تتربّى المعرفةُ في حيز كبير منها دون ريب، بفضل رعاية الكتب الخيّرة، ورفقتها الآمنة. فمن هذا السفر المجيد، تنطلق مغامرة القراءة؛ شغفًا بالتعلّم والاكتشاف، عبر إبرام أواصر متينة مع المكتبة أينما حلّت، سواء في البيت، أو المدرسة، أو الشارع؛ بوصفها منطقة جذب وألفة، ينبغي الحرص على تحريك رمادها، وإيقاظ عناوينها بين حين وآخر، والتآلف مع دفئها وحواسها وأنفاسها، لتشغل حيزًا أثيرًا من ملاذنا ووقتنا وذاكرتنا وحكاياتنا؛ باعتبارها حافزًا للدنوّ من فضائل التعلّم ومكارمه.
بعض الكتب، سيتاح لها دون غيرها حصة وافرة من الحظوة، فنجد أنفسنا نعود إليها، ونطيل المكث حدّها، لكي تستأثر بقراءة إضافية. ولست أدري، حين نعيد قراءة الكتاب نفسه، هل يُعزى الأمر إلى شبهة الحنين، عبر تجديد القرب مرة أخرى. تمامًا مثلما نزور حبيبًا أو مكانًا أثيرًا. أم أن المسألة برمتها لا علاقة لها بهذه النوستالجيا؛ طالما في كل صحبة سنميط لثامًا؛ ونكتشف كنزًا. وربّما يُعزى الأمر أحيانًا لعسر في الهضم. لكن، ومن دون أن نخوض في جنس المقروء وحقله؛ قد نتفق في الحدّ الأدنى أن القراءة وطقسها، من أبهى مكارم «الإمتاع والمؤانسة»؛ على رأي التوحيدي.
صحيح، ثمة من يرى في إعادة قراءة الكتاب نفسه، هدرًا مجانيًا للوقت. ولعلّ أنصار هذا الصنف من وجهات النظر لا يميلون إلى استنساخ اللحظة ذاتها؛ ربما حرصًا منهم على استثمار الوقت في معرفة الجديد. لكن ماذا حين يتعلق الشأن نفسه بالموسيقى؟ فهل إعادة الإصغاء إلى موسيقانا الأثيرة يعدّ هدرًا للوقت؟ من جهتي سأُقْبِل وبمزيد من الحماسة على إعادة قراءة الكتاب الجيد، مرات ومرات؛ ولا سيما أن هناك مصنفات في رفوف مكتبتي الورقية، وكذلك الإلكترونية، قد استأثرت بقراءتين أو أكثر.
هذا الضرب من الحظوة، لا يقتصر أمره فقط، على متون السرد الأصيلة من روايات وقصص؛ وإنما يشمل رفوف التاريخ، ونظريات النقد الأدبي، ومتون الفلسفة والشعر، وعلمي النفس والاجتماع؛ فضلًا عن عناوين وأسماء شتى، في الديانات والميثولوجيا، والتصوف، وفقه اللغة. واستئناسًا برأي عالم فنّ الشعر، الناقد: «مايكل ريفاتير»، أن القراءة الأولى غالبًا ما تكون استطلاعية، بينما ستكون الثانية تأويلية. لكن ماذا سنسمّي، أو نصف، القراءات اللاحقة، بدءًا من الثالثة؛ أي ما بعد التأويل؟ أعتقد أن هذا الموضوع سيحتاج إلى أكثر من إضاءة، بين توصيف وتشخيص.
لعل ما دفعني لتوثيق هذه المآثر، كخلاصة لعلاقتي الشخصية بالكتب: أن المصنف الجيد لا يكتفي بقراءة واحدة. وإنني حين أشير إلى الفضائل الحميدة لإعادة القراءة، فلأنها حسب تجربتي تمثل إيقاظًا للمعلومة، وتعميقًا وإثراءً للفهم والدراية؛ يرسّخ ما اكتسبته عبر قراءة سابقة. ولعلها في الوقت نفسه تعدّ ضربًا من الامتنان للكتب التي تجعلنا أكثر قربًا من روح العالم على رأي «باولو كويلهو»، وعرفانًا منا كقراء مخلصين، بذلك الأثر السحري الذي تحدثه بضعُ كلمات مضمرة تتوزع هنا وهناك بين الصفحات، بهيئة ضوء أو عطر أو موسيقى، وقد ارتدت من بهاء الشكل وفتنته ما يشبه شجرة أحيانًا، أو نهرًا جاريًا، أو غابة أو حجرًا أو حديقة؛ فللكلمات هي الأخرى حياتها الخاصة بها، ولكي نستدلّ عليها يلزمنا أن نتعلّم عديد الخبرات، وعديد الحيل، حتى نكتشف سرّ العناصر والأسماء والأشياء، مثل النار والماء والهواء والطين والنحاس، وحركة الكواكب، ولغة النجوم.
كما يقتضي الإنصاف، فهم ما تمليه رحلة التعلم من تقلّبات الطقس، ودورة الفصول ومزاج الريح؛ والإحاطة بإشارات الحكمة التي يتعذر لملمة فسيفسائها من كتاب واحد، أو الاكتفاء بقراءة دواوين الشعر؛ طالما يمكن الحدس بأن تكون تلك العلامات الخفية مندسّة في رواية باهرة، تفنّن الراوي في سرد تفاصيلها، وبثّ السحر في فضائها، لكي يصبح السفر قمينًا بغواية المجاهل، التي قد يكمن مغزى أسرارها في رفرفة جناح، أو ارتعاش ضوء. ولعلها قد افتتنت ببهاء الطبيعة فاختبأت في عين ماء، أو حبّة رمل.
لكنك قد تتساءل في اللحظة نفسها: ألا يجدر بنا الوصول إلى تلك الكلمات، من دون أن نتكبّد كل هذا التعب، جراء تصفّح آلاف الكتب. أجل؛ قد يمكننا العثور على تلك الكلمات دونما حاجة إلى قطع كل هذه المسافات الطوال؛ غير أنه سيتعسر علينا في الوقت ذاته فهم تلك الكلمات ما لم نستعن بما ابتكرته مخيّلةُ الفلاسفة والمفكرين والحكماء والشعراء والحكائين والخطّاطين والرسامين والموسيقيين؛ الذين سلكوا الطريق نفسها. لهذا يتعين علينا اقتراح ما يلبّي معرفتنا. ألَسنا جميعًا في حاجة لاكتشاف ما نجهله؟
لذا علينا أن نتعلّم دائمًا، إذا أردنا الإحاطة بالبراهين التي تدلّنا على الكلمة الضائعة، وأن نظفر في الوقت نفسه، بالقليل أو الكثير من المتع، صحبة الكتب التي تنتظرنا. ولا ضير من إعادة قراءتها. ليس عرفانًا بما تنطوي عليه من مآثر المعرفة فحسب؛ بل حتى بتلك الأطوار التي تمرّ بها حياةُ الكتاب نفسه؛ فبدءًا بصناعة الورق والتأليف والطباعة، وانتهاءً بالتوزيع والعرض والإعلان، مرورًا بالشحن والنقل؛ يستغرق الكتابُ دورة طويلة ريثما يصل ليد القارئ. لذا يجدر بنا إكرام وفادته؛ وأن نهبه حقّه من المديح والعناية والتكريم.
أجل، من هذا الشغف الحميد تتربى المعرفة، لتصبح الحياة أكثر أنسًا ورحمةً وجمالًا.