وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى

المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى: مفتاح العماري يكتب: المتاهةُ وبصيرةُ الأعمى
_________________

من المفارقات العجيبة في دولة نفطية مثل ليبيا، أن تنجم مشيئة الظلام المستبد عن فخامة المنجزات الحميدة، لعودة الحياة الكريمة. هذا تحديدًا ما حمَّسني لاستدعاء بصيرة الأعمى. لأمسي كمن يفلّ الظلمة بصنوها، لعلّ في حكمة العمى ما يضيء متاهة الفوضى. لهذا يأتي الاتكاء على عكّاز راهب المعرفة: «خورخي لويس بورخيس»؛ محض حيلة بريئة للتغلب على هيمنة القتام. لكأن القرب من «مكتبة بابل» استعارة (من جهتي) للتضافر مع أزمة مكتبتي المنزلية؛ في مواجهة عتمة العاصمة طرابلس، التي أمست تخضع لشبه إظلام عام، سبّب تعطّل الحياة، وبصورة خاصة ضخّ المياه لبيوت الأسر الفقيرة، العاجزة عن تأمين قوت يومها؛ فما بالك بمولدات الكهرباء.

لا ريب أن القرب من أدب بورخيس ليس براءً من شبهة المتاهة نفسها التي اقترفها هذا الناسك، عبر تسكّعه داخل أقاليم مكتبة كونية، عُرفت باسم «مكتبة بابل» أو «سداسية بابل» - الفردوس الافتراضي - الذي نجم عنه الإغواء المتخيّل ذاته، كسلطان لنشوة القراءة، ومصدر لسعادة سحرية. حيث تعتبر المكتبة، كما هو معلوم لدى قراء هذا الكاتب الموسوس بالمعرفة، مشروعًا للخلق؛ لتنطلق الكتابة شعرًا ونثرًا من هكذا عالم افتراضي؛ بوصفه نظامًا فريدًا لتداخل المتون والأزمنة واللغات والشموس.

وهنا لا تقف المسألة عند حدود إعادة إنتاج المقروء، كضرب من عملية الخلق، أو التأويل؛ وإنما لتكتشف فراغًا داخل فراغ. وكل فراغ سيحتاج دائمًا (كما يبدو)، إلى إضافة أسماء وأفعال وإشارات وكائنات مجهولة؛ لكي يُوهب دون توقف فضيلة النور، التي تتعلق بإيقاظ حيوات، وبعثها من جديد؛ لتستأنف دورتها الشمسية بلا نهاية.

كما لو أنه - أي بورخيس - قد أدرك بفطرته أن النصوص التي كتبها الأوائل، لا ينبغي تركها مركونة لعتاقة الظلّ وسطوة الغبار، بوصفها إرثًا ينتمي لماضٍ عريق وكفى؛ بل إن إنصاف ذاكرة الأدب يقتضي بالضرورة جعلها على الدوام نابضة بالحياة؛ وقادرة في آن على مشاركتنا لغتنا وأحلامنا ولحظتنا الراهنة؛ لا محض أيقونات على حائط التاريخ. فمهما تقادم زمن الكتابة سيحتفظ بطاقة ما، تكفل له حق العبور باتجاه الضوء. لهذا كان العالم الافتراضي في «سداسية بابل» يقود إلى الواقع؛ ليغدو جزءًا من الحقيقة. وحتى عندما يلجأ بورخيس إلى اختراع كتب ومؤلفين وفلاسفة؛ ويسبغ على كائنات الوهم تلك، أسماء وتواريخ وعناوين؛ سيبدو كل شيء كما لو كان حقيقيًا.

لعل شغف بورخيس المبكر بقراءة «سيرفانتس» كان محرضًا له على خوض مغامرة الكتابة؛ لينجز قصته الأولى دون عمر السابعة. فمنذ ذاك تنامى ولعه بقراءة كلاسيكيات الأدب العالمي؛ بما في ذلك التراث العربي؛ حيث كان لحكايات «ألف ليلة وليلة» تأثيرها الواضح على تحريك مخيلته. هذا الولع المبكر بفاعلية القراءة، وتحويل المقروء إلى كائنات حية؛ يُعزى للحافز الأكبر الذي شكلته الكلاسيكيات المركزية، كمحرّض شجّعه على التآلف مع مكتبته الكونية، لتشغل حيزًا كبيرًا من شغفه ووقته وحكاياته. بحيث كان لها الفضل في تحولاته من بعد. ليغدو مع مرور الأيام عابدًا استثنائيًا للكتب. وستبرهن مسيرته ككاتب استثنائي، على إرساء نسق يخصّه وحده؛ وقد عمل على صهر الكتابة والقراءة، في جسد واحد.

لذا كلما حاولتُ القرب من أدبه أجدني إزاء سؤال محير، يتعلق تحديدًا بهوية النصّ. مسوّغ هذا السؤال أن معظم المنجز السردي لبورخيس، يُخفي داخله نصًّا آخر. والمسألة برمتها لا تتعلق بما هو شائع من أنماط التناص الكتابي، وإنما بتفعيل المقروء، وإخضاعه من ثم لتشكّلات جديدة، ليس بوصفها مادة خام قابلة لإعادة تدوير، أو مصدر إلهام فحسب؛ وإنما سعيًا لإيقاظ إرادتها على فعل المزيد من الكشف والإضافة؛ حتى إنه كمؤلف لا ينفك غالبًا عن اجترار حفنة من الرموز والعلامات. مع ضرورة الإشارة إلى أن هكذا صنف استثنائي من التكريس لا يعدّ تكرارًا، طالما اللحظة ليست هي نفسها. ونحن هنا لا نشير إلى الزمن بوصفه حركة ميكانيكية، وإنما كصيرورة للتراكم المعرفي.

كان بورخيس يضع نفسه في مرتبة القارئ لا الكاتب، باعتبار أن معظم مؤلفاته شعرًا ونثرًا ناجمة عن تأثير قراءة سابقة، حتى وهي في أكثر أحوالها ذاتية ستظل شاسعة بحجم إمبراطورية من الكتب. مما سوّغ له التمهيد لعدّة مفاهيم نقدية، تعلّقت تحديدًا بانفتاح النص على التفاعل مع القراءة والكتابة في آن واحد.

صحيح، قد يتعذر العثور على قارئ بنفس الهوس الذي يغذي شغف القراءة المرجوة لدى بورخيس. ومع ذلك ستبقى ضرورة قراءة مقترحات معلم السرد مسألة ملحّة، وغير قابلة للتوقف؛ ولا سيما أن تناصاته ستفضي باستمرار إلى كتابة مغايرة تهضم السابق، وتنفتح على ما هو لاحق. فضلًا عن قابليتها لتعدد التأويل، وانفتاح أنساقها من ثم على توظيف وتجديد أكثر الأساليب غرابة، مثل الفنتازيا، والتهكّم المضمر.

هذه السمات وغيرها هي التي جعلت من بورخيس الساحر الذي أسهم في تجديد أدب اللغة اللاتينية، وغيرها من لغات أدب عالمنا المعاصر. علاوة على أنه سيحتفظ دائمًا بتلك المأثرة التي تعيد الكرامة للكتاب. ففي «الدنوّ من المعتصم»، كما في «الألف»، و«المرايا»، و«مكتبة بابل»، وغير ذلك من القصص، ستتخذ الحكاية عدة أوجه فلسفية عميقة الغور، حُمّلت بحساسية أكثر شاعرية وتلطّفًا. لهذا ظلت آثاره مشروع اكتشاف وتأمّل دائمين، ورفقة لا تُملّ.

وعلى الرغم من أن بورخيس صانع أصيل؛ إلا أنه لم ينفك، حتى آخر يوم من حياته، عن تأثيث «مكتبة بابل» بأشكالها السداسية، كما لو أنها خلية نحل تكتظ بكل ما أنتجته البشرية من كتب عظيمة، والتي على الرغم من خوارزمياتها ستظل صنيعة متاهة. وهذا ما تخطته الذاكرة الرقمية لمكتبة العولمة فيما بعد؛ حيث يمكن حملها ضمن محتويات الجيب بكل يسر؛ فقط يتطلب الأمر القليل من الضوء. هذا كل شيء.