وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

(طرابلس 1981)

(طرابلس 1981): مفتاح العماري يكتب: (طرابلس 1981) 

مع مطلع يناير العام 1981، كنتُ أحمل أكثر من قصيدة، في أثناء رحلتي الثانية إلى طرابلس كشاعر. إذ أتيح لي قبل ذلك بسبع سنوات اكتشاف بعض أسرار العاصمة، خلال إقامتي بإحدى معسكراتها بحيّ الفرناج. إذ ذاك كنت في طور التعلّم لأكثر من طريقة كمحاولة لفكّ شفرات المعلم: يوسف القويري. و«من مفكرة رجل لم يولد» أدركتُ ذلك الخفاء، الذي لا يطاله سوى من يحمل كتابا. وكانت تلك البوصلة (الكتاب)، أكثر من كافية لضخّ المزيد من الحماسة والشغف، سعيًا لكلّ مَا مِن شأنه إعانتي على محو جزء من أمّيتي، وبالأخص كتابة رسالة واحدة، دونما عثرات نحوية.

حتى ذلك الحين جبتُ أجزاء من ليبيا كانت مجهولة بالنسبة لي، وخضتُ معارك لا هوادة فيها. وأيضًا صغتُ أشعارًا وقصصًا وحكايات ومقالات، نُشر بعضُها في مجلة البيت الليبية، وبعضُها الآخر في مجلات كويتية. لهذا ستبدو لي العاصمة كما لو أنها مدينة أخرى. صحيح كانت الشوارع نفسها، والمعالم والميادين والمقاهي والمطاعم نفسها، والحدائق والأسواق ودور العرض نفسها؛ لكن ثمة مذاق أجمل بطعم الشعر.

ونكهات الخيال لحظة أن تكون القصيدة هي دليلك إلى أسرار الجمال وذاكرته. إذ ذاك كانت طرابلس مع كل خطوة تظهر كمدينة ترزح تحت ثقل ماضيها، وهذا ما يجعل حركتها بطيئة وغير قابلة للانفتاح على المعاصرة. ولعلها ستحتاج إلى وقت إضافي ريثما تُعنى بفضائها الثقافي؛ وترسّيخ بناه التحتية: مسارح ودور عرض ونشر ومطابع، وقاعات رسم وموسيقى، ومحافل ومنصات لخدمة الفن والإبداع.

في زيارتي تلك كانت الكاتبة والشاعرة فوزية شلابي أول شخصية ثقافية ألتقي بها، لأنها هي لا غيرها من فتح لي الباب، واستقبلتني بترحاب مرح، وأتاحت لي أكثر من فرصة للاقتراب من الصحافة الأدبية، واستعادة الثقة. حدث ذلك عندما تغلبتُ على خجلي، وغامرت بزيارة مقر صحيفة الجماهيرية. أتذكر: كان الوقت بعد ظهر ممطر. كنت قادما من مواقع تمركزات جيشنا في صحراء تشاد، وذلك بفضل قانون المصادفات العجيبة التي تآزرت جميعها في تهيئة أسباب رحلتي بطيران الشحن العسكري، من مدينة آتيا التشادية إلى الكفرة، ومن ثم إلى طرابلس.

كان داخلي يتلعثم، ولم يبق لدي سوى القليل من الكلمات التي ضاع نصفها حين ألفيتني وجهًا لوجه، إزاء كاتبة مشاكسة كنت أقرأ لها من بعيد، عبر مسافة ألف كيلومتر، خلف سياج معسكر الأبيار. وها نحن في لحظة مصافحة جاءت بفضل الشعر الذي ربّته الثكنات على اقتفاء الأثر، وتعاطف الحدس الطيب، ومشيئة أحلام الجندي، والشاعر الشاب، والتسكع في المطر، واليد التي فتحت الباب.

كذلك، مهدت لي تلك الزيارة الخاطفة التعرف إلى الشاعرة: فاطمة محمود، والرسام: محمد رضا، والأديب: رضوان أبوشويشة. وسأظلّ كشاعر، خلال علاقتي بالمشهد الثقافي أقف على مسافة منصفة، تفصل بين السياسي والشعري، كذلك بين الخاص والعام، لهذا ستظلّ علاقتي بأهل الأدب تحتفظ دائما بتلك الروح التي يمليها الإيمان بقداسة الكلمة، والاعتراف بكل ما هو أصيل وحقيقي.

وهكذا جلتُ في طرابلس كما يحلو لملك تائه؛ من قلعة السراي إلى أزقة المدينة القديمة، ومن باب البحر إلى باب الجديد، وصولا إلى باب الحرية وسوق المشير. واستمتعت بنكهة الحرايمي في مطعم شعبي، والقهوة المعطرة بالحبهان بمقهى الساعة. كانت طرابلس نظيفة بلا مرح، كما لو أنها خالية من السكان. فباستثناء وسط البلد بدت الحركة قليلة، ربما بسبب منع تجارة القطاع الخاص والاكتفاء بالأسواق المجمّعة. حيث لا أثر لدكاكين البقالة، ومحال الألبسة، مما جعل من معظم الشوارع الرئيسة شبه فارغة. فعقب مرحلة إلغاء خدمات القطاع الخاص باشرت مؤسسات الدولة المعنية بخدمات الاقتصاد والتجارة بتسيير مرافق التجارة العامة، واستيراد وتوزيع وعرض وبيع السلع.

وهي الفترة التي شهدت ظاهرة الأسواق المجمعة.

بالطبع تعثرت المدينة الكبيرة، ودخلت في طور من المتاه والارتباك الناتج عن اتخاذ مثل هكذا قرارات فجائية، نجم عنها إلغاء استيراد الكثير من السلع غير الأساسية حسب تصنيفات تلك المرحلة. حيث لا أثر للفواكه المستوردة، كالموز والتفاح والكمثرى ... إلخ.

كذلك قد انقرض أثر المكسرات بشتى فصائلها وأنواعها، والتي اختفت تمامًا من الأسواق الليبية. وجراء هذا الخبل غريب الأطوار؛ تكدست لدى مجتمعنا الليبي العديد من المشاكل والأزمات المفتعلة، لحظة أن تختفي فجأة من الأسواق وفي وقت واحد سلعٌ تموينيةٌ أساسيةٌ، مما دفع الناس إلى الوقوف في طوابير طويلة، أمام أبواب منشآت البيع العامة والأسواق المجمعة، من أجل الحصول على طبق بيض، أو كرتونة حليب، أو زيت، أو شاي؛ ناهيك عن أن السلع أخذت تتلاشى تناوبا..

فما إن يتوافر الحليب حتى يغيب الأرز، وحين يحضر الشاي ينقطع أثر السكر، وهكذا دواليك. حتى تفشت ظاهرة الطوابير التي وصفها أحدُ رموز اللجان الثورية (بالظاهرة الحضارية).

أجل، كنتُ في يناير 1981 أحمل أكثر من قصيدة. حيث كان لا بد من طرابلس، (المدينة العاصمة) التي ينصهر جمالها بألوان من الغموض والرهبة والخوف والتفاؤل. طرابلس التي وصفتها عالمة الفلك مابل تود، بأنها: «مدينة سحر، بيضاء كأحلام الجنة، مزركشة بحواشٍ من النخيل والزيتون، وذات جذور عميقة في ذكريات القرون».