(بودكاست) ليبي بوابة الوسط
خيانة
تُشاطرُ الذئبَ فريستَه؛
لمْ يعد لنباحِها معنى،
كلابُ النجع.
هل أضحى نهب ثروات الوطن نشاطا عاما، تشغل أخباره حيزًا من منظومة الأعلام - المعنية بالشأن الليبي- فلا يمر يوم دون أن نكون على موعد مع وقائع جديدة للسرقة والنهب والاحتيال وتهريب العملات الأجنبية، والذهب، والوقود، والآثار، والنفط، والبشر، وغسل الأموال، والاستيلاء على أملاك الدولة، وما يتبع ذلك من تزوير وثائق وسندات... إلخ.
سيل هادر لجرائم متسلسلة أتت على الأخضر واليابس، لم يقتصر فعلها على أشخاص من فئة الكومبارس: كلصوص عاديين، ومهربين، وتجار مخدرات وسوق سوداء، وسماسرة «اعتمادات»، ومراقبين ماليين ومحاسبين بالمصارف والسفارات وكافة المؤسسات والهيئات والأجهزة الرسمية؛ بل تبوأ أدوارَ بطولتها شخصيات مرموقة من فصيلة الثوار الشرفاء، والنخب الأكثر وطنية وعفة ونزاهة «كما يُظن»: وزراء وسفراء وقناصل ومديرون، ورؤساء، وأمراء حرب، وشيوخ «بأربطة عنق»، ومن على شاكلتهم. ليمسي مسلسل العبث بالمال العام في ليبيا المنكوبة، نشاطًا وطنيًا عاما: «ينبغي أن يُمارس لا أن يُتفرج عليه».
صحيح، أنني لم أضف جديدًا، طالما بات جميع الليبيين «صغارا وكبارا» بفضل الوسائط الذكية، على دراية بهكذا آفات وجوائح يندى لها الجبين، بلغت حدّا من الاعتياد تضاءلت إزاءه علامات التعجّب والدهشة، وحتى الاستنكار. ولعلّ هذا التواطؤ ناجم عن استفحال واستشراء فيروسات الفساد وتحوّلها إلى ظاهرة، أو شبه ظاهرة اجتماعية، قد تُشخّص بوصفها جزءا من تركيبة الثقافة «الشعبوية»، استئناسا بما يذهب إليه المخيال الجمعي لتسويغ هكذا آفات عبر إحالتها إلى فضائل: «الشطارة، والفهلوة، والزقاطة، وتشغيل الدماغ»، وربما من زاوية نظر أخرى تأتي كاستجابة جينية لنزعة الغنيمة، والتي ليس من المستغرب تفاقم جموحها، بالنظر لتمركز المرموزات الناجمة عن هوس الاستهلاك: «ثقافة التسوق» وما يسفر عنها من أمراض «الفخفخة والعنظزة» والتباهي بالمقتنيات.
والتنافس على امتلاك كل ما هو نفيس ونادر وفاخر وفاجر في آن: قصور باذخة، أثاث، سيارات، جواهر، يخوت، أزياء، ساعات، خدم من سلالة محسّنة! ومزارع واستراحات بالريموت كنترول، وجوازات سفر حمراء، وخيول سباق، وبهائم أخرى من فصائل نادرة ومهجّنة؛ لا يقتصر اختيارها على ما هو أليف وداجن، لتندرج النمور والصقور والقردة ضمن قائمة مشتريات، يتكفل بجلبها من خارج البلاد، وكلاء من العيار الثقيل. وما خفي كان أعظم.
ولا عجب البتة إذا ما تمخّض مثل هذا التعفّن غريب الأطوار، «من جهة أخرى» عن حالة قصوى من التفسّخ الممنهج للقيم الوطنية، كضرب ماكر من سياسات الحرب الناعمة، يفرضها الغالبُ على المغلوب؛ وهو ما خضعت له بلدان الربيع الغامض «مختبرات الفوضى الخلاقة»، خلال نوبات اضطرابها المستعصية، حسبا لمخططات أملتها أجندات مريبة، غريبة المنشأ؛ لتهيئة المناخ «من بعد» لتوطين الفساد، وتكريس التوحّش، وأصناف شتى من خيانات محتملة؛ وهذا ما حدث.
بداهة، أن كل شيء يبدأ صغيرًا: بهيئة نقطة، أو نطفة، أو بذرة، كدورة اعتيادية للنمو والتكاثر. فمن شتلة ثم شجرة تبدأ رحلة الغابة، ومن طلقة واحدة تتأجج الحرب، ومن خانة الصفر تنطلق جميع سلالات الخيانة، «بما فيها خيانة الأوطان»، ليسفر تماديها عن أرقام فلكية، وأحجام من فصيلة الديناصورات. لا حدود لمآلها وآفاقها الضبابية « كما هو الحال عندنا»، حيث يختلط الحابل بالنابل.
ويتعذر التمييز بين الخير والشر، والإخلاص والعمالة، والشرف والعار، والطيب والخبيث؛ إلى الدرجة التي لن يستحي فيها الخونة من عري سوءاتهم، حين يتمادون «بكل صحة وجه» في غيهم وعارهم، «دونما رادع»، أو أي شعور بالخجل من فضائحهم التي أثقلت موازين مواقع التواصل الاجتماعي.
لكأن وظيفة السوشيال ميديا، لا تقتصر على نشر الحقيقة، ووفرة المعلومة، وتواصل الناس، واختزال المسافات بين ثقافات العالم فحسب؛ بل إن هدفها الأسمى: يتلخص في تخنيث المعني و«موت الإنسان»، لحظة أن يفتر إحساسنا بالخزي والفاجعة؛ إلى حدّ تغدو فيه «على سبيل المثال» مشاهد الإبادة الجماعية في غزة، لطول تكرارها مجرد صور مألوفة، ستفقد تأثيرها تدريجيا على تحريك ضمير العالم.
أعيد السؤال مرة أخرى «بكثير من المرارة والحزن»: هل ستقتصر جرائم نهب المال العام في ليبيا؛ على ثرواتنا، أم هي انتهاك مستمر يُمارس بحرفية ماكرة لتهديد قيمنا ووجداننا، وتشويه شخصيتنا وهويتنا وتاريخنا، وكل ما يتصل بمعتقداتنا ومثلنا العليا، ليخضع المواطن المستضعف «راقد الريح» رغما عنه، لآلة شيطانية تجعل منه محض خادم للوهم؛ وقد سلبت إرادته وأرزاقه، وحقوقه، ولغته، وأثاره، وذاكرته، وحتى أحلامه؛ فقط محض كائن «خردة»، يلهث ليل نهار، في طواف دائم من «صنف المتاهة، وصخرة سيزيف»، بين القوت والمحروقات، وأزمة السيولة، وطرح الأحمال، وارتفاع الأسعار، ودوامة الذل والمرض والجهل والفاقة والكذب والتضليل والزيف، والخوف من السلطة والقتلة واللصوص، وغدر الزمان، ومن نفسه أيضًا.
ملهاة سوداء يتمتع أبطالها بجشع أسطوريّ؛ بحيث لا يتورعون في نهاية مطافهم عن بيع الوطن بقضه وقضيضه. إذ ذاك لا مفر من عبث المصير، وقد تعطلت «سهوا أو عمدا» بوصلة مشروع دولة الدستور والمؤسسات، لصالح مراحل انتقالية، لخمسة عشر عاما من الخراب.
وما زال «الحبل ع الجرار». وسواء أكان الأمر بفعل نوايا حسنة لعقول حمقاء، أم بتدابير «نظرية المؤامرة» ففي كلا الحالتين: «خسرنا ليبيا»، خسرناها منذ لحظة الشؤم تلك، التي تواطأ فيها أُولو الأمر منّا، وتركوا سُدّة الحكم نهبًا لمشيئة الفوضى المصطنعة بدهاء؛ تمهيدًا لسطوة دولة المافيا، لا القانون. وحتى يأتي ذلك الحين الذي يستعيد فيه الليبيون سيادتهم، سيبقى باب الخيانة مشرعًا.
_________


%D8%8C%201916.jpg)



