لا تطمح البلاغة الجديدة إلى تقديم رسائل ونماذج جمالية معيارية بل هي بلاغة تثير الأسئلة وتعول على توظيف أبعاد سيمائية وتداولية في خطابها. فقد تحولت الرسالة الجمالية إلى سؤال ولم يعد التأثير غاية السؤال كما هو الحال في خصوص الرسالة بل صار الالتفات وإعادة الاكتشاف جوهر وظيفة السؤال الذي اتخذ من تقنيات الإزاحة والإحالة والتغريب الدلالي رديفا للاشتغال بالصورة. لذلك يبقى الشعر بلا حدود فيضا من فيوض الجمال السابحة في فضاء اللغة ولأن اللغة كما يقول هيدجر هي بيت الوجود ستظل أشكال التعبير عن هذا الجمال الوجودي شرعة المغامرين الخالدة.
هذا النص المغامر كغيره من نصوص كثيرة للعماري يخلو من الجزالة ومن البلاغة التقليدية لكنه رغم لغته المتقشفة ينضح بجماليات الإزاحة والتجاور وشعرية الإحالة وهنا تتجلى أهمية المغامرة الجمالية وجِدّة خطابها. في هذه البلاد هناك قصيدة نثر قبل العماري وقصيدة نثر أخرى بعد العماري..
منذ أن دفنا أبي، وتركنا أخطاءه
تلعب حرّة خارج القبر،
منذ أن تدبرت أمنا زوجا آخر،
ولم نعد نراها إلا في المآتم،
منذ أن تخلت عّني الأبواب،
وتحوّل اسمي إلى خمسة أرقام هزيلة
وأمست الثكنات ملاذي غير الآمن،
منذ أن عثرت على جبران متروكاً بإهمال
على طاولة عامل بدالة في معسكر الكتيبة 23 مشاة
كان النبي مهانا،
شوّهت ملامحه أرقام وخربشات عابثة،
وبقع الشاي،
منذ ذلك الحين:
وأنا أكتب الشعر لجمهور مغرور،
يتجاهل الموسيقى،
ويفسح الطريق للجنرالات.
___________
مفتاح العماري



%D8%8C%201916.jpg)


