وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه

ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه: مفتاح العماري يكتب: ابنُ الغبار إلى: علي الجعكي في ذكراه
_______________

قبل أربعين سنة ونيف، قرّبتنا طرابلس. كنتُ قادمًا من بلدة الأبيار، فيما جاء هو من مدينة الخمس. لنجتمع تحت سقف الكتابة بقاعة الإجدابي، ضمن المشاركين في الملتقى الأول للقصة القصيرة، الذي تنظمه رابطة الأدباء الليبيين. وذلك في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. قد لا أحتفظ الآن بشيء من قصته سوى تلك النبرة الحارة، وما تركته من إحساس اللحظة بأنها من سلالة أصيلة. مضى ذلك اللقاء دون أن نتجاذب من الحديث غير القليل من كلمات أمْلتها بروتوكولات المجاملة، ربّما بسبب الريبة، أو الخوف، أو الحذر.

ففي ذلك الحين كان الجوّ ملغومًا بكثير مِن التوجس. فلم تمضِ سوى بضعِ سنوات على اعتقال كتّاب الأسبوع الثقافي، كما أن مناورات الحرب الباردة ما تزال تعبّر عن ضغينتها بعجرفة معلنة، وقد ترجمتها في ذلك الملتقى هستيريا الانتقادات التي وُجهت للكتاب المشاركين؛ وبالأخص الشباب (على قلتهم)؛ سواء ما أثير من هرج داخل قاعة ابن الإجدابي، أو ما تداولته صحافة (الهتيفة) آنذاك، وبنبرة عدائية صاخبة تلوّح بشبهات التخوين. بينما أكثرها تسامحًا صرّح بسخرية: أن معظم قصص الملتقى لا علاقة لها بالأدب الجماهيري؛ وينبغي رميها في سلة المهملات.

وبالفعل كان الإهمال هو مصير كل إرث أدبي آثر أن يحتفظ باستقلاليته بعيدًا عن الجوقة المسعورة للهتيفة، قبل وبعد. ولهذا ظلّ (الجعكي) طوال حياته الوظيفية معلّم فصل، ثم موظفًا بقسم النشاط المدرسي.. حتى أُحيل إلى التقاعد. وقد عكست مسيرتُه ذلك العزوف عن الأضواء، ونواقل الصوت، وعدسات التصوير، وكلّ ما يمت بصلة لهذا الضرب من صخب الوسائط الإعلامية، بكافة أشكالها وهيئاتها ومؤسساتها. مفضلًا مزاولة الكتابة بقدر من الهدوء الصبور، الذي تكفله مكارمُ الظلّ، وحياةُ الهامش. متفانيًا بإخلاص لخدمة الكلمة النظيفة، في أكثر معاقلها جمالًا وبراءة. وكل ما فعله: أن حجز لنفسه مسافة آمنة، تقيه آفات التلوث الثقافي؛ وما يعجّ به مناخ الكتابة من فيروسات بشرية، تتلون حسبًا لتقلبات الطقس السياسي.

منذ ذلك الملتقى (الأول والأخير) للقصة القصيرة في ليبيا، لم ألقه مرة أخرى تحت أي سقف؛ إلا ما يجود به أحيانًا سقفُ القراءة؛ كلّما عثرتُ على كتاب له، أو قصة ضمن مقترحات أعداد مجلة «الفصول الأربعة» التي تصدرها رابطة الأدباء الليبيين. إلى أن فاجأني بريدي الإلكتروني بمخطوطة روايته اليتيمة، التي خصّني بها قبل نشرها. كان الحافزُ المشجّع على اتخاذ هكذا مبادرة صديقنا المشترك: الروائي والمترجم: مأمون الزايدي. حدث ذلك في منتصف سنة 2019م.

جاءت الرواية تحت عنوان مبدئي: «غبار وحياة أخرى»*؛ وقد انتهى من كتابتها فيما ليبيا حينذاك مشغولة بحربها ضد نفسها. حيث تنتشر مظاهرُ الخوف والظلام، و«صخب الموتى»**. ثم لا شيء بعدُ، سوى المزيد من الخوف والظلام، وصخب الموتى.

من أتيح له القرب من أدب (الجعكي) سيلاحظ دون مشقة خصائص جماليات السرد في إرثه (قصة ورواية)، وبالأخص إمكاناته في شعرنة عالمه المتخيل عبر تلك التوقيعات اللغوية التي تتسم بها بنية جملته السردية، مما يهب أسلوبه فرادة فنية تخصه وحده. فاللغة هي عامل الجذب في هكذا كتابة متفانية بإخلاص في تأكيد تحققها، حتى إنها حسبًا لتجلياتها تكاد تكون و(بامتياز) البطل الأول. مما يرسّخ مدى اشتغال كاتبها على مكامن الأبجدية؛ كما لو أنها وحدها لبُّ المعنى. هذا الضرب من الافتتان يذهب بالكاتب أحيانًا إلى حدّ الإفراط في التنقيب عن الشكل، بوصفه متن الكتاب، لا حمّال مغزى.

وحسب وقائع روايته المخطوطة، كانت العزلة هذه المرة تتمحور حول كائن (مسخ)، خرج من لدن لعنة ميتافيزيقية. وسيظهر للقارئ بداية من العتبة الأولى شديد الولع بالصعود إلى الجبل، سعيًا لما ينطوي عليه العلوّ من خفاء. حيث لا يسع القراءة سوى تمجيد آلة السرد والاعتراف بقدراتها في إيقاظ كل ما هو كامن، من حيوات، تتمثل في غربة الجسد والمكان واللغة، عندما تبرز أهم مظاهرها عنفًا وبشاعة عبر الكائن الذي ولد مسخًا. «لماذا يتحوّل حلمي إلى مسخ؟!!» تتساءل المرأة التي ولدته. حيث كل كلمة هنا (لا سيما المقاطع السبع الأولى)، تتعلق بتعميق عزلة مركّبة، متخمة بالكوابيس. بدت كلعنة يتوارثها الأسلاف في الصحراء قرنًا بعد آخر. فيما تأتي الرؤيا (كما تبدو) نشدانًا للخلاص الوحيد المتوخى، بالنسبة للكائن المسخ.

بالطبع سيختلف الشأن هنا عن مصير، «غريغور سامسا» مسخ (كافكا). وبالمثل فيما يتعلق بشبهته الذئبية التي لا تمت بأي صلة قربى لمخلوق (ديفيد معلوف) في روايته «حياة متخيلة». كذلك ما من شأن يجمع كائن الجعكي المشوّه، بسلالة المعتوه (بنجي)، في رواية «الصخب والعنف»، كما تخيله (وليم فوكنر). فقط، نحن إزاء كائن عزلة، صنعته صحراءُ ليبيا في أكثر أوصافها سرية ومهابة وجمالًا وغموضًا ووحشة. لعلّ المفارقة العجيبة هنا أن (مسخ الجعكي) سوف لن ينفك -وعلى مدى مائة وأربعين صفحة- عن استدراج عواطفنا؛ ولا سيما حين نصغي لحواره الداخلي مع نفسه.

كذلك سينتبه القارئ كيف تندرج (العزلة) من بين التيمات المتكررة؛ والتي تبرز بشكل واضح في قصته: «سرّ ما حدث للجدّ الكبير». الشيخ جامع الكتب من مخازن المهملات بمدارس المدينة، وذلك بعد أن تناهى لعلمه أن سياسة التعليم الأساسي، قد أقرّت إلغاء حصة (المكتبة) من جدول الدروس التعليمية. وظلّ هذا دأبه حتى فاضت شقته بشتى المصنفات، واكتظت إلى حدّ بدأت معه أجسادُ الكتب تتساقط عبر النوافذ إلى الشارع العام.. مما أثار حفيظة السكان، بين مَنْ رأى في نزول الكتب من السماء ضررًا فادحًا يهددُ رؤوسَ المارة؛ وبين من أخذه الفضول لرؤية شقة الشيخ التي لم تترك فيها الكتب للضيف مجالًا؛ وآخر أغراه الطمع، ظنًا منه أن مَن يحوز على مثل هكذا مكتبة ضخمة، لا بد مِن اكتنازه لثروة طائلة من المال.

وهكذا كان على الشيخ مكابدة عديد المنغصات التي أجبرته في آخر المطاف أن يلزم شقته ردحًا من الزمن، كمحبس طوعي، لا يبرحه ليل نهار؛ ذودًا عن مكتبته من عبث المتطفلين وأعداء القراءة. لعلّ هذه الغربة وشبيهاتها شكّلت الجزء العظيم من ألم الكاتب والأديب والمعلم: على الجعكي، عندما بدأ يقاسي الأمرين، جراء محنته الطويلة مع المرض، حتى وافاه الأجل في الحادي والعشرين من شهر أغسطس 2021م.

لكن بفضل تآزر اللغة، ووفاء المخيلة ولطفها، سيظل إرث (على الجعكي) حاضرًا بيننا؛ ما دام ثمة قراءة منصفة، وكتاب آمن، وشيء من الطمأنينة.

____________________

* عقب وفاته بأيام قليلة، تداولت بعض صحفنا المحلية بضعة أخبار، تفيد بقرب صدور رواية له، بعنوان «ابن الغبار». لكن حسب علمي ما من أثر بعدُ، يؤكد صحة ما نشر.

** عنوان أول مجموعة قصصية للكاتب الراحل: خليفة حسين مصطفى، صدرت سنة 1975م.