وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الجمعة، 13 مارس 2026

مفتاح العماري - الكاتب والناس - بوابة الوسط

مفتاح العماري 

الكاتب والناس 




«يا أبي قد صرتُ أفهمْ
روعة الحرف الذي يصنع للإنسان سلّمْ»
علي الرقيعي

لا ريب أن الكاتب المشغول بهموم الواقع المعيشي والسياسي لعموم الناس، أي الجماعة التي ينتسب إليها كشريك حقيقي في المواطنة والسيادة، مطالبٌ بأن يقول كلمته المعبرة عن مبادئه ومواقفه، وإسهامه في تحفيز قارئه على استخدام عقله وإنتاج أسئلته؛ سعياً لالتماس الحق، وتمهيد الطريق لتغليب الجمال (أي الخير)، وإرساء العدل والتكافل الاجتماعي، وصولاً إلى قدر من الطمأنينة التي تجعل الإنسان إنساناً.

ولا ريب أيضاً، أن كل ما تقدّم سيظل محض إنشاء لفظي لمفاهيم ومقولات مبتذلة، و«ضحكاً على الذقون»، ما لم يكن الكاتب صادقاً في إيمانه بالكلمة؛ بوصفها رافداً أخلاقياً يدعم بنية خطابه بكل خصائصها الفكرية والأدبية، حتى يحوز على ثقة الناس؛ كونهم الطرف الرئيس والمستهدف في عملية كهذه، لا يكتمل نصابها إلا بتحقق حالة التشابك النسيجي بين الكاتب والخطاب والمتلقي.

لهذا وذاك، سيبقى هذا الكلام ضرباً من الثرثرة ما لم نقترب في الوقت نفسه من توصيف الطرف المستهدف بتوجيه الخطاب، أي الناس (القراء)، الذين يعدون بمثابة المقيم والداعم للكاتب وخطابه. لكن في المطلق ليس كل الناس معنيين بالتلقي؛ طالما أن من يجيد القراءة منهم قد لا يكترث -بحكم التنشئة- قليلاً أو كثيراً بما يُكتب، فثمة من يكتفي بما تقدمه الوسائط السمعية والبصرية دون غيرها. وإذا حصرنا الأمر في القارئ المهتم وحده، سيتعين علينا بالمثل الأخذ في الاعتبار احترام وتفهّم مستويات الشغف، ومناطق الجذب والتنوع والاختلاف؛ فما يستأثر بانشغال فئة من القراء، قد لا ينسجم مع ميول ورغبات فئة أخرى. ولعل تفاصيل كهذه ستقودنا لاحقاً إلى توصيف مجالات الخطاب وأجناسه الكتابية، وكذلك النظر إلى العوامل الاجتماعية في تشكيل أنماط السلوك وتوجيه بوصلة القراءة، تبعاً لتأثيرات عوامل تربوية واجتماعية ودينية واقتصادية. وبذا، فالسؤال الملحّ الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تتوفر بيئتنا المحلية تحديداً على شروط قرائية فاعلة يمكن الاستئناس بها كمسوغ لاستمرار الكتابة، وتأكيد جدواها وضرورتها الثقافية؟

أظن أن واقع الحال في ليبيا سيكون مخيباً لطموح الكتابة، ليس بصدد انحسار ظاهرة القراءة فحسب، بل لما يُرتكب من جرائم (في غياب دولة القانون) لحظة تواطؤ السلطات الحاكمة نفسها بكل أجهزتها ومرافقها، وهو الأمر الذي يعد أكثر فداحة عندما نقف على ما تتعرض له «سلالة المخيلة» من «إبادة جماعية»، تستهدف معظم أجناس المعارف الإنسانية الجميلة، من أدب ورسم وموسيقى ومسرح وسينما. وصل الأمر إلى حد تهيئة حيز من الفضاء العام (الشعبوي) لازدراء العديد من أشكال الفن باعتبارها من قائمة المحرمات، أو المكروهات التي تتنافى مع ديننا الإسلامي. ولعل افتقار جدول مواد الدراسة بالتعليم الأساسي لحصص الموسيقى وغيرها من مواد التربية الفنية، يعزز شبهات كهذه؛ وكأن وزارة التعليم هي الراعي الرسمي لتفقير الوجدان الجمعي، حين تتورط في ارتكاب مثالب فادحة ضد الناشئة بحرمانهم عمداً من محرضات التربية المثلى لمواهبهم ومهاراتهم الفنية والأدبية. وسبق لي شخصياً في مناسبة عامة خلال سنة 2023، أن كاشفت وزير التعليم بـ«حكومة الوحدة الوطنية»، بضرورة استدراك ومعالجة هذا الخلل في العملية التعليمية.

ولمزيد من التدليل، سيبدو الأمر محيراً ونحن في منتصف العقد الثالث من عتبات الألفية الثالثة، وغير مفهوم البتة، عندما نشير إلى خلو عاصمة كبرى لبلد نفطي، مثل طرابلس، من قاعة مسرح واحدة، أو صالة سينما مفتوحة لاستقبال الجمهور، علاوة على غياب أي مطبوعة ثقافية تُعنى بحياة الفنون والآداب. وقد أصيبت الحياة الثقافية بشبه شلل كامل، عطّل صناعة الكتاب وتوزيعه وإقامة معارضه بصورة منتظمة، وأهمل مقترحات إرساء تقاليد قارة لأي احتفاء وطني بهيئة جوائز تشجيعية وتقديرية تنصف نشاط الإبداع بشتى مجالاته. ناهيك عن مظاهر التخلي العمد عن كل ما يتعلق بثقافة الطفل، حيث لا شيء من شأنه تحفيزه على إبرام صداقات حميدة مع الكتب والألوان والموسيقى، وكائنات البيئة من نبات وطير ودواب، حتى حديقة الحيوان الوحيدة بالعاصمة استولت عليها جماعات مسلحة، وحولت جزءاً من فضائها إلى مقر أمني وغرف اعتقال. فإذا كان هذا مآل العاصمة، فكيف هو الحال في مدننا الأخرى، ولا سيما «مناطق الظل»؟

في خضم فوضاهم، خسر الليبيون جزءاً عظيماً من ثرواتهم وسيادتهم، وقد سهوا -أو هم تغافلوا- إزاء التفريط في وجدانهم، ممثلاً في تعطيل «لغة الروح» كسيمياء لملامح شخصيتهم وكيانهم. ولعلهم سيندمون يوماً ما إذا ما حققوا سيادتهم، حيث لا مفر من خوض معركة عسيرة لاسترداد بعض المسلوب من ثروتهم المادية، وإعادة بناء ما تهدم من بنيانهم؛ لكن الأكثر قسوة آنذاك (وهذا ما يؤلم) سيكون استحالة تعويض الفاقد من وجدانهم، طالما ليس في الإمكان استعادة اللحظة نفسها.

وخلاصة القول إن الأزمة برمتها ليست ناجمة فقط عن ظاهرة انحسار القراءة كنشاط اجتماعي، بل عن جملة من الأعراض المرضية المزمنة: اجتماعية وثقافية وتاريخية. يلزمنا كمجتمع ضرورة إدراجها ضمن الأولويات التي ينبغي معالجتها عبر سياسات استراتيجية، ومخططات وبرامج عمل تُعنى بالشأن الثقافي وبناه التحتية، كمشروع حقيقي لترميم الذات أولاً، لعلنا بذلك نفلح في تجسير علاقة فاعلة بين الكاتب والناس.

________   

للأطلاع انقر الرابط :

https://alwasat.ly/authors/%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A