلنة، وقد ترجمتها في ذلك الملتقى هستيريا الانتقادات التي وُجهت للكتاب المشاركين؛ وبالأخص الشباب (على قلتهم)؛ سواء ما أثير من هرج داخل قاعة ابن الإجدابي، أو ما تداولته صحافة (الهتيفة) آنذاك، وبنبرة عدائية صاخبة تلوّح بشبهات التخوين. بينما أكثرها تسامحًا صرّح بسخرية: أن معظم قصص الملتقى لا علاقة لها بالأدب الجماهيري؛ وينبغي رميها في سلة المهملات.

وبالفعل كان الإهمال هو مصير كل إرث أدبي آثر أن يحتفظ باستقلاليته بعيدًا عن الجوقة المسعورة للهتيفة، قبل وبعد. ولهذا ظلّ (الجعكي) طوال حياته الوظيفية معلّم فصل، ثم موظفًا بقسم النشاط المدرسي.. حتى أُحيل إلى التقاعد. وقد عكست مسيرتُه ذلك العزوف عن الأضواء، ونواقل الصوت، وعدسات التصوير، وكلّ ما يمت بصلة لهذا الضرب من صخب الوسائط الإعلامية، بكافة أشكالها وهيئاتها ومؤسساتها. مفضلًا مزاولة الكتابة بقدر من الهدوء الصبور، الذي تكفله مكارمُ الظلّ، وحياةُ الهامش. متفانيًا بإخلاص لخدمة الكلمة النظيفة، في أكثر معاقلها جمالًا وبراءة. وكل ما فعله: أن حجز لنفسه مسافة آمنة، تقيه آفات التلوث الثقافي؛ وما يعجّ به مناخ الكتابة من فيروسات بشرية، تتلون حسبًا لتقلبات الطقس السياسي.

منذ ذلك الملتقى (الأول والأخير) للقصة القصيرة في ليبيا، لم ألقه مرة أخرى تحت أي سقف؛ إلا ما يجود به أحيانًا سقفُ القراءة؛ كلّما عثرتُ على كتاب له، أو قصة ضمن مقترحات أعداد مجلة «الفصول الأربعة» التي تصدرها رابطة الأدباء الليبيين. إلى أن فاجأني بريدي الإلكتروني بمخطوطة روايته اليتيمة، التي خصّني بها قبل نشرها. كان الحافزُ المشجّع على اتخاذ هكذا مبادرة صديقنا المشترك: الروائي والمترجم: مأمون الزايدي. حدث ذلك في منتصف سنة 2019م.

جاءت الرواية تحت عنوان مبدئي: «غبار وحياة أخرى»*؛ وقد انتهى من كتابتها فيما ليبيا حينذاك مشغولة بحربها ضد نفسها. حيث تنتشر مظاهرُ الخوف والظلام، و«صخب الموتى»**. ثم لا شيء بعدُ، سوى المزيد من الخوف والظلام، وصخب الموتى.

من أتيح له القرب من أدب (الجعكي) سيلاحظ دون مشقة خصائص جماليات السرد في إرثه (قصة ورواية)، وبالأخص إمكاناته في شعرنة عالمه المتخيل عبر تلك التوقيعات اللغوية التي تتسم بها بنية جملته السردية، مما يهب أسلوبه فرادة فنية تخصه وحده. فاللغة هي عامل الجذب في هكذا كتابة متفانية بإخلاص في تأكيد تحققها، حتى إنها حسبًا لتجلياتها تكاد تكون و(بامتياز) البطل الأول. مما يرسّخ مدى اشتغال كاتبها على مكامن الأبجدية؛ كما لو أنها وحدها لبُّ المعنى. هذا الضرب من الافتتان يذهب بالكاتب أحيانًا إلى حدّ الإفراط في التنقيب عن الشكل، بوصفه متن الكتاب، لا حمّال مغزى.

وحسب وقائع روايته المخطوطة، كانت العزلة هذه المرة تتمحور حول كائن (مسخ)، خرج من لدن لعنة ميتافيزيقية. وسيظهر للقارئ بداية من العتبة الأولى شديد الولع بالصعود إلى الجبل، سعيًا لما ينطوي عليه العلوّ من خفاء. حيث لا يسع القراءة سوى تمجيد آلة السرد والاعتراف بقدراتها في إيقاظ كل ما هو كامن، من حيوات، تتمثل في غربة الجسد والمكان واللغة، عندما تبرز أهم مظاهرها عنفًا وبشاعة عبر الكائن الذي ولد مسخًا. «لماذا يتحوّل حلمي إلى مسخ؟!!» تتساءل المرأة التي ولدته. حيث كل كلمة هنا (لا سيما المقاطع السبع الأولى)، تتعلق بتعميق عزلة مركّبة، متخمة بالكوابيس. بدت كلعنة يتوارثها الأسلاف في الصحراء قرنًا بعد آخر. فيما تأتي الرؤيا (كما تبدو) نشدانًا للخلاص الوحيد المتوخى، بالنسبة للكائن المسخ.

بالطبع سيختلف الشأن هنا عن مصير، «غريغور سامسا» مسخ (كافكا). وبالمثل فيما يتعلق بشبهته الذئبية التي لا تمت بأي صلة قربى لمخلوق (ديفيد معلوف) في روايته «حياة متخيلة». كذلك ما من شأن يجمع كائن الجعكي المشوّه، بسلالة المعتوه (بنجي)، في رواية «الصخب والعنف»، كما تخيله (وليم فوكنر). فقط، نحن إزاء كائن عزلة، صنعته صحراءُ ليبيا في أكثر أوصافها سرية ومهابة وجمالًا وغموضًا ووحشة. لعلّ المفارقة العجيبة هنا أن (مسخ الجعكي) سوف لن ينفك -وعلى مدى مائة وأربعين صفحة- عن استدراج عواطفنا؛ ولا سيما حين نصغي لحواره الداخلي مع نفسه.

كذلك سينتبه القارئ كيف تندرج (العزلة) من بين التيمات المتكررة؛ والتي تبرز بشكل واضح في قصته: «سرّ ما حدث للجدّ الكبير». الشيخ جامع الكتب من مخازن المهملات بمدارس المدينة، وذلك بعد أن تناهى لعلمه أن سياسة التعليم الأساسي، قد أقرّت إلغاء حصة (المكتبة) من جدول الدروس التعليمية. وظلّ هذا دأبه حتى فاضت شقته بشتى المصنفات، واكتظت إلى حدّ بدأت معه أجسادُ الكتب تتساقط عبر النوافذ إلى الشارع العام.. مما أثار حفيظة السكان، بين مَنْ رأى في نزول الكتب من السماء ضررًا فادحًا يهددُ رؤوسَ المارة؛ وبين من أخذه الفضول لرؤية شقة الشيخ التي لم تترك فيها الكتب للضيف مجالًا؛ وآخر أغراه الطمع، ظنًا منه أن مَن يحوز على مثل هكذا مكتبة ضخمة، لا بد مِن اكتنازه لثروة طائلة من المال.

وهكذا كان على الشيخ مكابدة عديد المنغصات التي أجبرته في آخر المطاف أن يلزم شقته ردحًا من الزمن، كمحبس طوعي، لا يبرحه ليل نهار؛ ذودًا عن مكتبته من عبث المتطفلين وأعداء القراءة. لعلّ هذه الغربة وشبيهاتها شكّلت الجزء العظيم من ألم الكاتب والأديب والمعلم: على الجعكي، عندما بدأ يقاسي الأمرين، جراء محنته الطويلة مع المرض، حتى وافاه الأجل في الحادي والعشرين من شهر أغسطس 2021م.

لكن بفضل تآزر اللغة، ووفاء المخيلة ولطفها، سيظل إرث (على الجعكي) حاضرًا بيننا؛ ما دام ثمة قراءة منصفة، وكتاب آمن، وشيء من الطمأنينة.

____________________

* عقب وفاته بأيام قليلة، تداولت بعض صحفنا المحلية بضعة أخبار، تفيد بقرب صدور رواية له، بعنوان «ابن الغبار». لكن حسب علمي ما من أثر بعدُ، يؤكد صحة ما نشر.

** عنوان أول مجموعة قصصية للكاتب الراحل: خليفة حسين مصطفى، صدرت سنة 1975م.