وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الوسط. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الوسط. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 13 مارس 2026

مفتاح العماري - برلمان راقد الريح _ بوابة الوسط

مفناح العماري  


برلمان راقد الريح


    في العشر الأواخر من الشهر الكريم، نذكّر برلمان ليبيا ومجلس الدولة وحكومتي شرق البلاد وغربها، وكل مُلّاك النفوذ والثروة والسلاح، بأن الإحسان يُعدّ من أهم الأبجديات الآدمية، والروافد التي تكفل التماسك داخل الجماعة، عبر فعل الجميل والخير كالتضامن والأمن والسلام.

    ولا سيما في أثناء هذا المختنق المعيشي الذي يكابد ويلاته فقراء الوطن. إذ في الإمكان، عبر مبادرة بسيطة، إيقاظ أرواحنا الطيبة، وتعزيز قدر من التفاؤل والثقة داخل بيئة أنهكتها الفوضى، وطحنتها الحروب، ومزّقتها الفتن، وتربّص بخيراتها اللصوص وشذّاذ الآفاق.

لا شك أن الدعوة إلى تعميق فعل الإحسان في مثل هذا الظرف المخيف تُعدّ ملحّة، حينما يتعلق الشأن ببلاد معطاءة اسمها ليبيا؛ بذرت فينا حب الخير، كصلة الرحم، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، والرأفة بالعاجز والمعدم وعابر السبيل، والرفق بالحيوان. مما يلزمنا أن نكون أوفياء لقيمنا النبيلة التي توارثناها جيلًا بعد جيل؛ لا أن نستسلم أمام أوبئة الجشع والنهب والتغوّل.

ثمة في التاريخ شعوب كثيرة مرّت بمحن عصيبة، ومكابدات أكثر ضراوة وعنفًا، لكنها بفضل ثوابتها الأصيلة وحكمة زعمائها أنقذت نفسها من الضياع، ولنا في جنوب أفريقيا، بزعامة نيلسون مانديلا، مثال يُحتذى. مما يحمّسنا لتوجيه دعوة ملحّة إلى قدوة مجتمعنا الليبي، من زعماء ونواب ورجال أعمال ووزراء وسفراء، وكل أعيان وأثرياء الوطن، لتقديم العون للمعوزين من أبناء شعبهم.

ونناشد أولًا أعضاء مجلس نوابنا الأفاضل أن يأخذوا زمام المبادرة، والتبرع بربع رواتبهم لمدة سنة واحدة لصالح الفئات المعدمة، كالنازحين والمهجّرين، وأسر الشهداء، ومرضى السرطان، والمعاقين بدنيًا، وأصحاب المعاشات الضمانية.

فالمسألة برمّتها لا تتعلق فقط بإنقاذ أرواح وجبر خواطر، أو تضميد جراح، أو ترميم وطن؛ بقدر ما ترتبط بإنقاذ قيم أخلاقية ذات صلة وثيقة بنشر مآثر الرحمة وفعل الخير والمحبة بين الناس، انطلاقًا من المثل السامية لديننا السمح، وأعرافنا وتقاليدنا كمجتمع إسلامي خيّر. فعندما تشتد الأزمات تبقى القيم وحدها ما نحتاج إليه للحفاظ على كيان أمتنا.

صحيح أننا خلال سنوات الجمر فقدنا الثروة الأعزّ: عشرات الآلاف من شبّان بعمر الورد. شهداء هناك، وشهداء هنا. ناهيك عن خراب العمران، وهدر الكثير من الثروات دونما جدوى. لكننا، وبقليل من الحكمة، يمكننا إذا شئنا معالجة أزماتنا. فقط علينا إيقاظ ضمائرنا، وتحريك ما تبقى من آدميتنا، تعزيزًا لقيم التآزر والتكافل المجتمعي. ولتكن الخطوة الأولى من أناس اؤتمنوا على تسيير مؤسسات الدولة وخدمة الوطن والمواطن.

وإننا حين نعوّل على مثل هكذا مناشدة وطنية، فإنما نسعى إلى استعادة الثقة من جهة، وتعزيز روح التضامن بين الناس من جهة أخرى. وذلك لما لهذه المفردات من مكرمات وفضائل معنوية، ستجعل الناس يشعرون بأن من انتخبوهم هم بشر مثلهم، يحسّون بأوجاع فاقتهم، وآلام جوعهم، وخيبة أملهم، ومعاناة انسحاقهم اليومي.

ولكم تمنيت طوال هذه الأعوام التي كابد خلالها المواطن الليبي عديد الأزمات، من انقطاع الكهرباء والمياه، وشحّ الخبز والمحروقات، وأزمة السيولة، وارتفاع أسعار المؤن؛ أن ترصد لنا عدسات المصورين مسؤولًا واحدًا يقف، مثل مواطنيه، في طوابير الخبز والغاز والبنزين والزيت، أو ينتظر دوره أمام واجهات المصارف.

حتمًا سيكون المشهد مثاليًا وعادلًا ومنصفًا، بل في غاية الوطنية والتواضع، حين يشعر المواطن «راقد الريح» أن المسؤول ليس مشغولًا عنه (كما يُشاع) بالتنزه في شرم الشيخ، وفنادق القاهرة وتونس، و«مولات» إسطنبول ودبي والدوحة، وأن جلّ همه لا ينحصر في مصالح خاصة وضيقة تعبّر عن نزعة أنانية، هي أقرب إلى الخيانة حين يكون أفراد الشعب في أشد أزماتهم المعيشية ضنكًا واختناقًا، بينما هو يسعى لنهب المال العام، أو تمكين أفراد عائلته وقبيلته من العمل في الملاحق الدبلوماسية وبعثات الدراسة والعلاج بالخارج.

وكم سيكون جميلًا هذا الإيثار، وما سيعكسه لدى عامة الناس؛ لأنه سيسهم دون ريب في خلق قدر كبير من تأثيث الوجدان الليبي، لحظة أن يشاطر عضو البرلمان المستضعفين من أبناء الوطن معاناتهم اليومية، ويشعرهم بأنه على تماس يومي مع شكاتهم وضيقهم وبؤسهم. فأن تكون، يا سيادة البرلماني المبجل، حاضرًا لمواساة من انتخبوك ومؤازرتهم في فقدهم ومرضهم وعوزهم؛ هذا يعني أنك قد برهنت حقًا على ولائك للوطن.

واقتداءً بهذا الإيثار يمكننا إرساء ثقافة التسامح بين الناس، وتمهيد السبل لإيجاد حلول لمعظم خلافاتنا وخصوماتنا السياسية، عندما يصبح تأسيس الحوار والتفاوض والتصالح أقل صعوبة.

ولعلنا بذلك نتيح فرصة ذهبية أمام المسؤول الليبي الذي، بالرغم من تعاقب أكثر من حكومة انتقالية ومؤقتة وفاشلة وقاصرة ومرتهنة وتائهة، لم يبرهن حتى على إبداء الحد الأدنى من الوفاء لشعبه. والشأن نفسه ينسحب على معظم الأثرياء من أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال الذين ضربوا بالقيم الوطنية عرض الحائط.

أعني القيم بوصفها العنصر الأهم في مكون الشخصية الوطنية بشقيها الفردي والجمعي. والمعنى بداهةً ينصب في كفّة الخير لا الشر. هذا التوصيف يستمد دلالته من وجود ثوابت صلبة ترفد مجموعة الأعراف والقوانين التي تنظم علاقات الحق والواجب داخل الجماعة. لكن عندما تخضع منظومة القيم لسطوة التفسخ، سيؤثر ذلك حتمًا في المناخ العام، لتفضي بنا المحصلة إلى طقس ملوث وبيئة حاضنة بامتياز لكل السموم الناشئة عن تعفن الفساد ومشتقاته.

وجلّ ما نخشاه حينئذ أن تبقى القيم النبيلة مجرد شعارات جوفاء. علمًا بأن الشأن هنا لا يتعلق بوهم المدينة الفاضلة، ولا بأي صنف من المثاليات التي تقفز على شراسة الواقع؛ إنها فقط دعوة ملحّة لأن يتآزر الليبيون كعائلة كبيرة، يعوزها القليل من الحب، والقليل من التسامح، وأيضًا القليل من التضامن لكي تنتصر على أزماتها.

__________ 

الرابط :

https://alwasat.ly/news/opinions/510862?author=1

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

مفتاح العماري بودكاست ليبي

 


(بودكاست) ليبي    بوابة الوسط

مفتاح. العماري الجمعة 16 يناير 2026, 08:32 مساء

مفتاح. العماري                                                                                                     


خيانة


تُشاطرُ الذئبَ فريستَه؛
لمْ يعد لنباحِها معنى،
كلابُ النجع.

هل أضحى نهب ثروات الوطن نشاطا عاما، تشغل أخباره حيزًا من منظومة الأعلام - المعنية بالشأن الليبي- فلا يمر يوم دون أن نكون على موعد مع وقائع جديدة للسرقة والنهب والاحتيال وتهريب العملات الأجنبية، والذهب، والوقود، والآثار، والنفط، والبشر، وغسل الأموال، والاستيلاء على أملاك الدولة، وما يتبع ذلك من تزوير وثائق وسندات... إلخ.

سيل هادر لجرائم متسلسلة أتت على الأخضر واليابس، لم يقتصر فعلها على أشخاص من فئة الكومبارس: كلصوص عاديين، ومهربين، وتجار مخدرات وسوق سوداء، وسماسرة «اعتمادات»، ومراقبين ماليين ومحاسبين بالمصارف والسفارات وكافة المؤسسات والهيئات والأجهزة الرسمية؛ بل تبوأ أدوارَ بطولتها شخصيات مرموقة من فصيلة الثوار الشرفاء، والنخب الأكثر وطنية وعفة ونزاهة «كما يُظن»: وزراء وسفراء وقناصل ومديرون، ورؤساء، وأمراء حرب، وشيوخ «بأربطة عنق»، ومن على شاكلتهم. ليمسي مسلسل العبث بالمال العام في ليبيا المنكوبة، نشاطًا وطنيًا عاما: «ينبغي أن يُمارس لا أن يُتفرج عليه».

صحيح، أنني لم أضف جديدًا، طالما بات جميع الليبيين «صغارا وكبارا» بفضل الوسائط الذكية، على دراية بهكذا آفات وجوائح يندى لها الجبين، بلغت حدّا من الاعتياد تضاءلت إزاءه علامات التعجّب والدهشة، وحتى الاستنكار. ولعلّ هذا التواطؤ ناجم عن استفحال واستشراء فيروسات الفساد وتحوّلها إلى ظاهرة، أو شبه ظاهرة اجتماعية، قد تُشخّص بوصفها جزءا من تركيبة الثقافة «الشعبوية»، استئناسا بما يذهب إليه المخيال الجمعي لتسويغ هكذا آفات عبر إحالتها إلى فضائل: «الشطارة، والفهلوة، والزقاطة، وتشغيل الدماغ»، وربما من زاوية نظر أخرى تأتي كاستجابة جينية لنزعة الغنيمة، والتي ليس من المستغرب تفاقم جموحها، بالنظر لتمركز المرموزات الناجمة عن هوس الاستهلاك: «ثقافة التسوق» وما يسفر عنها من أمراض «الفخفخة والعنظزة» والتباهي بالمقتنيات.

والتنافس على امتلاك كل ما هو نفيس ونادر وفاخر وفاجر في آن: قصور باذخة، أثاث، سيارات، جواهر، يخوت، أزياء، ساعات، خدم من سلالة محسّنة! ومزارع واستراحات بالريموت كنترول، وجوازات سفر حمراء، وخيول سباق، وبهائم أخرى من فصائل نادرة ومهجّنة؛ لا يقتصر اختيارها على ما هو أليف وداجن، لتندرج النمور والصقور والقردة ضمن قائمة مشتريات، يتكفل بجلبها من خارج البلاد، وكلاء من العيار الثقيل. وما خفي كان أعظم.

ولا عجب البتة إذا ما تمخّض مثل هذا التعفّن غريب الأطوار، «من جهة أخرى» عن حالة قصوى من التفسّخ الممنهج للقيم الوطنية، كضرب ماكر من سياسات الحرب الناعمة، يفرضها الغالبُ على المغلوب؛ وهو ما خضعت له بلدان الربيع الغامض «مختبرات الفوضى الخلاقة»، خلال نوبات اضطرابها المستعصية، حسبا لمخططات أملتها أجندات مريبة، غريبة المنشأ؛ لتهيئة المناخ «من بعد» لتوطين الفساد، وتكريس التوحّش، وأصناف شتى من خيانات محتملة؛ وهذا ما حدث.

بداهة، أن كل شيء يبدأ صغيرًا: بهيئة نقطة، أو نطفة، أو بذرة، كدورة اعتيادية للنمو والتكاثر. فمن شتلة ثم شجرة تبدأ رحلة الغابة، ومن طلقة واحدة تتأجج الحرب، ومن خانة الصفر تنطلق جميع سلالات الخيانة، «بما فيها خيانة الأوطان»، ليسفر تماديها عن أرقام فلكية، وأحجام من فصيلة الديناصورات. لا حدود لمآلها وآفاقها الضبابية « كما هو الحال عندنا»، حيث يختلط الحابل بالنابل.

ويتعذر التمييز بين الخير والشر، والإخلاص والعمالة، والشرف والعار، والطيب والخبيث؛ إلى الدرجة التي لن يستحي فيها الخونة من عري سوءاتهم، حين يتمادون «بكل صحة وجه» في غيهم وعارهم، «دونما رادع»، أو أي شعور بالخجل من فضائحهم التي أثقلت موازين مواقع التواصل الاجتماعي.

لكأن وظيفة السوشيال ميديا، لا تقتصر على نشر الحقيقة، ووفرة المعلومة، وتواصل الناس، واختزال المسافات بين ثقافات العالم فحسب؛ بل إن هدفها الأسمى: يتلخص في تخنيث المعني و«موت الإنسان»، لحظة أن يفتر إحساسنا بالخزي والفاجعة؛ إلى حدّ تغدو فيه «على سبيل المثال» مشاهد الإبادة الجماعية في غزة، لطول تكرارها مجرد صور مألوفة، ستفقد تأثيرها تدريجيا على تحريك ضمير العالم.

أعيد السؤال مرة أخرى «بكثير من المرارة والحزن»: هل ستقتصر جرائم نهب المال العام في ليبيا؛ على ثرواتنا، أم هي انتهاك مستمر يُمارس بحرفية ماكرة لتهديد قيمنا ووجداننا، وتشويه شخصيتنا وهويتنا وتاريخنا، وكل ما يتصل بمعتقداتنا ومثلنا العليا، ليخضع المواطن المستضعف «راقد الريح» رغما عنه، لآلة شيطانية تجعل منه محض خادم للوهم؛ وقد سلبت إرادته وأرزاقه، وحقوقه، ولغته، وأثاره، وذاكرته، وحتى أحلامه؛ فقط محض كائن «خردة»، يلهث ليل نهار، في طواف دائم من «صنف المتاهة، وصخرة سيزيف»، بين القوت والمحروقات، وأزمة السيولة، وطرح الأحمال، وارتفاع الأسعار، ودوامة الذل والمرض والجهل والفاقة والكذب والتضليل والزيف، والخوف من السلطة والقتلة واللصوص، وغدر الزمان، ومن نفسه أيضًا.

ملهاة سوداء يتمتع أبطالها بجشع أسطوريّ؛ بحيث لا يتورعون في نهاية مطافهم عن بيع الوطن بقضه وقضيضه. إذ ذاك لا مفر من عبث المصير، وقد تعطلت «سهوا أو عمدا» بوصلة مشروع دولة الدستور والمؤسسات، لصالح مراحل انتقالية، لخمسة عشر عاما من الخراب.

وما زال «الحبل ع الجرار». وسواء أكان الأمر بفعل نوايا حسنة لعقول حمقاء، أم بتدابير «نظرية المؤامرة» ففي كلا الحالتين: «خسرنا ليبيا»، خسرناها منذ لحظة الشؤم تلك، التي تواطأ فيها أُولو الأمر منّا، وتركوا سُدّة الحكم نهبًا لمشيئة الفوضى المصطنعة بدهاء؛ تمهيدًا لسطوة دولة المافيا، لا القانون. وحتى يأتي ذلك الحين الذي يستعيد فيه الليبيون سيادتهم، سيبقى باب الخيانة مشرعًا.

_________ 

https://alwasat.ly/news/opinions/505024?author=1