في يوم شديد البرد من فبراير 1948، وقف الزعيم الشيوعي «كليمان غوتوالد» عاري الرأس بشرفة قصر من قصور براغ، يعود للعصر الباروكي، ليخطب في مئات الآلاف من أبناء شعبه. لكن، ما إن بدأ الثلج يسقط، حتى بادر «كليمانتس» أحد رفاقه المخلصين، والرجل الثاني في قيادة الحزب بنزع قبعته عن رأسه، ليضعها بكل لطف على رأس القائد غوتوالد. «وهكذا بدأ التاريخ الشيوعي لبوهيميا من هذه الشرفة. كل الأطفال كانوا يعرفون هذه الصورة، لكثرة ما شاهدوها في الملصقات، أو في الكتب المدرسية أو في المتاحف». بعد هذا المشهد بأربع سنوات اتهم «كليمانتس» بالخيانة، وأعدم شنقًا. فقامت شعبةُ الدعاية بمحو أثره من التاريخ، وبطبيعة الحال من كل الصور الفوتوغرافية». (1)
مثل هكذا أحداث تبدو مألوفة جدًا في سيناريو الديكتاتوريات، حيث يعرف القادة الملهمون متى يرفعون شعارات العدل والحرية، وكيف يعملون في الوقت ذاته على ترجمة أفظع الجرائم قمعا وتنكيلا بالحريات. طالما لديهم من مؤهلات الخداع، ومواهب الغش، ما يكفي لتدمير القيم وقلب الدلالات بجدارة لا تضاهى. في أعمال «ميلان كونديرا» الروائية، تخضع ثيمة الخيانة لقانون العود الأبدي، لتشي على الدوام بذلك التداخل بين العام والخاص؛ وأيضًا كضرب من الكوميديا السوداء، لحظة أن تُبنى المأساة على لقطة عابرة.
كما تعكسه وقائع روايته «المزحة»، عندما يقوم شاب بكتابة بطاقة بريدية إلى صديقته، مصرّحا فيها بمناصرته لتروتسكي. لكن صديقته ستشي به للشرطة؛ مما يستدعي طرده من الحزب الشيوعي. وهنا يعيد كونديرا إنتاج الحادثة نفسها التي تسببت في طرده هو الآخر من الحزب الشيوعي، جراء رسالة كتبها لصديق، تتضمن نكتة حول مسؤول حكومي. أحيانًا تأخذ الخيانة شكلًا بريئًا، أو هكذا يضمر السرد تمريرها.
هذا النوع من الحفر الفلسفي العميق في طبائع الشخصيات، يطلق عليه كونديرا: التأمل الروائي. وسيظهر في أعماله الروائية على درجة عالية من الانسجام، تعكسها طريقته في كسر نمط السرد، وتقاليد الرواية المتعارف عليها. كذلك من حيث تنويع الخيانات. مما يحفزنا على الاستئناس بالرواية، كضرب من العيش الإضافي؛ بوصفها من أكثر الأنواع الأدبية هضمًا لتجربة الفرد في علاقته بنفسه والآخرين والطبيعة. ولكونها تملك مقومات خاصة على توظيف جملة من العلوم الإنسانية وصهرها داخل فضائها، كالفلسفة والتاريخ وعلمي النفس والاجتماع. وذلك من موقع السرد لا التنظير.
نشير هنا إلى بعض سرديات ميلان كونديرا، للتدليل على ما في الواقع من زيف السياسة والأدب؛ وذلك لقدرتها الفائقة على رصد وتأويل الهشاشة البشرية، والتي يمكن ترجمتها عبر ممارسات وأشكال عديدة ارتبطت بشخصياته الأكثر إثارة، كما هو حال الشاعر؛ حسبا لشخصية (ياروميل) في «الحياة في مكان آخر».
بحيث لا يمكن الاكتفاء بالتعرف على وهم الشعر وخديعته، من دون تتبع حياة كاملة، بداية من تلك النُطْفة. وكيف تعمل الظروف الخارجية على التأثير في تكوين مزاجها، وتضخيم إحساسها بعظمتها، تماما مثل تلك الظروف التي تتضافر لصناعة طاغية، عبر تنمية نرجسيته. وقد تحولت الهشاشة إلى مصدر قوة وخطر ماحق.
يولد (ياروميل) داخل علاقات أسرية تغمره بعناية مفرطة إلى حد الاستبداد، ليبدو معها كما لو أنه صدى لخطيئة مركّبة، أو مجرد حماقة ناجمة عن لحظة طيش، ونزوة فالتة بين رجل وامرأة. فمن طفل موهوب وذكي تحيطه أمه بحنان دافق، إلى كائن فائض عن الحاجة، غير ضروري، وغير مرئي، وغير فاعل، وهو من حيث موقعه الوجداني لا يعني شيئاً للآخرين، باستثناء نرجسيته، والمرأة التي ولدته.
وسط هذه القسوة، وهذا الثقل من الفراغ النفسي والاختناق العاطفي، تتشكل المقدمات الأولى لشخصية شاعر كونديرا، حسبا لقوى ودوافع خارجية؛ هي ما تحدد نمط لغته ومشاعره ومشيته، ليظل حتى سن المراهقة رهنا بما تقترحه الأم من كلمات وثياب وطعام وأمكنة.
ليخوض من بعد، تجربة الوهم والتي سيبدو خلالها كما لو أن مهنته الوحيدة هي النوم؛ متنقلا من حلم إلى آخر.
كائن يتحرك داخل حيز معلوم سلفا، دونما تجارب وخبرات راسخة، سوى ما يحيكه عالمه الضيق من نسيج هش. فقط، هو شاعر، لأن جزءا من نزوة الأم ارتبط بذلك الوهم السري الناجم عن ذاكرتها وحدها. ومن جراء هكذا عقد قد يتحول الشاعر إلى واشٍ، ليتسبب في تهلكة أقرب الناس إلى قلبه.
هذا النمط من الاختلال الأخلاقي ذكرني بجملة من المقالات، كتبها شاعر معروف في صحافتنا المحلية خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، والتي كانت أشبه بتقارير وشاية تستعدي السلطة الحاكمة ضد مجموعة بعينها من الكتاب الشباب، الذين كانوا حسب زعمه يقرأون كتبًا مهربة. موثقًا بذلك خيانة معلنة (مع سبق الإصرار والترصد)، وفي أكثر مستوياتها خزيا وقسوة. مما يجعلنا نتساءل عن الظروف القاهرة التي أحاطت بالشاعر حتى يكون واشيًا مفتريًا.
لربما هي الأسباب نفسها التي حرضت مثقفًا كبيرًا على التعاون مع العسكر الذين سبقوه إلى السلطة. من دون أن يجرؤ على التصريح بكلمة حق، ذودًا عن حرية الرأي، وضحاياها من زملائه الأدباء والكتاب الذين زُجّ بهم في السجن. فهل حقا أن المثقفين أسرة واحدة؟
في سنة 2008 نشرت مجلة تشيكية تقريرًا مطولا، يتهم الروائي: ميلان كونديرا، (حين كان طالبا)، بالوشاية ضد أحد طياري سلاح الجو التشيكي، كعميل لصالح المخابرات الأميركية. مما أدّى إلى محاكمة الطيار لخيانته. تعود هذه الواقعة إلى العام 1950. تهمة وصفها كونديرا، حسب «التايمز» البريطانية في 14 أكتوبر 2008 بأنها مجرد كذبة، ومحاولة لاغتيال كاتب. (2)
(1) ميلان كونديرا. كتاب الضحك والنسيان. ترجمة محمد التهامي العماري. المركز الثقافي العربي.
(2) «خيانة كونديرا التي لا تحتمل elaph.com»