في العشر الأواخر من الشهر الكريم، نذكّر برلمان ليبيا ومجلس الدولة وحكومتي شرق البلاد وغربها، وكل مُلّاك النفوذ والثروة والسلاح، بأن الإحسان يُعدّ من أهم الأبجديات الآدمية، والروافد التي تكفل التماسك داخل الجماعة، عبر فعل الجميل والخير كالتضامن والأمن والسلام.
ولا سيما في أثناء هذا المختنق المعيشي الذي يكابد ويلاته فقراء الوطن. إذ في الإمكان، عبر مبادرة بسيطة، إيقاظ أرواحنا الطيبة، وتعزيز قدر من التفاؤل والثقة داخل بيئة أنهكتها الفوضى، وطحنتها الحروب، ومزّقتها الفتن، وتربّص بخيراتها اللصوص وشذّاذ الآفاق.
لا شك أن الدعوة إلى تعميق فعل الإحسان في مثل هذا الظرف المخيف تُعدّ ملحّة، حينما يتعلق الشأن ببلاد معطاءة اسمها ليبيا؛ بذرت فينا حب الخير، كصلة الرحم، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، والرأفة بالعاجز والمعدم وعابر السبيل، والرفق بالحيوان. مما يلزمنا أن نكون أوفياء لقيمنا النبيلة التي توارثناها جيلًا بعد جيل؛ لا أن نستسلم أمام أوبئة الجشع والنهب والتغوّل.
ثمة في التاريخ شعوب كثيرة مرّت بمحن عصيبة، ومكابدات أكثر ضراوة وعنفًا، لكنها بفضل ثوابتها الأصيلة وحكمة زعمائها أنقذت نفسها من الضياع، ولنا في جنوب أفريقيا، بزعامة نيلسون مانديلا، مثال يُحتذى. مما يحمّسنا لتوجيه دعوة ملحّة إلى قدوة مجتمعنا الليبي، من زعماء ونواب ورجال أعمال ووزراء وسفراء، وكل أعيان وأثرياء الوطن، لتقديم العون للمعوزين من أبناء شعبهم.
ونناشد أولًا أعضاء مجلس نوابنا الأفاضل أن يأخذوا زمام المبادرة، والتبرع بربع رواتبهم لمدة سنة واحدة لصالح الفئات المعدمة، كالنازحين والمهجّرين، وأسر الشهداء، ومرضى السرطان، والمعاقين بدنيًا، وأصحاب المعاشات الضمانية.
فالمسألة برمّتها لا تتعلق فقط بإنقاذ أرواح وجبر خواطر، أو تضميد جراح، أو ترميم وطن؛ بقدر ما ترتبط بإنقاذ قيم أخلاقية ذات صلة وثيقة بنشر مآثر الرحمة وفعل الخير والمحبة بين الناس، انطلاقًا من المثل السامية لديننا السمح، وأعرافنا وتقاليدنا كمجتمع إسلامي خيّر. فعندما تشتد الأزمات تبقى القيم وحدها ما نحتاج إليه للحفاظ على كيان أمتنا.
صحيح أننا خلال سنوات الجمر فقدنا الثروة الأعزّ: عشرات الآلاف من شبّان بعمر الورد. شهداء هناك، وشهداء هنا. ناهيك عن خراب العمران، وهدر الكثير من الثروات دونما جدوى. لكننا، وبقليل من الحكمة، يمكننا إذا شئنا معالجة أزماتنا. فقط علينا إيقاظ ضمائرنا، وتحريك ما تبقى من آدميتنا، تعزيزًا لقيم التآزر والتكافل المجتمعي. ولتكن الخطوة الأولى من أناس اؤتمنوا على تسيير مؤسسات الدولة وخدمة الوطن والمواطن.
وإننا حين نعوّل على مثل هكذا مناشدة وطنية، فإنما نسعى إلى استعادة الثقة من جهة، وتعزيز روح التضامن بين الناس من جهة أخرى. وذلك لما لهذه المفردات من مكرمات وفضائل معنوية، ستجعل الناس يشعرون بأن من انتخبوهم هم بشر مثلهم، يحسّون بأوجاع فاقتهم، وآلام جوعهم، وخيبة أملهم، ومعاناة انسحاقهم اليومي.
ولكم تمنيت طوال هذه الأعوام التي كابد خلالها المواطن الليبي عديد الأزمات، من انقطاع الكهرباء والمياه، وشحّ الخبز والمحروقات، وأزمة السيولة، وارتفاع أسعار المؤن؛ أن ترصد لنا عدسات المصورين مسؤولًا واحدًا يقف، مثل مواطنيه، في طوابير الخبز والغاز والبنزين والزيت، أو ينتظر دوره أمام واجهات المصارف.
حتمًا سيكون المشهد مثاليًا وعادلًا ومنصفًا، بل في غاية الوطنية والتواضع، حين يشعر المواطن «راقد الريح» أن المسؤول ليس مشغولًا عنه (كما يُشاع) بالتنزه في شرم الشيخ، وفنادق القاهرة وتونس، و«مولات» إسطنبول ودبي والدوحة، وأن جلّ همه لا ينحصر في مصالح خاصة وضيقة تعبّر عن نزعة أنانية، هي أقرب إلى الخيانة حين يكون أفراد الشعب في أشد أزماتهم المعيشية ضنكًا واختناقًا، بينما هو يسعى لنهب المال العام، أو تمكين أفراد عائلته وقبيلته من العمل في الملاحق الدبلوماسية وبعثات الدراسة والعلاج بالخارج.
وكم سيكون جميلًا هذا الإيثار، وما سيعكسه لدى عامة الناس؛ لأنه سيسهم دون ريب في خلق قدر كبير من تأثيث الوجدان الليبي، لحظة أن يشاطر عضو البرلمان المستضعفين من أبناء الوطن معاناتهم اليومية، ويشعرهم بأنه على تماس يومي مع شكاتهم وضيقهم وبؤسهم. فأن تكون، يا سيادة البرلماني المبجل، حاضرًا لمواساة من انتخبوك ومؤازرتهم في فقدهم ومرضهم وعوزهم؛ هذا يعني أنك قد برهنت حقًا على ولائك للوطن.
واقتداءً بهذا الإيثار يمكننا إرساء ثقافة التسامح بين الناس، وتمهيد السبل لإيجاد حلول لمعظم خلافاتنا وخصوماتنا السياسية، عندما يصبح تأسيس الحوار والتفاوض والتصالح أقل صعوبة.
ولعلنا بذلك نتيح فرصة ذهبية أمام المسؤول الليبي الذي، بالرغم من تعاقب أكثر من حكومة انتقالية ومؤقتة وفاشلة وقاصرة ومرتهنة وتائهة، لم يبرهن حتى على إبداء الحد الأدنى من الوفاء لشعبه. والشأن نفسه ينسحب على معظم الأثرياء من أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال الذين ضربوا بالقيم الوطنية عرض الحائط.
أعني القيم بوصفها العنصر الأهم في مكون الشخصية الوطنية بشقيها الفردي والجمعي. والمعنى بداهةً ينصب في كفّة الخير لا الشر. هذا التوصيف يستمد دلالته من وجود ثوابت صلبة ترفد مجموعة الأعراف والقوانين التي تنظم علاقات الحق والواجب داخل الجماعة. لكن عندما تخضع منظومة القيم لسطوة التفسخ، سيؤثر ذلك حتمًا في المناخ العام، لتفضي بنا المحصلة إلى طقس ملوث وبيئة حاضنة بامتياز لكل السموم الناشئة عن تعفن الفساد ومشتقاته.
وجلّ ما نخشاه حينئذ أن تبقى القيم النبيلة مجرد شعارات جوفاء. علمًا بأن الشأن هنا لا يتعلق بوهم المدينة الفاضلة، ولا بأي صنف من المثاليات التي تقفز على شراسة الواقع؛ إنها فقط دعوة ملحّة لأن يتآزر الليبيون كعائلة كبيرة، يعوزها القليل من الحب، والقليل من التسامح، وأيضًا القليل من التضامن لكي تنتصر على أزماتها.
__________
الرابط :
