(1)
على الرغم من أزمة الوقود التي تتكرر بين فترة وأخرى، لا تنفك ظاهرة الازدحام المروري بشوارع طرابلس عن فرض ضجيجها وفوضاها. ربما لأن الليبيين من أكثر شعوب العالم شغفا بامتلاك السيارات. وربما لانعدام البدائل التي تشكل خيارات مجدية للمواصلات، كوسائل نقل عام، نجدها متاحة حتى في أسوأ البلدان فقرا وتخلفا؛ وبصورة خاصة خطوط الحافلات داخل المدن. وربما، لأن (الليبي) من فرط ولعه بالسيارات، لمْ يعد يتقبّل استخدام الدراجات الهوائية، أو الاعتماد على قدميه للمشاوير القصيرة. ولأن ثمة أواصر غريبة الهوس بالسيارات؛ ستحتل السيارة المكانة نفسها التي كانت تشغلها ناقةُ البدوي وفرسه. لهذا وذاك ليس من المستغرب في شيء أن تتواطأ العاصمة مع ضجيج سياراتها؛ وتتخلى عن أرصفتها.
(2)
حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي ظل الرصيف الطرابلسي محفّزا على المشي، ليس كنموذج يحتذى، من حيث تصميمه ورحابته؛ بل كان على ضيقه يتسع بسخاء لحركة المارة، ولا سيما في الشوارع العتيقة، كالرشيد، وعمر المختار، وميزران، و 24 ديسمبر، والاستقلال؛ وينعم بقدر وافر من التسامح، ومظاهر البهجة؛ لمشاة يبتسمون، وأكشاك صحف، ومكتبات، وباعة زهور، وأصداء موسيقى، ورائحة قهوة طيبة، وشجيرات من فصيلة مهذبة تشاطر الخطى إيقاعها، وباعة جوالين، وواجهات دور سينما، وفترينات عرض، ومحطات أوتوبيس؛ سيحظى الانتظار تحت ظلالها بحكايات لا تملّ.
كان المشي بوسط البلد مهرجانا حافلا بشتى ألوان الألفة. ولا سيما في ليالي رمضان وأيام الأعياد. لكأن الرصيف نهرُ العاصمةِ ووتينها. فعبره تتدفق أسرابُ المارة بمشية بهية تنبض عزما ونشاطا، كما لو أنها عرس متنقل، يشترك في إحيائه سيلٌ دافقٌ مِن المشاة، بمختلف أعمارهم. حيث كل شيء يبدو مطروحا على الطريق. فعبر الرصيف يمكن رصد أحوال العابرين، وتشخيص أوضاعهم، ومظاهر الرفاه، أو الفقر، وكل ما يشي بخفايا الواقع المعيش. فمن خلال قراءة أزياء الناس وإيقاع مشيتهم، والأغراض التي يحملونها؛ حسبما تعكسه مرايا الأرصفة من مظاهر الناس، والأرض التي يمشون عليها؛ يمكن تلخيص حياة كاملة في بضع دقائق من التأمل.
(3)
أجل، حتى ذلك الحين ظلّ الرصيف الطرابلسي يحتفظ ببصمته التي تعبّر بامتياز عن مدينة متوسطية عريقة، لها فلكلورها، وعمارتها، وتقاليدها، وأخلاقها الخاصة بها. والتي بلورت على نحو ما الدور الوظيفي لرصيفها كفضاء عام، يفترض أن يحظى بعناية مستدامة، كما هو الحال في كبريات مدن العالم، تجعله بين وقت وآخر أكثر جاهزية وسلامة مرورية، عندما تُضاف إليه مساربُ موازيةٌ تستوعب راكبي الدراجات الهوائية، وعربات ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وقد خصصت لفئات منهم إشارات ومنبهاتٌ مرورية، تجعل مشاويرهم أكثر نجاة من احتمالات الأذى. فثمة مدن عريقة في عالمنا المعاصر، يُعد الرصيف من أبرز تشكّلات طابعها العمراني؛ لتأخذ تصاميمه الهندسية أبعادا فنيةً غاية في البهاء. بحيث لا تقتصر وظيفته على المشي بسلام فحسب؛ بل أصبح منطقة خصبة بآيات من الجمال.
(4)
فقط، رصيفنا الطرابلسي وحده الذي لمْ تحظَ بنيته بتلك العناية التي تؤهله الانتساب إلى حاضرة عصرية، إلى حدّ أن فقد ابتسامته، ومرح موسيقاه، ومحطة الحافلة، وفترينة المكتبة، وواجهة السينما؛ ليمسي عرضة للعبث: اعتداء الباعة الجوالين، الذين يتألف معظمهم من المغتربين، لتستغل أجزاء من أرضيته كمفروشات لعرض السلع الصينية والتركية، في شارعي الرشيد وعمر المختار. أمّا في ما يتعلق بأرصفة الكورنيش وحوض السرايا الحمراء، وحدائق شارعي البلدية، وأدريان بلت، كذلك الأحزمة الخضراء بطريق الشط؛ فأنها ستعج بأفواج القادمين من جنوب الصحراء، الذين اتخذوها ملاذا للتجمع، وللنوم أيضا. على الرغم من عدم توافّر دورات المياه، وحاويات القمامة.
(5)
رصيف منتهك على الدوام، شوهته الحفر والتصدعات، والتهمت أطرافه أشجارُ الزينة المهملة، وأعمدة الإنارة واللوحات الإعلانية، وعديد الآفات، كالركن العشوائي للسيارات، وغيرها من المظاهر المعيبة التي تمارس سطوها على فضاء المشاة، من دون أن يكون للقوانين الرادعة أية بادرة من شأنها حماية الأرصفة، كخطوة داعمة لأن يستعيد الشارع الليبي بعض هيئته التي سُلبت بفعل الاعتداء المستمر على هوية المدينة. أعني العاصمة التي مع سطوة الفوضى، وكسل القانون، سيندرج رصيفها هو الآخر ضمن قائمة الغنائم؛ فحتى مداخل المحال التجارية والمقاهي كان لها نصيبها الوافر؛ لتنهش ما دنا لواجهاتها من مساحات الرصيف الذي لم يعد رصيفا صالحا للمشي؛ طالما لم يبق من جثته شيء سوى نتوءات عظام أسمنتية متهالكة كجزء من خريطة وطن افترستها ضواري الزمان.
(6)
وبذا لم يحرم المواطن الليبي في مدينته، من نعم المشي الآمن فحسب؛ بل خضع لعديد الانتهاكات الوحشية. التي عبثت بأبسط حقوقه؛ كالرعاية الصحية، والأمن العام، والسيولة النقدية والمحروقات، والتيار الكهربائي، والمياه، والأمن الغذائي، علاوة على ما رافق هذه الفوضى من غلاء فاحش لم يسلم منه حتى رغيف الخبز، وقنينة ماء الشرب.
وهكذا فقدت عاصمة ليبيا أهم ملامحها؛ حين خسرت رصيفها، وضرورة جدواه كمسرب آمن لمن يستخدمون أقدامهم في مشاويرهم اليومية؛ ولا سيما كبار السن، وتلامذة المدارس، والعاجزون عن تأمين سيارة خاصة، أو حتى القدرة على السياقة.
(7)
لهذا وذاك لن تكون الإشارات هي نفسها؛ فها هنا ثمة فرق شاسع بين مَنْ يحمل كتابا، ومَن يتنكّب بندقية؛ بين زي تلامذة المدارس، وثياب الكاكي. تماما كالفرق بين حامل الورد، وحامل الكفن؛ فحتى وإن قصد كلاهما المقبرة ذاتها؛ لكننا سوف لن نشعر بالإحساس نفسه. فبين الموسيقى وصوت الرصاص ستختلف مشاعر المارة، الذين قد يتخلون عن حصتهم من الرصيف، ويقتحمون المجال المخصص للسيارات، مما يجعلهم عرضة للأذى. هذا ما يُسمى في قانون الفوضى: (اختلاط الحابل بالنابل)، كحالة لمْ تعد حكرا على الحروب وحدها؛ مادامت السلطة الناعمةُ ستبدو أكثر خشونة وعنفا، لمّا تخضع هي الأخرى لمثلبة فقدان التكامل بين الهامش والمتن؛ وتُخْلط لغةُ الشعر بهتافات الخونة.