هل يمكن لفعل الخيانة أن يكون شاعريًا وبريئًا؟ سؤال تقليدي يتكرر بصيغ مختلفة كلما تطرّق النقاش لضرورة الأدب وقيمه، أو استنطاق سيرة شاعر فحل بوزن «أبوالطيب المتنبي»، أو رحلة «أرثور رامبو» وقد تبعثرت لغته بين الشعر، وتجارة السلاح والعبيد. حيث الحقيقة الساطعة، رغم براءتها، أشبه بلغز محيّر ومتعذّر الفهم. مما يدفعنا إلى الاستعانة بالمتخيّل السردي للاقتراب أكثر من هكذا علاقات معقدة، لعلنا، بقليل من الهدوء والتبسيط، نعثر على ضالتنا في فضاء «ميلان كونديرا»، وبالأخص روايته الثالثة «الحياة في مكان آخر». كأن نجد مسوّغًا واحدًا يمرّر متناقضات شاعر كبير مثل: «محمد الفيتوري»، عندما يناصر العدل والحرية، ويمدح الطغاة في وقت واحد.
ولسنا هنا في الموقع الذي يخول لنا إدانة المثقف، وتجريم ما يرتكبه من زيف في حق نفسه ومجتمعه وشرف الكلمة، وميثاقها الأخلاقي؛ وإنما نحاول، بقدر كبير من الحذر، تقصي تلك الدوافع الخفية التي تجبر شاعرًا على ممارسة دور الواشي. وملامسة الضغوط السياسية التي تلزم رسّامًا على حمل حقيبة متفجرات. وتفكيك ذلك المشهد الذي يظهر فيه أديب أو شاعر في نقل مباشر للتلفزيون الوطني، وهو يبايع الحاكم المستبد، ليكون على النقيض من تصريحاته المضادة للسلطة في جلساته الضيقة. ولعل في كتاب «أشخاص حول القذافي» لعبد الرحمن شلقم، ما يكفي من وقائع العار التي تشي بفصامية المثقف الوطني ونفاقه.
توليف هذا الصنف من صورة المثقف أو الشاعر أو الفنان، وبالأخص في حقب الحكم الشمولي، سيُعدّ مسألة على درجة عالية من التعقيد فيما لو حاولنا أن نحقّق شيئًا من التناغم السريّ بين الموسيقى وإحراق مدينة، أي بين فاغنر وتدمير العالم. لأن ما يطرحه التاريخ من صور وأحداث وحكايات، سوف تقوم الرواية وشقيقاتها بترجمته إلى جملة من الأسئلة الساخرة، بحيث ستظل الإجابات على الدوام معلّقة.
فقط كل ما في الأمر أننا نبحث عن مسوّغ واحد، ليس لتبرير وجود شخصية المثقف المزيف من بين أفراد العائلة الكريمة التي نخشى من جرح مشاعرها، أو استعداء أفرادها الغيورين، لمجرد إقدامنا على إعادة توثيق الحقائق بصيغة ناعمة، دونما ضغائن أو أي نيّات سيئة لتشويه ولو جزء ضئيل من الذاكرة، بل نود أن نكون أكثر شفافية إزاء تاريخنا الوطني، توخّيًا للصدق، ومكاشفة أنفسنا بالحقيقة كلها دون ترقيع أو تزويق؛ فقط لكي نكون صادقين إزاء أنفسنا، ليس إلا.
وإننا حين نستأنس بقصص بورخيس، أو روايات ميلان كونديرا وهنري ميلر، أو ما جادت به ذاكرة عبد الرحمن شلقم، أو أحمد القطعاني، فإنما لكي ندلّل، دون مواربة، بأن قريحة الأدب، سواء أكانت سجلًا وثائقيًا بهيئة يوميات أو مذكرات، أم محاكاة متخيّلة للواقع، إنما هي أبلغ صدقًا وتأثيرًا وعمقًا من كتب التاريخ، حين تتعامل مع مادة الواقع بحس انتقائي، يعمل على بتر واجتزاء كل ما هو قبيح ومخزٍ. كصنف من التزييف للذاكرة الوطنية.
إذن، ثمة هنا أكثر من مفارقة صادمة تظهر الشاعر بوجهين في قصيدة واحدة، هي قصيدته؛ فهو محطّم تماثيل، كما يصفه هنري ميلر، في «رامبو وزمن القتلة». وكائن منشقّ عن عقيدة الشعر حسب الوقائع الساخرة التي صاغها ميلان كونديرا، في روايته: «الحياة في مكان آخر». وبين الوجه الأول والثاني يظهر خلل أخلاقي، ليس في طبيعة الشعر؛ بل في تقلبات الشاعر من حيث إيمانه بنزاهة الكلمة. كما لو أن هناك قوى خفية هي ما تجبره أحيانًا، على خيانة نفسه والشعر وجماعته. ليتورط في هذا النمط من الخداع، والتنكيل بعظمة الشعر كقيمة إنسانية؛ ويعمل من ثم على تدمير ذاته، عوض تحطيم الأصنام.
داخل هذا الحشد المخزي من المفارقات العجيبة (هنا وهناك)؛ سيعترض السؤال بالضرورة، ليأخذ استدارة تاريخية حول مشهدنا الثقافي الليبي في عهد الاحتلال الإيطالي، بحثًا عن إجابة منصفة تسوّغ مديح شيخ الشعراء: «أحمد الشارف»، لدوتشي الفاشية: «بينيتو موسوليني» في أثناء زيارته إلى ليبيا، ربيع 1937. بقصيدة يقول في مستهلها: «بالحزم أصبح موسوليني مالكًا ... ثقةَ البلاد فأصبحتْ تهواه». وكانت تلك من أشد صدمات الذاكرة الوطنية عنفًا وألمًا، ولا سيما أننا إزاء قاضٍ عالمٍ بأمور الشرع، وشاعر مناضل، كرّس أكثر أشعاره بلاغة وقوة، لفعل المقاومة، منددًا بجرائم الاحتلال الإيطالي وطغيانه، ومحرضًا على الكفاح المسلح لتطهير البلاد من دنسه وجوره. فهل تبقّى بعدُ، أي شرف للكلمة وقد أعلنت خنوعها واستسلامها في مشهد مذل؟ كيف لنا أن نقنع تلامذة المدارس، أن مدّاح موسوليني، هو نفسه القائل: «رضينا بحتف النفوس رضينا ... ولم نرض أن يُعرف الضيم فينا»؟
ربما لأن الحياة أخيرًا، هي دائمًا في مكان آخر. حيث لا بقاء لشيء سوى المغزى من وجود كلمة نظيفة. الكلمة وحدها دليل التائهين بحثًا عن منابع الحق، لا مناجم الذهب. إذ ذاك كل ما هو صوت، وضوء، ورائحة، ومذاق، ودفق، يبدأ من وجود كتاب، وشجرة طيبة تنتظر. والسلام ختام.