مفتاح العماري
![]() |
| أمحمد تاجدي |
فتنة البيوت
في مدونة فنّ العَمارة، ثمة
بيوت بلغت درجة عالية من
البهاء، لا يمكن التغاضي
عما تبثه فينا من إحساس
محفز لمزيد من الإيمان
والحب والجمال. بيوت لها
جاذبية خاصة، لكأنها
خضعت لتصاميم هندسة
الأحلام، أو عَمارة الشِّعر،
مما قيّض لها أن تقع في تلك
المنطقة الخصبة من
المخيلة؛ لتكون أقرب إلى
الأسطورة منها إلى الواقع.
والتي بقدر ما تثيره فينا سطوة فتنتها من دهشة لا تفسّر، تظل في آن مربكة ومحيرة، ولا مناص من الاستسلام لسحرها، كحالة تأمل لا متناهية؛ ليس من الهين التحدث عنها دونما امتنان لهبة الفن وسموه. الفن، عندما يترجم كضرب من الجنون.
في الربع الأخير من القرن التاسع عشر تمكن ساعي بريد فرنسي، يدعى:
"فرديناند شيفال" من بناء قصره الشهير، الذي تخلى فيه عن وظيفة السكنى
منحازًا إلى عمارة الإعجاز. استمر بناؤه لثلاثة وثلاثين عاما. كان الرجل في أثناء
أوبته إلى المنزل على دراجته الهوائية، يقوم بجمع ما تيسر حمله من قطع الحجارة
الملقاة على الطريق. كان يتبع خياله إكراما لأعجوبة متخيلة، ستتضافر العبقريةُ
والحماسةُ لصناعتها، لحظة تحويل الحجارة من مادة خام مهملة، إلى استعارات تنطوي
على كل ما في الكون من هوس التشكيل وإيقاعات الطفولة. وقد ثابر على وضع حجر فوق
حجر، بسماحة بستاني رَبّته امرأةٌ مقطوعةٌ من شجرة. وأحلام غامضة ما من لغة قادرة
على جعلها ذات مغزى؛ سوى أن تُقد بهيئة ملحمة من خمس ضفاف. في كل جهة يقف الفنانُ
مذهولًا مما صنعت يداه.
في الريف الليبي، ثمة رجل من بلدة مسلاته، اسمه: "أمحمد الجدي"،
شيد هو الآخر وعلى مدى أعوام طوال من حجارة الطريق بيتا لا يُضاهى، ناهز حدًا من
الإبهار المتعذر على الوصف. يكمن جزء من أصالته في ما انطوت عليه حجارةُ جبال
الريف من حياة ظلت كامنة، تنتظر نباهة منصفة. فكان لدى السيد أمحمد، من الفراسة ما
يجعله قادرًا على تعقّب أبجديات قطع الحجارة الصماء، خلال التقاطها من قارعة
الطريق؛ ليس كبناء ماهر فحسب؛ بل كمتأمل أو مُريد يقتفي بحركة صبورة أسرار الحجر
في بلدته الجبلية. حيث دأب بمزاج الفنان المتمهل، مكتفيا بين يوم وآخر بإضافة ستة
قطع من الحجارة في كل نوبة بناء. إلى أن بلغت الجدران مداها من روح الزمن وخفاء الطبيعة.
استغرقت عملية البناء ردحًا من
الزمان، كما لو أن كل قطعة حجر بمثابة كلمة في رسالة مشفرة يبثها عاشق ورع. حتى أصبح
بنيانه بعد حين أكثر صلابة ورسوخا. شيد الغرف التي تحيط بأهواء الفصول، دونما إغفال
لمزاج الرياح ومواسم الغيث، وعلاقة النهار بالليل. أقام الردهة الفسيحة، التي تجمع
الأرض بالسماء في صحن ينفتح على أكثر من باب، وحياة تنتظر، ودهشة لا تبرح.
قبل بضعة أشهر احتفت مواقع التواصل الاجتماعي ببيت مسلاته الحجري. صنّاع المحتوى
الذين زاروا البيت الأعجوبة، صوّرت عدساتهم براعة البنيان قريب الشبه من نمط
العمارة الشعبية؛ وانصبت أسئلتهم جميعًا حول ماهية المواد الخام، والمُدّة التي
استغرقها تشييد المبنى. وبكل سخاء كالوا المديح لبهاء الغرف، وروعة الفرن الحجري،
والأرضيات التي حاكت براعة الفسيفساء، كما أطنبوا في إطراء هندسة الممرات، وهي
تنحدر في موجات هارمونية، باتجاه المسبح المحاط بأكثر من آية رَبّانية، يمكن
للصوفيّ وحده قراءة فضائلها. بحيث لم يتركوا قوسًا أو سقفًا أو تجويفُا، إلا
وأثنوا على مهارة تصميمه وتقانة صنعه، مشيدين بلمسات الإبداع التي تركت بصمتها في
كل بقعة. لكن الشيء الوحيد الذي فاتهم التوقف عنده: أن المغزى الحقيقي من وراء هكذا
بنيان، يمكن اختصاره في جملة واحدة مفادها: أن إرادة الإنسان لبناء بيت جميل وآمن؛
هي في جوهرها تعبير عن الإرادة نفسها، التي يمكن حَذْوها في بناء الأوطان.
إذا كان ساعي البريد الفرنسي قد حشد في قصره الأسطوري كل ما استدعته
الذاكرة من غرائب المخلوقات ونظائر ثقافات الشعوب؛ ليجاور بين المسجد والمعبد
الهندوسي، وعديد الرموز والعلامات التي تلمّح لمعجزات التاريخ. فأن ما خلص إليه الليبي
سَلِيل قبائل مسلاته، بعد أعوام طوال، عبّر في الواقع عن طموح راسخ لتشييد بيت حقيقي
يُشعره بالسعادة والأمان، زوّده بنوافذ للشمس، وممرات للهواء، وفرن لصناعة الخبز
وطهي الطعام. كأنه بذلك يبني وطنًا حقيقيًا، لا مجرد مجاز لتأثيث ذاكرة الطفولة.
وفي كلا الحكايتين: ليس بناء بيت
وحده ما كان توقًا يُرتجى، بل فعل الإرادة التي تبني البيت. وسواء أكان ذلك في
فرنسا، أو في ليبيا. فأن قيامك بشيء مجدي، تعبير عن التحقّق، ليكون وجودك في الحياة
ذا نفع؛ وقد أسهمت حقًا في تشييد ملاذ صالح لإيواء المغزى الإنساني؛ حتى بتوظيف ما
هو مهمل، كمادة خام يمكن ترجمتها إلى ثروة من فصيلة الإبداع. عملًا بالمقولة التي
تنسب للجاحظ: "الأفكار ملقاة على الطريق، المهم كيف نلتقطها". كمقولة حكمية
شائعة، لا تحث فقط على كتابة قصيدة شعر، أو صناعة كتاب؛ بل تصلح لحمل كل ما هو عظيم، مادام الشأن يتعلق بالإرادة
والشغف، لحظة تحويل الأحلام الخيّرة إلى واقع جميل. هذا ما نستخلصه من مكارم
العمارة الحية، حين تتسع الرؤيا، من بيت صغير إلى وطن بأسره.
_________
https://alwasat.ly/news/opinions/511736?author=1
