وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 28 أبريل 2026

رضوان أبو شويشة .. سيرة الجَمال المهمل (3)

 مفتاح العماري

___________         



إلى الناس الذين لا يقرؤون الكتب
في جزء كبير من تجلياته كأديب وفنان، سيبرز رضوان بوشويشة كما لو أنه صدى لتراجيديا عظيمة، أبطالها بضعة متسللين توغلوا عميقًا في لغته. وبقليل من التأمل يمكن لأي كاتب ليبي مغبون ومغترب داخل جماعته، أن يجد شبهًا بينه وبين هؤلاء؛ وقاسمًا مشتركًا يجمعه بهم.

والذين مهما تباينت ملامحهم، وتعددت أقنعتهم، وتضاربت أوصافهم وأفعالهم من شخص لآخر، ومهما بدوا أكثر غرابة وجنونًا في سكب خيالهم والتعبير عن غضبهم، ورؤاهم وربما صمتهم وخوفهم، بواسطة الكلمات، أو أية مفردات أخرى من فصيلة الفن، سيمثلون بهيئة أسرى لا يملكون من أمرهم شيئًا، سوى تورية آلامهم بقليل من الضحك.

الضحك كمعجزة صغيرة وهبت (رضوان) ألقابه الصاخبة: حارس الجنة، فارس المرح، قافلة الغجر المتنقلة، حارس الجمال، الرائي، فاكهة المواسم الأربعة، سادن المعبد، الدرويش، الصعلوك المتصوف. حشدٌ من الإشارات المشفرة، يعكس الجزء الظاهر من صورة شمسية لجيل حقبة الخديعة والشتات.

صورة شمسية تفنن الغبن في رسم تضاريس قهرها وخوفها وصمتها وغضبها وعزلتها. ولأن بيئة رضوان لا تعير اهتمامًا للكتاب وأهل الكتاب، أصبح جلّ همه أن «تصل قصصه إلى الناس الذين لا يقرؤون الكتب»؛ فتألف جمهوره أولًا من رواد المقاهي. هناك في المدينة الكبيرة، المسبوقة بضوضاء تمور على الدوام بكل المتناقضات، التي لا تكف عن الدوران حول نفسها، ظل كطفل استغرقه اللعب، يتبع أهواءه من مقهى إلى آخر، «ومن فندق صغير إلى فندق صغير».

وبقدر من التسامح الرحيم، عقد رضوان صداقات مع هؤلاء الذين لا يقرؤون، لربما يمكنهم الإصغاء. لهذا لم يدّخر أيما حيلة للمواءمة بين لوحة المفاتيح وخشبة المسرح، بين ورقة الفبريانو وعازف الكمان، بين حركة الشفاه واليد التي تشير. لينشقّ عن تقاليد السرد، بإضافة أكثر من وتر ولون وإيقاع لنصوصه التي بات يحفظها عن ظهر قلب. ولكي يمارس دور الراوية، استفاد من تطور تكنولوجيا الاتصال. وحوّل الكلمات إلى أشجار وظلال وأجنحة، ثم تركها تحلق بمشيئتها. هذا ما جعله يعبّر عن امتنانه: «أشعر بالرضا الآن، ففي العالم الصغير زمن العولمة والنت، تحققت مقولة مكسيم جوركي: الكلمات تطير كالسنونو حول العالم».

كان هناك مقهى الأورورا بميدان الجزائر، ومقهى جنان النوّار، ومقهى شهرزاد المطلّ بأبهة على ميدان الشهداء، ثم مقهى الساعة بسوق المشر. وبعد نصف قرن من الطواف بين الحكايات، رام أخيرًا المكث بباب البحر. عند كنيسة السيدة مريم، لائذًا بمرسمه، حيث لا شيء ينمو سوى الظلام. ومع ذلك لم يغفل أن يقدّم لعروس البحر، ما يليق بجمالها من آيات النور. مما يدفعنا بالمقابل للتساؤل عن علاقة المدينة نفسها بهذا العاشق. ولا يقتصر سؤالنا على احتفائها بشخصه؛ وإنما على درجة اعترافها بمنجزه كمثقف ومبدع.

وبعبارة أكثر تبسيطًا: كيف تفاعلت طرابلس مع (حمودة الزاهي)؟ نطرح السؤال، ونحن على دراية بالحالة الليبية المستعصية، من حيث إهمالها للجمال، وتهميش مريديه. وإن كنا هنا نعوّل بعض الشيء، بأن تشهد هكذا علاقة بعضًا من الحميمية، كونها تومئ إلى عاشق استثنائي.

في السياق نفسه، يحيلنا السؤال إلى استخلاص المغزى الناجم عن مسيرة رضوان الإبداعية، وإلى مستويات الإضافة التي يمكن أن يُعتدّ بقيمتها الفنية والفكرية في مشهدنا الأدبي والفني. وما إذا بلغت تجربته حدًا من المحورية الفاعلة والمؤسسة لنمط أصيل من الكتابة الأدبية، وعلى وجه الخصوص مدى تأثيرها في الأجيال الجديدة، وهل في مكنتها أن تتبوأ حيزًا من ذاكرتنا بوصفها «ظاهرة» ثقافية، ذهبت بها المقاربة أحيانًا حدّ مقارنتها بظاهرة صادق النيهوم، الذي كما نعلم لا يزال إرثه حتى يومنا هذا محفّزًا وحاضرًا بقوة، سواء فيما يتصل بقيمته الجمالية والفكرية، أو كمعلم شكّل تجربة غير مسبوقة، باعتباره (أي النيهوم) أول كاتب ليبي تمكن من هدم الجدار الرابع بينه وبين القارئ، مجسدًا بذلك التجربة الأكثر دفعًا لتوسيع خارطة القراءة وطرح الأسئلة الناقدة، كضرب من التأسيس لحفريات ليبية يُعتد بآلية أدواتها المختلفة في مراجعة الفكر الديني. فأين تقع تجربة رضوان من هذا الزخم؟

خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين شنّ نظام القذافي حملات اعتقال وتصفية جسدية شديدة الضراوة، استهدفت العديد من طلبة الجامعات، كذلك أدباء ومثقفين، بينهم كتاب صحيفة الأسبوع الثقافي. بالطبع لم يسلم مثول رضوان للمحاكمة من مشاعر الهلع، وتحول إلى معقل تعذيب نفسي تحت سطوة عقد الاضطهاد. وأينما يذهب سيظل محض كائن آخر لا يربطه بالكتابة سوى ذاكرة معذبة، ليدمن تعاطي المهدئات ومراجعة الطبيب النفسي. ولعلها ضربة حظ تلك التي برأت ساحته، كي ينجو بأعجوبة من المصير الذي تعرض له زملاؤه من الكتاب الشباب، وقد خضعوا لعقوبة السجن المؤبد.

في تلك الآونة برعت دولة الخيمة في صناعة الرعب والسجون وأجهزة القمع، مثلما تفننت في توطين مظاهر التخلف والبؤس وهدر الثروات وإشعال الحروب والقلاقل، وابتكار شتى الحيل لتجفيف العقول وتوسيع رقعة التصحر، لتبقى البلاد مجرد ملعب فسيح لجنون عظمة المستبد وأفكاره العقيمة، بوصفه ثائرًا ومفكرًا وأديبًا وقائدًا عبقريًا، اختزل في شخصه الدولة والمجتمع والثقافة، مكرسًا ثروة الليبيين في الدعاية لنظريته الجماهيرية، وتسويق أوهامه عبر إقامة سلسلة من المؤتمرات والندوات العالمية الباذخة.

في هذا الخضم اختزل رضوان مأساة ثلاثة أجيال من الأدباء والكتاب، ومر بمراحل شتى من العجز عن الكتابة، فتعثرت مشيته، وارتبك مساره، وتعطلت كل الطموحات التي كان يتوق إليها كشاعر وقصاص ورسام، وفشل من ثم في ترجمتها بصيغة ما إلى مشاريع خلاقة. الحال نفسه ينطبق على الأديبين: يوسف القويري، وجييلاني طريبشان، والرسام: علي الزويك. كيف غُيّبوا، وعُطّلت فاعليتهم، وجُرّدوا من أبسط وسائل التعبير وسبل الحياة الكريمة؟ محض دراويش وفقراء معدمين بلا مأوى، شُرّدوا داخل وطنهم. وإننا حين نستذكر آخر سنوات يوسف القويري وطريبشان، سنكتشف أن التاريخ الشخصي (لرضوان بوشويشة) إنما هو فسيفساء تشكلت من كل شظايا مثقفي ومبدعي حقبة الشتات.

حيث لم ينج من هذا المصير سوى أولئك الذين انضووا بطريقة أو بأخرى تحت ظلال خيمة القائد، أو من نزحوا خارج البلاد، وأن من تبقى داخل السور قد آثر الصمت أو ركن نفسه بالمنطقة الرمادية، وربما لجأ أحدهم إلى تأدية دور المهرج أو المجنون، على طريقة هاملت، أو حمودة الزاهي: «نحن جميعًا نمثل في مسرحية اسمها الحياة».




_________

 الرابط: https://alwasat.ly/news/opinions/515585?author=1