وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

مفتاح العماري بودكاست ليبي

 


(بودكاست) ليبي    بوابة الوسط

مفتاح. العماري الجمعة 16 يناير 2026, 08:32 مساء

مفتاح. العماري                                                                                                     


خيانة


تُشاطرُ الذئبَ فريستَه؛
لمْ يعد لنباحِها معنى،
كلابُ النجع.

هل أضحى نهب ثروات الوطن نشاطا عاما، تشغل أخباره حيزًا من منظومة الأعلام - المعنية بالشأن الليبي- فلا يمر يوم دون أن نكون على موعد مع وقائع جديدة للسرقة والنهب والاحتيال وتهريب العملات الأجنبية، والذهب، والوقود، والآثار، والنفط، والبشر، وغسل الأموال، والاستيلاء على أملاك الدولة، وما يتبع ذلك من تزوير وثائق وسندات... إلخ.

سيل هادر لجرائم متسلسلة أتت على الأخضر واليابس، لم يقتصر فعلها على أشخاص من فئة الكومبارس: كلصوص عاديين، ومهربين، وتجار مخدرات وسوق سوداء، وسماسرة «اعتمادات»، ومراقبين ماليين ومحاسبين بالمصارف والسفارات وكافة المؤسسات والهيئات والأجهزة الرسمية؛ بل تبوأ أدوارَ بطولتها شخصيات مرموقة من فصيلة الثوار الشرفاء، والنخب الأكثر وطنية وعفة ونزاهة «كما يُظن»: وزراء وسفراء وقناصل ومديرون، ورؤساء، وأمراء حرب، وشيوخ «بأربطة عنق»، ومن على شاكلتهم. ليمسي مسلسل العبث بالمال العام في ليبيا المنكوبة، نشاطًا وطنيًا عاما: «ينبغي أن يُمارس لا أن يُتفرج عليه».

صحيح، أنني لم أضف جديدًا، طالما بات جميع الليبيين «صغارا وكبارا» بفضل الوسائط الذكية، على دراية بهكذا آفات وجوائح يندى لها الجبين، بلغت حدّا من الاعتياد تضاءلت إزاءه علامات التعجّب والدهشة، وحتى الاستنكار. ولعلّ هذا التواطؤ ناجم عن استفحال واستشراء فيروسات الفساد وتحوّلها إلى ظاهرة، أو شبه ظاهرة اجتماعية، قد تُشخّص بوصفها جزءا من تركيبة الثقافة «الشعبوية»، استئناسا بما يذهب إليه المخيال الجمعي لتسويغ هكذا آفات عبر إحالتها إلى فضائل: «الشطارة، والفهلوة، والزقاطة، وتشغيل الدماغ»، وربما من زاوية نظر أخرى تأتي كاستجابة جينية لنزعة الغنيمة، والتي ليس من المستغرب تفاقم جموحها، بالنظر لتمركز المرموزات الناجمة عن هوس الاستهلاك: «ثقافة التسوق» وما يسفر عنها من أمراض «الفخفخة والعنظزة» والتباهي بالمقتنيات.

والتنافس على امتلاك كل ما هو نفيس ونادر وفاخر وفاجر في آن: قصور باذخة، أثاث، سيارات، جواهر، يخوت، أزياء، ساعات، خدم من سلالة محسّنة! ومزارع واستراحات بالريموت كنترول، وجوازات سفر حمراء، وخيول سباق، وبهائم أخرى من فصائل نادرة ومهجّنة؛ لا يقتصر اختيارها على ما هو أليف وداجن، لتندرج النمور والصقور والقردة ضمن قائمة مشتريات، يتكفل بجلبها من خارج البلاد، وكلاء من العيار الثقيل. وما خفي كان أعظم.

ولا عجب البتة إذا ما تمخّض مثل هذا التعفّن غريب الأطوار، «من جهة أخرى» عن حالة قصوى من التفسّخ الممنهج للقيم الوطنية، كضرب ماكر من سياسات الحرب الناعمة، يفرضها الغالبُ على المغلوب؛ وهو ما خضعت له بلدان الربيع الغامض «مختبرات الفوضى الخلاقة»، خلال نوبات اضطرابها المستعصية، حسبا لمخططات أملتها أجندات مريبة، غريبة المنشأ؛ لتهيئة المناخ «من بعد» لتوطين الفساد، وتكريس التوحّش، وأصناف شتى من خيانات محتملة؛ وهذا ما حدث.

بداهة، أن كل شيء يبدأ صغيرًا: بهيئة نقطة، أو نطفة، أو بذرة، كدورة اعتيادية للنمو والتكاثر. فمن شتلة ثم شجرة تبدأ رحلة الغابة، ومن طلقة واحدة تتأجج الحرب، ومن خانة الصفر تنطلق جميع سلالات الخيانة، «بما فيها خيانة الأوطان»، ليسفر تماديها عن أرقام فلكية، وأحجام من فصيلة الديناصورات. لا حدود لمآلها وآفاقها الضبابية « كما هو الحال عندنا»، حيث يختلط الحابل بالنابل.

ويتعذر التمييز بين الخير والشر، والإخلاص والعمالة، والشرف والعار، والطيب والخبيث؛ إلى الدرجة التي لن يستحي فيها الخونة من عري سوءاتهم، حين يتمادون «بكل صحة وجه» في غيهم وعارهم، «دونما رادع»، أو أي شعور بالخجل من فضائحهم التي أثقلت موازين مواقع التواصل الاجتماعي.

لكأن وظيفة السوشيال ميديا، لا تقتصر على نشر الحقيقة، ووفرة المعلومة، وتواصل الناس، واختزال المسافات بين ثقافات العالم فحسب؛ بل إن هدفها الأسمى: يتلخص في تخنيث المعني و«موت الإنسان»، لحظة أن يفتر إحساسنا بالخزي والفاجعة؛ إلى حدّ تغدو فيه «على سبيل المثال» مشاهد الإبادة الجماعية في غزة، لطول تكرارها مجرد صور مألوفة، ستفقد تأثيرها تدريجيا على تحريك ضمير العالم.

أعيد السؤال مرة أخرى «بكثير من المرارة والحزن»: هل ستقتصر جرائم نهب المال العام في ليبيا؛ على ثرواتنا، أم هي انتهاك مستمر يُمارس بحرفية ماكرة لتهديد قيمنا ووجداننا، وتشويه شخصيتنا وهويتنا وتاريخنا، وكل ما يتصل بمعتقداتنا ومثلنا العليا، ليخضع المواطن المستضعف «راقد الريح» رغما عنه، لآلة شيطانية تجعل منه محض خادم للوهم؛ وقد سلبت إرادته وأرزاقه، وحقوقه، ولغته، وأثاره، وذاكرته، وحتى أحلامه؛ فقط محض كائن «خردة»، يلهث ليل نهار، في طواف دائم من «صنف المتاهة، وصخرة سيزيف»، بين القوت والمحروقات، وأزمة السيولة، وطرح الأحمال، وارتفاع الأسعار، ودوامة الذل والمرض والجهل والفاقة والكذب والتضليل والزيف، والخوف من السلطة والقتلة واللصوص، وغدر الزمان، ومن نفسه أيضًا.

ملهاة سوداء يتمتع أبطالها بجشع أسطوريّ؛ بحيث لا يتورعون في نهاية مطافهم عن بيع الوطن بقضه وقضيضه. إذ ذاك لا مفر من عبث المصير، وقد تعطلت «سهوا أو عمدا» بوصلة مشروع دولة الدستور والمؤسسات، لصالح مراحل انتقالية، لخمسة عشر عاما من الخراب.

وما زال «الحبل ع الجرار». وسواء أكان الأمر بفعل نوايا حسنة لعقول حمقاء، أم بتدابير «نظرية المؤامرة» ففي كلا الحالتين: «خسرنا ليبيا»، خسرناها منذ لحظة الشؤم تلك، التي تواطأ فيها أُولو الأمر منّا، وتركوا سُدّة الحكم نهبًا لمشيئة الفوضى المصطنعة بدهاء؛ تمهيدًا لسطوة دولة المافيا، لا القانون. وحتى يأتي ذلك الحين الذي يستعيد فيه الليبيون سيادتهم، سيبقى باب الخيانة مشرعًا.

_________ 

https://alwasat.ly/news/opinions/505024?author=1

السبت، 17 يناير 2026

آليات الإبداع ووسائل الإقناع في قصيدة النثر عند مفتاح العماري: دراسة تحليلية


أ.خليفة عبد السالم أحمد شفتر 

 قسم اللغة العربية، كلية اآلداب، جامعة بني الوليد، ليبيا

 آليات الإبداع ووسائل الإقناع في قصيدة النثر عند مفتاح العماري: 

دراسة تحليلية 



رابط التحميل:

file:///C:/Users/HP/Downloads/002..pdf

السبت، 20 سبتمبر 2025

فقط أريدكِ حبيبتي

 مفتاح العماري

 

جورجيا أوكيف (امرأة نائمة)، 1916

_____________

أريدكِ حبيبتي وحسب.

أعطيك كل غنائمي من رحلة الشتاء والصيف،

ومن تجاربي أفسح لك الحيزَ الخالي من العثرات،

كمتسع رحيم لفراغكِ الطيب.

ومن المشي أهبكِ دون منة القمر بدرًا،

وكل حصتي من فضّة النهار،

وما اقتطعته من جداول أحلامي الغاليات.

أعني الوقت الأثير الذي سعدتُ بتهريبه خارج الثكنات،

أو هكذا ظننت.

حيث لن يعود خيالي الكلبِ الوفيّ الذي يكتفي بهز ذيله وحسب؛

لأنه سيتبعكِ من قصيدةٍ الى أخرى.

ولا ضير إن تعبتْ مخيلتي من شدّة الطواف.

أو تعبتُ أنا الآخر، من التظاهر بالصمت والعمى.

ففي كل دورةٍ للماء خليةٌ متطرفة.

وفي كل سلام كبير، جزءٌ عظيم من نفاية الحرب.

اذ يحدث أن نتشاجر بين حين وآخر؛ ونغضب كحبيبين لدودين؛

لكيلا تتربّى الضغينة دونما رحمة.

وهذا أمرٌ عادي جدًا في سير المحبين؛

سواء في البيت الأبيض أو قصر فرساي.

ولأنك، لأمر ما تفضلين تقشير استعارات العشاق الخشنة.

ستحرسك أسناني طوال الليل،

فيما أمسح الغبار عما تبقّى من كتب تحت قدميك.

وأعتني بقطتك كأنها طفلتنا المدللة، أجلب لها الحليب

والعابًا بهيئة فئران طازجة.

فقط، أريدك حبيبتي.

_ _ _  

11 نوفمبر 2024

 

 


فريدا كاهلو*

 


____________

 فريدا كاهلو، حشدٌ من النمور تركض خارج

غابات المايا 

زهرةُ توليب يحرسها سربٌ من النحل

كمنجة بأوتار إضافية تتأهب لاستقبال الربيع

تسلبكَ عيناها كل ما تملك من استعارات

لتبقى كما هي: فريدا كاهلو؛

مشيتها فرقةُ مارش.

مستعمرةٌ صغيرةٌ من العصافير في شجرة برتقال،

جزيرةٌ بجناحين.

ساعة رمل مستعارة من سلفادور دالي.

قافلة سيرك من الغجر بهيئة امرأة.

مشية رامبو في رحلة العودة المحزنة من الحبشة الى مرسيلبا.

فريدا التي بدافع الحب تمضي قُدمًا في عنفها؛

تبني العالمَ وتحطمه بالألوان.

صرخاتٌ مكتومة لطفلة تُغتصب في كنيسة.

أثرُ خريفٍ سكران تكنسه عاصفة.

جمالٌ مُحطم لعبوة ناسفة في ملهى ليلي.

 

تكتب لدييغو: " أريد أن أرسمك،

ولكن ليس هنالك من ألوان.

لأن الكثير منها موجودة في حيرتي."

هكذا هي:

مرّة تشبه حكاية السندريللا 

أو الدجاجة التي تبيض ذهبا. ومرة

قساوة العائلة المقسومة على أربعة فصول.

طريق مترنحة الى المجد بقدر كبير من الفوضى.

ميراث غامض لجسد أعرج تطارده غابة.

نظرة مشككة في براءة المستقبل،

كالتخلي عن الكلام، وحشد المزيد من الألم

لبناء عاصفة من العيون التي تستنكر.

 

حين تغضب

سيبدو النوم غبيًا كمشروع للهرب؛ غبيًا وخانعا؛

طالما يكفيها اللجوء إلى ما هو أكثر فعالية

من سكاكين المطبخ في البيت الأزرق.

لأن القوةَ أن تكون اعزلا،

كجرح لا يكف عن النزيف.

فكانت المعضلة التي حيّرت كبار المحاربين.

وحلقة الوصل بين بريتون وتروتسكي.

واللحظة شبيهة النابالم.

من فرط ما كانت احشاء الخيال تتمزق؛

ما من شيء ينمو في الداخل غير العُواء.

 

لحظة دخولها الى قاعة الأوبرا

كما لو أن اعجوبة تمشي في ازياء الفراشة.

تثير نباهة كارلوس فيونتس؛ فينتبه الى ضوضاء قلائدها واقراطها،

عوض الإصغاء لسحر الكونشيرتو

 

هذه هي العظمة التي ينتجها المرض، 

اعجوبة البسالة في القتال والألم والحب والعزلة.

عندما يتسنى لفراشة معطوبة تحطيم رجل بضخامة ثور.

أعنى دييغو ريفيرا، الذي علمها خلط الألوان الحارة.

كانت تحبه دونما سقف. حين تخاطبه كعاشقة:

" دييغو مرآة الليل.

عيناك سيوفٌ خضراء داخل لحمي."

وحين تختبر حبّها له؛ ستتمرغ كبهيمة بين رجل وآخر.

قد تتحوّل الى قبر ٍفي حديقة

وأكثر من عين ووجه ولدغات سامة

في عهدة قبيلة من الخواتم والقبعات.

 

وعندما تكتب يومياتها تدقُّ كل حرف باللون القرمزي.

فما اللغة سوى خادم مطيع لجلب المزيد من الحطب.

تبتكر لعبة الفرار الى الجسد،

حيث الأنثى والذكر وجهان لكلمة واحدة.

أو هي الشهوة تخلط بين الصدر والقفا.

تهمس لجاكلين بريتون:

" سأواصل الكتابة لك بعيوني."   

ولدييغو تقول:

" غيابُك يزهر مرتجفًا في ضجة الساعة."

_____   

مفتاح

* كتبت على هامش يوميات فريدا "نسخة منقحة"

طرابلس/ 9 ديسمبر 2021 

من قصائد: "حكايات تجعلنا نخجل"

 

الاثنين، 18 أغسطس 2025

تعليق على هامش :مأدبة لبكاء مرّ للشاعر جمعة الموفق*

 مفتاح العمّاري

 ____________________________________________

      هل يمكن أن يخرج من النثر قصيدة؟  هكذا تساءل، أنسي الحاج، في المقدمة البيان، لمجموعته الشعرية الأولى (لن). سؤال ما انفك يتكرَّر بصيغ شتى. سؤال تقليدي وبديهي في آنٍ، ومع ذلك ما زال يحثنا على إعادته، وإن بصيغ مختلفة لإيجاد توصيف أكثر دقة لهوية قصيدة النثر، ومحاولة الاقتراب من القبض على تعريف منصف يؤويها ويحيط بها، كذلك الكشف عن خصائصها؛ والتنقيب عن مرجعياتها؛ فيما إذا كانت تُولد من اللغة، من الألم، من الصورة، من الموسيقى، من الغربة، من الغضب والتمرد، من الذاكرة، أو من تأثير القراءة والتناص. وهل القصيدة نتاج البيت، أم الشارع؟؛ وعن مدى صلة قرابتها بالشعر.


   قصيدة جمعة عبد الله الموفق، (بصورةخاصة) تختزل كل هذه الأسئلة. مع ملاحظة أننا حين نقتفي المرجعيات المؤثرة في المادة الخام لهذا الصنف المتجدَّد من الكتابة؛ فإننا نسبر القصيدة ذاتها من داخلها، لا من الخارج؛ باعتبارها؛ (أي القصيدة) وحدة مستقلة بذاتها وكل ما يدخل في خامها سيشي بعملية هضم، وتدوير لها خصوصيتها.

    ضمن هذه التلميحات الممهدة اندرجت قراءتي هنا لديوان، الشاعر جمعة الموفق "مأدبة لبكاء مرّ" كتجربة جريئة في انحيازها لقصيدة النثر. ولفض الاشتباك الدائر حول هذا المصطلح وانتسابه لسلالة الشعر العربي، نجد أنفسنا أكثر ميلا إلى اعتبارها (أي قصيدة النثر) نوعا شعريًا مستقلًا، لا فرعا من شجرة. ولأنها تشكل في عمومها تحديًا يضرب في أكثر من اتجاه، تحديًا في رهانها المستميت على صنف من الكتابة أضحى نسيجه واهيًا في قماشة الثقافي والمجتمعي، وقد ضاق حيزها وتفسخت قيم زمنها وندر شغف محبيها، تحديًا للمحرم وانتهاكا للتابو بكل قوانينه ومقدساته، تحديًا للواقع عبر تعريته وفضحه ونكش مطاميره وكشف أسراره. أجل، قصيدة جمعة الموفق؛ تضرب في أكثر من اتجاه داخل مستوى تعبيري واحد، وبعبارة مقتصدة، تقشفت مفرداتها في استعمال أية مواد تجميل بلاغية، واكتفت بانزياحها الخشن، والتقاط المطروح في الطريق، تبعا لحاجة العابر.

 

      أشير بأنني لا أتكلّم هنا، بوصفي منظرًا؛ بل أتبع ذائقتي عبر سجيتي وحدها؛ محاولاً توصيف تلك الهزة العميقة التي أحدثتها قصيدة (الموفق) في وجداني. وكل ما أقوله لا يطمح أن يكون أكثر من ترجمة لما يمكن تسميته بتفعيل القراءة بوصفها حياة أخرى تجاور المقروء، وتنطلق تحديدًا من فضائه؛ لا لتأطيره؛ بل لإعادة خلقه، تبعا لما تسهم به عملية القراءة من احتمالات التلقي والتأويل.

     أشير أيضا: إلى أنني قرأتُ مقترحات هذه المجموعة الشعرية (قبل بضع سنوات)؛ وهي لما تزل مخطوطة معدّة للنشر، خصّني بها الشاعر (مشكورًا).

     في أثناء قراءتي، كنتُ بدوري اتساءل، من جهة؛ عن مرجعية اللغة، كذلك مرجعية فضاء القصيدة كخلفية ثقافية اجتماعية؛ وقد أدركتُ بأنني إزاء كتابة مضادة للسائد، كتبها شاعرٌ حقيقيّ، لتعبّر عن تجربة أصيلة، حيث الكتابة مشروع حياة، تنطلق من انهمام وجوديّ، وقلق يراكم أسئلته، ويعيد تشكيل المتخيل، بواسطة اللغة وحدها، باعتبارها سلاحه الوحيد في معركة الوجود. اللغة وقد تفطّنت للخديعة اللفظية التي ما تزال تُعلن عن نفسها لدى التجارب الممتثلة لرومانسية موهومة؛ سوّقها أنصار التافه والسخيف من الشعر الغنائي، (قديما وحديثا)، الذين حوّلوا لغة القصيدة إلى جُمل سائبة، وفضفاضة، تذهب غالبا إلى ما وراء الواقع. وهكذا سبّب التخلي عن المحسوس، وازدراء المستعمل، في إفقار لغة الشعر كمنظومة متكاملة تجمع بين الإيماء واللفظ والصورة، والشفوي والمكتوب. لأن اهمال هذه السيمياء تبعًا لخبراتها وتطورها، نتج عنه من ثم إغفال دورات تراكمها الشعبي، في مستوى لغته الشابة: لغة الشارع. هذا المأزق يُعدّ من أخطر المعوقات التي تعترض صيرورة التجاوز. وهو أيضًا مكمن الخلل في تخلف عملية الكتابة الإبداعية بشتى أجناسها، ولاسيما الشعر.  

      تستجيب اللغة هنا لمخيلة الشاعر، ولن يكون في وسع أكثر مفرداتها خشونة إلا أن تلبي مشيئة القصيدة، ولاسيما حين يتربص معجمها بمفردات الشارع، حيث تتحقق المعادلة الصعبة: ترويض القصيدة على ضرورة التسكع، كصنف من المعرفة لا يتحقق إلا بكسر صرامة اللغة نفسها، فضلا عن كسر إيقاع ارستقراطية ذاكرة الشعر، والتخلص من شبهة الغنائية، وأشياء عديدة عليها أن تتحول الى حطام؛ حتى لو كانت من سلالة المقدسات. 

    تبدأ القصيدة من خلال اكتشافها للغتها، أي المقاربة بين الكتابة والكلام؛ وهذا عمل بقدر بساطته النظرية، إلا أنه يحقق معادلة صعبة المنال، عندما يقفز على كلاسيكية اللغة وصلابتها؛ ليكتب بالطريقة نفسها التي يفكر بها.


     لعل الطيف الجديد من شعراء قصيدة النثر بمختلف أجيالهم انشغلوا بمقاربة الحي والمستعمل من اللغة، وانتخبوا لغة اليومي، على حساب البلاغي. لذا ستظهر آلية الانحياز للغة الشارع، كأول ملمح في قصائد هذه المجموعة الشعرية. فمن علي صدقي عبد القادر، إلى هناء قاباج؛ مرورا بفوزية شلابي، وسميرة البوزيدي وسراج الدين الورفلي، ومفتاح العلواني، ومحمد عبد الله – هنا ألمّح ( من زاوية نظر شخصية) إلى الإشارات الأكثر مراكمة وتشكلا ورسوخا ومثابرة وإضافة وتأثيرا- في قدرتها على إزاحة القصيدة، ليس في التنصل من العروض والأشكال العمودية للشعر التقليدي، أو موقفها المضاد من التشوهات التي طالت قصيدة النثر وحسب،  بل عبر دورها المعرفي في المقاربة بين الشعر والحياة، كواقع معاصر، وتحرَّرها من سلطة الأبوة وهيمنة السلف.

      أما فيما يتعلق بالفضاء؛ فذلك يتطلب وقفة أكثر تمعنًا وتدقيقًا وتمهلا، وبصورة خاصة إذا ما أدرجنا هذه التجربة ضمن تيار شعري ينحاز للهامش؛ فحينها سوف نفتقد لتلك العلاقة الحية اجتماعيا باعتبار الحانة ومعاقرة الخمر هامشًا له حيزه الثقافي الذي يشكل إطارًا اجتماعيا، وبالمثل ينسحب الكلام على النساء وتكريس ثيمة «الأيروتيك كلازمة» مهيمنة، من خلال توطين مفرداتها الخلاعية، بشكل يشي أحيانا بالإفراط المتعمّد.

      وهنا أومئ إلى أجواء المكان كبيئة اجتماعية، وعمارة وواقع يومي ضاج، وكيف تغامر لغة الشعر باختزالها وتحولها من ثم الى (قصيدة نثر). باعتبارها صور واقعية، ومخزون اجتماعي، يحتمل من ثم، هذا الجموح المضاد، مثلما هو شأن (سانتياغو) في قصائد: (نيكانور بارا ( ولوس انجليس، في قصائد (بوكوفسكي). مما يحفزنا هنا للبحث عن مدينة تخصنا، أي عن طرابلس أو بنغازي، وربما درنة وطبرق، أو الخمس والبيضاء ومصراته وسبها؛ لكأننا نحاول ايجاد مسوّغ لصدقية التجربة، بوصفها حياة معاشة تنطلق من واقع اجتماعي حيّ كمرجعية، لا تبرئتها من شبهة القراءة أو المشاهدة. كمحفزات للتناص مع تجارب الآخر. لكن، وبغض النظر عن خلو الحواضر الليبية من هذا الرصيف الذي يحتمل حانات ومراقص ومواخير وأماكن تضج بالعاطلين والمشردين فإننا سنتعاطف مع مخيلة الابداع الكتابي شعرا ونثرا كواقع افتراضي يهبها الحرية – ربما المطلقة – في استحضار ما يحتمل استحضاره من مفتقدات. بيد أن السؤال المخيب هو: أن (هكذا قصائد) سيكون غير مرحب بها في بيئة تقف دائما ضد المغامرة والتجريب. وفي الوقت ذاته، سيتعذر على أدواتها القرائية، الفصل بين الواقعين، المعاش والمتخيل.

     وبالرغم من ذلك فأن هذا الانحراف كفيل بأن يجعل القصيدة تتطابق قولا ومعنى، لحظة أن يتصالح الخيال مع نفسه، أي حين يكتشف لغته الضائعة، ويكتب لحظته كما هي، دونما ادعاء. 

     هذا هو الشعر: صادم، وعنيف، لا يسعه أن يمرّ بحياد طالما كل كلمة كفيلة بأن تلدغك؛ لتترك أثرًا لا يمحى، شعر اعترافي، سيروي، يومي يوثق البديهي والعابر؛ أحيانًا ينهمر كمنولوج، تتعدد في أنساقه الضمائر والصيغ والأصوات؛ فيما تظل كل قصيدة منكبّة على تدوير لحظتها بأكثر من طريقة. جمعة عبد الله الموفق، وهو يشارك في التأسيس والتأصيل لقصيدة  الشارع؛ يكسب بجدارة قدر اللعنة؛ لعنة الشعر، ويحكم على نفسه سلفا، أن يظل مطرودا خارج الجنة. ليبدو كمن يسعى لتكريس جحيمه، في زمن يتعذر التصالح مع قبحه. لكن وعلى الرغم من افتتانه بالصورة كلقطة عابرة، إلا أن الفضيلة هنا تكمن في عفوية أصالة جملته الشعرية بوصفها هبة تسكع، وغزوًا يتغلغل بعيدًا في معجم العامة، تاركًا عبارته الطازجة، تنهال بضربات حارة، وجريئة إلى أقصى حدّ. قصيدة النثر هنا تأتي كاستحقاق يستمد صدقه وطزاجته من أصالة التجربة، كوريث شرعي لثقافة الهامش. كما لو أن الشاعر قد عثر أخيرًا على ضالته عبر هذه العلاقة، التي تصل إلى اكتشاف أطرها معرفيا، كتمهيد لعودة الشعر إلى الشارع.


     من زاوية أخرى يمكننا ملاحظة كيف تتكرس الكوميديا السوداء في تجربة جمعة الموفق بصهر عديد الأرواح داخل مرجلها، أرواح ضالة لعلها أقرب الى تلك الفصيلة التي تنحدر في نسبها العربي من سلالة الماغوط، وعلى الضفاف الأخرى ستذكرنا ببكوفسكي، وفي الآن نفسه ستحيلنا الى الشعر المضاد في امريكا اللاتينية وتحديدًا تجربة شاعر الشيلي “نيكانور بارا “. ولعلها من خلال تداعياتها السيروية ستوميء في شكلها الاعترافي الى بوكوكسفكي، ودوريان لوكس، وآخرين، فتظهر كما لو أنها تدربت وبتمرس في نفس المشغل الشعري لجيل غاضب، غير أن توقها لتحقيق ملمحها الخاص بها، فضلا عن وعيها بما تفعله، يجعلها تنطلق واثقة من تأسيسها لنفسها، وتأثيث مشروعها، بوصفه مقدمة لتوطين قصيدة نثر تنحاز للهامش، ليس في بعده الاجتماعي بل بما تمثله اللغة التي صاغت قصائد الديوان كمسوغ أكثر خصوصية. هنا تتجلى تحديدا أصالة صوت الشاعر، ومدى قدرة جملته الشعرية على إيواء عالمها بانسيابية داخل مفردات غاية في البساطة. لعله الشاعر الأبرز في هذا الطيف الذي ظهر خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة. ففي الوقت الذي يتنصل فيه العالم من الشعر، بحيث وسم التردد والارتباك والخجل معظم تجارب هذا الجيل، ليقتحم جمعه عبد الله الموفق، المشهد الخامل بقوة وليخلخل هذه الظاهرة، منصفا الشعر والشاعر.

     قد لا يفي هذا التعليق السريع للإحاطة بأشكال ومضامين نصوص المجموعة الشعرية (مأدبة لبكاء مرّ)، التي يتعذر إنصافها كما ينبغي وبالمثل يظل من العبث الانشغال البتة باستحقاق تموقعها داخل مشهد شعري شبه معدوم، يتصف بالعشوائية وغياب الحراك، طالما يفتقر محليا إلى تجمّع أطيافه، وهشاشة فعاليلة المنابر والمحافل وحركة النشر والطباعة، ومظاهر الاحتفاء… الخ. لكن يكفي أن قصائد (مأدبة لبكاء مرّ)، قد صعدت بجرأة عالية لتعزَّز المزيد من الثقة. ليس في الرهان على قصيدة النثر وحسب؛ بل على فرادة الصوت الشعري في ليبيا، ومدى ما يملكه من مقومات حقيقية لإنجاز كتابة شعرية على قدر كبير من الأصالة والتميز والاقتدار.

*نشرت هذه القراءة قبل أربع سنوات في صحيفة فبراير الليبية، منقوصة مع تقديم فقرات على أخرى، علاوة على بعض الأخطاء الطباعية، لذا رأيت إعادة نشرها مع اجراء بعض التعديلات الطفيفة. مفتاح

رابط ص فبراير    https://febp.ly/%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%B4-%D9%85%D8%A3%D8%AF%D8%A8%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D8%B1%D9%91-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%AC/

السبت، 16 أغسطس 2025

في مديح الغائب . الى: عبد السلام العجيلي

 


 في مديح الغائب 

     لكم تبدو مؤلمة وحزينة اللحظة التي يفقد فيها الشعر أحد مريديه. مؤلمة وحزينة، وفي غاية العجز والضعف والتهدّم؛ حين تلفي نفسها إزاء هكذا حقيقة مخيبة، وغامضة لفناء القيمة؛ طالما لا يملك الشعر في آخر مطافه شيئًا، سوى بضع كلمات للنعي والتأبين. الكلمات المبتذلة نفسها، الغبية والبلهاء. حتمًا ستعوزه الحيلة لتسكين هكذا صنف من الوجع الميتافيزيقي الذي يتركه غياب الرائي. لأن موت شاعر من رهط "عبد السلام العجيلي" تحديدًا؛ ليس محض خسارة جسيمة وفادحة للجزء الأنقى والأكثر براءة من وجداننا وحسب. بل إشارة تحذير تنذر بموت الانسان. الذي تواطأ مع حمقه وبلاهته ووحشيته، لحظة تخليه عن آدميته، ليتحول من ثم الى بهيمة طائشة. فأي شعر أو شاعر سنبكي؟ ونحن من اعدمناه سلفًا، أعدمناه كمعنى، لمّا كان المعنى جميلا ومتاحًا، ثم جسدا، لمّا كان الجسد في أمسّ الحاجة للرحمة والتضامن.

     كان علينا الاعتراف والاحتفاء أولًا بحياة الشاعر عبد السلام العجيلي؛ لا موته.

    هل تساءل أحدكم يوما عن سيرة الغبن، ومعيشة القهر التي يكابدها عشاق الجمال ومريدو الشعر في بلد اسمه ليبيا؟ 

المفارقة الصعبة هنا، أعني في هكذا بيئة قاتلة للجمال، وطاردة لسدنة الوجدان، أن فاجعتنا أشدّ فداحة وتعقيدًا، لأننا كشعراء نعاني من عقاب النفي المتعدد، حسبا لقانون التفاهة، والجهل الجمعي المقدس. وذلك بدءًا من اللحظة الملعونة التي تخلت فيها العائلة الكبيرة عن أكثر مكتسباتها الروحية قيمة وقداسة؛ وقد آثرت طوعًا، الركض الى حدّ اللهاث (خلف الجسد لا الروح). فخسرت الظاهر والباطن، ولم تجن سوى تفاهة الرياء والزيف وعبادة المال وتقديس الطغاة.

      أجل، هذا ما يحدث عندما تتنكّر حياة الجماعة لأبلغ معانيها سموًا وعلوًا وطهارةً.   

      نسأل الله الرحمة لروح البهيّ، صديقنا الشاعر العفيف: عبد السلام العجيلي. "أنتم السابقون ونحن اللاحقون".