المقدمة:
تنهض قصيدة (شجرة رمان) على بنيةٍ شعريةٍ لا تمنح دلالتها دفعةً واحدة، ولا تستقرُّ عند مرجعٍ يمكن الإمساك به منذ القراءة الأولى إنما تدفع المتلقي إلى ملاحقة شبكةٍ من العلامات المتوالدة إذ تتداخل الشجرة بالإنسان، والغصن بالجسد، والظل بالهوية، والعكاز بالذاكرة، والصورة بالرماد، واللغة بالانشطار.
إنَّ ما يميز هذا النص ليس كثافة صوره الشعرية فحسب إنما الطريقة التي تُنتج بها هذه الصور بعضها بعضاً؛ فالصورة لا تأتي بوصفها زينةً بلاغيةً مستقلة إنما تتحول إلى علامةٍ تستدعي علامةً أخرى بحيث يتعذر الوصول إلى مدلول نهائي مغلق.
من هنا تكتسب القصيدة قابليتها للقراءة السيميائية، لأن الأشياء فيها تتجاوز وجودها المادي لتصبح حواملَ لمعانٍ نفسية ووجودية ورمزية، كما تكتسب قابليتها للقراءة التفكيكية لأن الثنائيات التي يقيم عليها النص عالمه سرعان ما يبدأ بتقويضها من الداخل.
فالقرب لا يقود إلى المعرفة، والحماية لا تمنع الانكسار، والظل لا ينتسب إلى صاحبه، والصورة لا تحفظ صاحبها من الغياب، واللغة لا تجمع الذات وإنما تنقسم إلى (نصفين أو أكثر). وهكذا يبدو النص مشغولاً بسؤالٍ جوهري هو: كيف تستطيع الذات أن تبلغ أصلها إذا كان الأصل نفسه غائباً أو مراوغاً؟
من هذا المنظور، لا تبدو (شجرة الرمان) مجرد استعارة مركزية بل تتحول إلى نظامٍ علاماتي تتفرع منه بقية العلامات. فالشجرة تمنح الغصن، والغصن يتحول إلى جسد، والشجرة تتحول إلى عكاز، والعكاز يعيد الذات إلى مصدرها، والظل ينتسب إلى ذلك المصدر، ثم تنتهي الرحلة إلى لغةٍ منشطرة وذاتٍ تمشي وحيدة وبذلك تتشكل القصيدة في حركة دائرية ظاهرها النمو وباطنها الفقد.
سنحاول، في هذه القراءة، تفكيك آليات إنتاج المعنى في النص، ابتداءً من النصيص بوصفه عتبةً لغويةً وبنيوية، وصولاً إلى علاقات العلامات والثنائيات الضدية وانهيار المركز الدلالي للكشف عن البنية العميقة التي تجعل من القصيدة كتابةً عن الهوية والغياب واستحالة الوصول إلى الأصل:
أولاً: (شجرة رمان) عتبةً لسانيةً وبنيوية
يبدو النصيص في ظاهره تركيباً اسمياً بسيطاً:
شجرة رمان
لكن هذه البساطة الظاهرة تخفي تركيباً دلالياً شديد الكثافة.
لسانياً، يتكون النصيص من اسمين: /شجرة/ وهي اسم جنس يدل على كائن نباتي ذي أصل وجذور وفروع و/رمان/ وهو مضافٌ إليه يحدد نوع هذه الشجرة. ومن الناحية التركيبية نحن أمام مركب إضافي: شجرةُ رمان.
غير أن أهمية هذا التركيب لا تكمن في وظيفته النحوية وحدها إنما في العلاقة التي ينشئها بين العام والخاص، فـ(الشجرة).علامةٌ عامة بينما /الرمان/ يخصّصها ويمنحها هويتها، وبذلك ينتقل النصيص من الكل إلى النوع، ومن الكائن المجرد إلى كائنٍ محدد بخصائصه الرمزية.
وليس الرمان نفسه ثمرةً بسيطةً من الناحية الثقافية، فهو ثمرةٌ ذات قشرةٍ واحدة تخفي داخلها كثرةً من الحبات، ولذلك يمكن النظر إليه بوصفه علامةً على الوحدة التي تحتوي التعدد. وهذه الدلالة ستتجاوب لاحقاً مع قول الشاعر:
(وقد صارت لغتي نصفين
أو أكثر)
فالقصيدة التي تبدأ بشجرة واحدة تنتهي بلغة متعددة الأجزاء. وكأن النصيص يضع منذ البداية بذرةً بنيويةً ستتنامى داخل النص: وحدةٌ ظاهرية تخفي تعدداً داخلياً.
ومن الناحية البنيوية، تحتل (الشجرة) موقعاً مركزياً في بناء النص، إذ تتكرر مشتقاتها وتحضر وظائفها بنحو مباشر وغير مباشر: الغصن، النسغ، الحديقة، العكاز، الظل. وهكذا لا يبقى النصيص خارج النص بيد انه يتحول إلى مصفوفة توليدية تتفرع منها شبكة من العلامات.
اذن الشجرة ليست موضوعاً فحسب إنها البنية التي ينتظم عبرها النص.
ولعل المفارقة الأجمل أن الشجرة، في معناها الطبيعي، تقوم على الثبات والجذور، بينما الشخصية في القصيدة لا تعرف الثبات، إنها تمشي، وتسعى، وتنقطع ساقها، وتتخذ عكازاً، ثم تمضي وحيدة. بذلك ينشأ تضاد بين ثبات الشجرة وحركة الإنسان، لكن النص لا يترك هذا التضاد مستقراً، إذ يتحول الإنسان نفسه إلى امتداد للشجرة، ويصبح العكاز المصنوع من خشبها وسيلةً لاستمرار الحركة.
وهكذا يبدأ النصيص في تفكيك نفسه:
الشجرة ثابتة، لكنها تنتج الغصن
الغصن ينفصل لكنه يظل منتمياً إلى الشجرة
والإنسان ينفصل، لكنه يحمل أثر الشجرة
والظل يبتعد، لكنه يظل تابعاً للمصدر
إنها سلسلة من الحضور المؤجل إذ لا يوجد شيء مستقل تماماً عن أثر الآخر.
«كان شجرة» وانقلاب العلامة إلى هوية:
يفتتح النص بهذه الجملة
(كان شجرة)
وهذه الجملة القصيرة تمثل مفتاحاً بنيوياً بالغ الأهمية لأن الشاعر لا يقول: (كان كالشجرة) بل يلغي أداة التشبيه تماماً. وبذلك تنتقل العلاقة من التشبيه إلى الاستحالة: الإنسان ليس شبيهاً بالشجرة، وإنما يصبح شجرة.
إن حذف أداة التشبيه يختصر المسافة بين طرفي الصورة لكنه في الوقت نفسه يفتح مساحةً واسعة للتأويل. فمن هو هذا (الشجرة)؟ أب؟ سلطة؟ معلم؟ أصل؟ ذاكرة؟ حبيب؟ مرجع روحي؟
لا يقدم النص جواباً نهائياً، وهذه ليست ثغرة فيه بل جزء من استراتيجيته الدلالية.
فالشخصية التي (أهدتني غصناً) لا تمنح شيئاً مادياً وحسب، وإنما تمنح المتكلم امتداداً منها. والغصن، في هذا السياق، علامة على النسب والانتساب والاستمرار لكنه أيضاً علامة على الانفصال لأنه لا يصبح غصناً إلا بعد أن يكون جزءاً من جذع.
وهنا تبدأ واحدة من أهم حركات النص:
الأصل يمنح الفرع غير ان الفرع لا يستطيع أن يكون فرعاً إلا بانفصاله.
وهذا هو جوهر المأساة الرمزية في القصيدة.
الغصن والنسغ والجسد ــ من النبات إلى الإيروس:
يقول الشاعر:
(فسهرتُ حدَّ النسغ حتى تربّى
وصار في طور الشفق نهداً لأجمل أنثى)
هنا تنتقل العلامة النباتية إلى المجال الجسدي. فالنسغ الذي يجري في الشجرة يتحول إلى طاقة حياة ثم يتحول الغصن إلى (نهْد).
هذه ليست مجرد صورة حسية إنما عملية تحويل دلالي تنتقل فيها العلامة من النبات إلى الجسد، ومن الجسد إلى الرغبة، ومن الرغبة إلى الحياة.
والشفق بدوره منطقة زمنية انتقالية، ليس نهاراً خالصاً ولا ليلاً خالصاً، ولذلك ينسجم مع البنية العامة للقصيدة التي تقوم على المناطق الوسطى: بين القرب والبعد، بين الحضور والغياب، بين الأصل والأثر، بين الوحدة والتعدد.
كل شيء في النص يوجد في حالة بينية.
القرب الذي ينتج الغياب:
يقول:
(حين كان القرب عبادة
لم أعرفه وهو قريبي)
هذه من أكثر الثنائيات إحكاماً في النص لأنها تقلب العلاقة المتوقعة بين القرب والمعرفة.
عادةً ما يكون القرب طريقاً إلى المعرفة لكن القصيدة تجعل القرب سبباً في عدم المعرفة.
وهنا يبدأ التفكيك الحقيقي للثنائية:
القرب / البعد
فالقريب قد يكون أبعد من البعيد، والحاضر قد يكون أكثر غياباً من الغائب.
ثم تأتي عبارة:
(وهبني اسماً
وقال: اسعَ
فمشيت)
هنا يمنح الاسم الهوية، لكن الأمر بالسعي يفتح طريقاً لا نعرف نهايته. وهكذا يصبح الاسم بدايةً للبحث عن الذات لا نهايةً له.
الدرع والعكاز ــ تفكيك ثنائية الحماية والانكسار:
في المقطع:
(حين أعطاني درعاً
بُترت ساقي في الحرب)
يقيم النص علاقة تناقضية بين الدرع والبتر.
فالدرع علامة حماية لكن النتيجة إصابة. ومن هنا تنقلب وظيفة العلامة: ما كان يفترض أن يحمي يصبح جزءاً من منظومة العجز.
ثم تأتي المفارقة الأكثر عمقاً:
(فأضحى عكازي من شجر حديقته)
إن الشجرة التي كانت في البداية رمزاً للأصل والمنح، تتحول الآن إلى أداة يستعين بها المتكلم على السير بعد إصابته.
وهنا تتكرر الدورة:
الشجرة → الغصن → الجسد → الانكسار → العكاز → الشجرة
وكأن النص يعود دائماً إلى نقطة البداية، لكنه يعود إليها وقد تغيّر معناها.
وهذه من أهم خصائص البناء في القصيدة: التكرار ليس تكراراً للمشهد لكنه إعادة إنتاج للعلامة في سياق جديد.
الظل والهوية ــ من يملك صورة من؟
يقول:
[ ] (وظلي ينتسب إليه)
هذه العبارة تقلب مفهوم الملكية والهوية رأساً على عقب.
فالظل، وفق المنطق الطبيعي، تابع لصاحبه لكن النص يجعله تابعاً للآخر.
وهكذا تفقد الذات حتى ظلها.
إذا كان الظل هو العلامة الأكثر التصاقاً بالجسد، فإن انتسابه إلى الآخر يعني أن الذات لم تعد تملك حتى أثرها.
من هنا يمكن قراءة القصيدة كلها بوصفها رحلةً في سؤال الهوية:
من أنا إذا كانت أشيائي تنتمي إلى غيري؟
حواء والجمرة ــ استدعاء الأسطورة وتفكيكها:
يقول:
(كما لو أن حواء دست جمراً في عشّه)
ان استدعاء حواء يفتح النص على الذاكرة الثقافية والدينية والأسطورية غير انه لا يستعيد الحكاية الأصلية بنحو مباشر ، وإنما يعيد تركيبها.
فحواء لا تقدم بوصفها شخصيةً مكتملة وإنما بوصفها علامةً على الإغواء والافتتان والانقلاب.
أما (الجمرة) فتقيم علاقة تناقضية مع (العش):
العش = مأوى
الجمرة = احتراق
وبذلك يصبح المأوى نفسه قابلاً لأن يتحول إلى مصدر للخطر.
وهذه التقنية تتكرر في النص:
الحماية تتحول إلى إصابة
القرب يتحول إلى غياب
العطاء يتحول إلى انكسار
الصورة تتحول إلى رماد
اللغة تتحول إلى انقسام
وهذه ليست مصادفاتٍ بل بنية عميقة تحكم النص بأكمله.
الصورة والرماد ــ موت المرجع:
تبلغ القصيدة ذروةً دلاليةً في:
(حتى أمست صورته رماداً)
الصورة عادةً وسيلة لحفظ الغائب لكنها هنا لا تحفظه بل تصبح رماداً.
وهنا تتعرض فكرة التمثيل نفسها للانهيار: لم تعد الصورة قادرة على استعادة الأصل.
ولا يبقى للمتكلم سوى:
(أثر الكلمات)
وهذه العبارة يمكن ان نعدها مركزاً تفكيكياً للنص كله لأن النص لا يمنحنا الأصل إنما يمنحنا أثره.
وهذا الأثر هو الذي يظل قابلاً للقراءة.
انشطار اللغة وانشطار الذات:
يقول:
(وقد صارت لغتي نصفين
أو أكثر)
هنا لا يعود الانقسام موضوعاً من موضوعات القصيدة إنما يصبح طريقة في بناء اللغة نفسها.
فالذات منقسمة، واللغة التي تحاول التعبير عنها منقسمة أيضاً.
لكن الشاعر لا يكتفي بقول (نصفين) لكنه يضيف:
(أو أكثر)
وبهذه الزيادة الصغيرة ينسف الثنائية التي أقامها قبل لحظات.
ليست الذات اثنين فقط.
وليست اللغة اثنين فقط.
إنها تشظٍّ مفتوح.
وهنا تلتقي البنية الدلالية بالبنية الشكلية: فالنص نفسه يقوم على جمل قصيرة، وقفزات مشهدية، وانتقالات مفاجئة بين النبات والجسد والحرب والأسطورة واللغة. أي أن تشظي التجربة ينعكس في تشظي البناء.
الخاتمة التي لا تختم:
تأتي النهاية بهذا الزخ
(روحان في جسد
الريح تشير
والقارئ يتعب)
الجملة الأولى تلخص أزمة الهوية: تعدد داخلي داخل وحدة جسدية.
أما (الريح) فهي علامة شديدة المراوغة لأنها تشير إلى الاتجاه دون أن تكون هي الاتجاه، وتتحرك دون أن تستقر.
ثم تأتي الجملة الأخيرة:
(والقارئ يتعب)
وهي ليست مجرد خاتمة ساخرة أو اعتراف بصعوبة النص إنما يمكن قراءتها بوصفها إدخالاً للمتلقي في بنية القصيدة.
فكما أن المتكلم يسعى ولا يصل، فإن المتلقي يؤول ولا يحسم.
وكما أن الذات تبحث عن الأصل، فإن المتلقي يبحث عن المعنى.
وكما أن المعنى يبتعد كلما اقتربنا منه، يظل المتلقي في حركة تأويلية لا تنتهي.
من هنا يصبح تعب المتلقي جزءاً من دلالة النص لا نتيجةً عرضيةً له.
الخاتمة:
تتأسس قصيدة (شجرة رمان) على حركة دلالية تبدأ من الشجرة وتنتهي باللغة لكنها في الحقيقة لا تسير في خط مستقيم، إنها تتحرك في دوائر من الانتماء والانفصال، والحضور والغياب، والهوية والتشظي.
فالشجرة أصل، والغصن فرع، والفرع يتحول إلى جسد، والجسد ينكسر، والشجرة تتحول إلى عكاز، والعكاز يصبح وسيلةً لمواصلة البحث، والظل يفقد استقلاله، والصورة تتحول إلى رماد، والكلمات لا تستعيد الغائب وإنما تحفظ أثره، ثم تنقسم اللغة نفسها.
وبذلك فإن القصيدة لا تبحث عن الأصل الموجود خلف العلامة بقدر ما تكشف استحالة الوصول إليه، فكل علامة في النص تحيل إلى علامة أخرى، وكل حضور يخفي غياباً، وكل اقتراب يعيد إنتاج المسافة.
من هنا فإن (شجرة رمان) يمكن قراءتها بوصفها قصيدةً في الانتساب الملتبس: انتساب الإنسان إلى أصله، وانتساب الظل إلى صاحبه، وانتساب اللغة إلى تجربتها، وانتساب الصورة إلى غائبها. غير أن هذه الانتسابات لا تفضي إلى امتلاك الهوية بل إلى اكتشاف هشاشتها.
ولعل العبارة الأخيرة (وأنا كالعادة وحدي أمشي) تختزل الرحلة كلها، فالمتكلم، بعد أن مرَّ بالشجرة والغصن والنسغ والجسد والحرب والعكاز والظل وحواء والرماد واللغة لا يصل إلى الآخر، ولا يعود إلى الأصل، وإنما يواصل المشي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في النص:
لقد بدأ بالشجرة التي توحي بالجذور، وانتهى بإنسانٍ يمشي بلا جذور.
وهذه المفارقة هي التي تمنح القصيدة عمقها الوجودي، إذ يصبح المشي بديلاً عن الوصول، والأثر بديلاً عن الحضور، واللغة بديلاً عن الأصل.
لذلك لا تكون (شجرة رمان) قصيدةً عن شجرة إنما قصيدة عن الإنسان حين يكتشف أن ما كان يظنه أصلاً لم يكن سوى أثرٍ آخر، وأن الطريق إلى ذاته يمر دائماً عبر غياب الآخر.