وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

عندما تنحرف الثورات

عندما تنحرف الثورات: مفتاح العماري يكتب: عندما تنحرف الثورات

هل تنتصر الثورة بإطاحة نظام، وتغيير أعلام وأناشيد وشعارات، أم عبر التمسّك بنبل أهدافها، وترجمتها على أرض الواقع.. انطلاقا من سياسات العمل الطموح، سعيا منها لإرساء ثقافة بديلة، على أنقاض ما تم تقويضه؛ إرساء معايير المواطنة الكريمة، التي تنعم بحماية القانون، وقيم التسامح والتكافل والعطاء، والتطلع إلى الحداثة، وخلق كافة المحفزات لحرية التفكير، وتعاطي العلم والتنوير، بإرادة واثقة ومستمرة للتنمية والبناء.

والآن، فيما تفصلنا بضعة أيام عن ذكرى يوم التحرير (23 أكتوبر). كمناسبة لدحر الطغيان والتي تقتضي بالطبيعة الترحم على من ضحوا بأرواحهم من أجل الحرية، وتذكير أنفسنا، بضرورة التشبث بأهداف ثورة الشباب، بعد مضي عقد ونصف العقد من انطلاقها، حتى لا تبقى مجرد (حبر على ورق). وهي لا ريب، أهداف نبيلة وسامية تدعو، (كما ورد في بيانها الأول) إلى «التمسك بالوحدة الوطنية، ولحمة النسيج الاجتماعي، وروح التضامن والتعاون والوئام، ونبذ كل النزعات المصلحية والأنانية والشخصية النفعية، والجهوية، والقبلية الضيقة، التي تعوق تقدمنا الاجتماعي والسياسي، ونبذ كل مظاهر التطرف والانتقام والعنف، والتمسك بقيم العدل والوسطية والتسامح».

ففي الثالث والعشرين من أكتوبر 2011، وتحديدًا بساحة الكيش في مدينة بنغازي؛ استهل رئيس المجلس الانتقالي، المستشار «مصطفى عبد الجليل» كلمته بمناسبة إعلان التحرير، مشددا على وقف إطلاق النار، باعتباره حسب قوله: «أمر محرّم، وفيه مساس وإضرار بالمدنيين». كانت تلك إشارة أولى لخطورة العبث بالسلاح وفوضى انتشاره. يفهم منها، أن وجود بندقية واحدة خارج السيطرة سيقوض، أو يعطل مسار تأسيس دولة الدستور المنتظرة والتي يعول عليها الليبيون الأحرار، من أجل تأمين استقرارهم الأمني، ووحدة وطنهم، وتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية، والتحول إلى ما هو أفضل.

لأن وجود قطعة سلاح واحدة خارج سيطرة الدولة، سيشكل عنفا موازيا، لا يؤتمن، من حيث تهديده لاستقرار البلاد وأمنها المجتمعي. لهذا كانت معضلة انفلات السلاح من أصعب الاختبارات، وأكثر الأزمات خطورة، ما سبّب انحراف ثورة 17 فبراير، وإرباك مسيرتها، وتشتيت أهدافها ورؤاها، وعدم قدرتها على حسم مواقفها لصالح شعبها. ربما حدث ذلك جراء ضعف إرادة السلطات التشريعية والتنفيذية، أو تباطؤها من حيث إقران القول بالعمل الجاد؛ قبل أن تستفحل ظاهرة التشكيلات المسلحة.

من هنا تقوّض أول المبادئ التي رفعتها ثورة 17 فبراير ليُقْلب رأسا على عقب. فعوضًا عن التمسك بوحدة الوطن، تحولت ليبيا إلى شتات عظيم يتعذر جمعه؛ وقد انقسمت إداراتها وهياكلها، وتشظت أزماتها، إلى حد أن قياداتها السياسية والعسكرية باتت عاجزة عن عقد جلسة تفاوض واحدة في أي بقعة آمنة من ترابها، لتستقبلهم قاعات وفنادق بلدان عربية وأوروبية. برعاية، وربما (وصاية) أطراف خارجية. هذا الضرب من التخبط والارتباك، سوف لن يقتصر على رقعة السياسيين وحدهم بل ستنسحب مجرياته على عديد الحوارات الأخرى؛ بما فيها حوار كرة القدم لتقام مباريات نهائي (الدوري الممتاز)، أو (كأس ليبيا) خارج الحدود، بملاعب تونس ومصر وإيطاليا.

عناوين كثيرة تتداخل في توصيف انحراف ثورتنا وإفسادها. تقتضي الإحاطة بكل منها، تدوين كتب مستقلة إذا شئنا؛ بعد أن تنوعت مظاهرها، وتعددت بأساليب شتى، وقد تسللت إلى معاقلها، وغرف عملياتها، وأجهزتها، ودوائرها السيادية، كائنات جاهلة، أو مشبوهة، أو هي غير مؤهلة لإدارة المرحلة. ولا سيما حين تفشت عقلية الغنيمة، إلى حد اللعب (ع المكشوف).

لهذا ليس من المستغرب أن يفقد (رقّاد الريح)، حماسة الاحتفاء بهكذا ذكرى مجيدة، وقد أمسوا مهددين في مقدرات عيشهم وأمنهم. والذين أدركوا بحدسهم، أن الثورة ما تلبث أن تفسد، وتنحرف عن أخلاقها، حين تخون مبادئها وأهدافها وشعاراتها الإنسانية/ حين تعيد تدوير المتاهة نفسها، وتسويق الأوهام نفسها، ورفع الشعارات الصاخبة نفسها، دونما خارطة طريق، أو بوصلة تدلها على درب آمن باتجاه (دولة القانون). عاجزة عن مراجعة أخطائها، ومحاسبة (لصوص المال العام)/ حين يتواطأ رموزها، في العبث بمقدرات الوطن وثرواته/ وحين يقف قادتها كالمتفرج الأخرس إزاء تجويع العباد وإفقارهم وتجهيلهم وإذلالهم، والحد من حريتهم. حينذاك كيف يمكن الهتاف احتفاءً بذكرى التحرير، بأفواه جائعة؛ فأي عدالة هذه التي تتفاوت فيها رواتب القطاع العام، وقد تفاقمت فجوتها بين فرد وآخر، لتبلغ خمسين ضعفا، أو أكثر. فثمة بون شاسع بين من يلعبون بالثروة والسلاح، ومن يقفون لساعات طوال في طوابير الوقود والخبز والمصارف.

إذن: تنتصرُ الثوراتُ، وتبلغُ أقصى درجات مداها نزاهةً وأخلاقًا عندما تُوقظ فينا إنسانيتنا. الثورةُ إنسانٌ يحلمُ، ويفكّرُ، ويعملُ ويُحب. من هذا النبل نستلهمُ نقاءَ الثورات وفضائلها ونِعَمها ولطفها وجمالها ورحمتها، ومعجزاتها أيضًا؛ عندما يخرج الحيُّ من الميت، والطيب من الخبيث. فما الثورة سوى إرادة كلمةٍ وسلالة دم. ثمة من ضحّى بحياته لكي يُمهّد لنا طريقًا آمنة للحرية. وثمة من فقد أطرافَه، ليشقّ لنا قنوات وممرات ومسارب سالكة في جبال صلدة، حتى تكسّرت عظامه. وثمة أيضًا من اختار أن يواصل حياته، ضريراً ومعاقاً؛ يتوكأ على عكاكيز، أو يتنقّل بواسطة كراس متحركة؛ ظنا منه بأننا سننعم أخيراً بحياةٍ حرّة ومستقبل واعد بالخير.

فأين ذهبت كل تلك التضحيات والشعارات والخطب والموسيقى والزغاريد والأناشيد والقصائد الحماسية. أين هي الثورة المنتصرة يا سادة، حتى نحتفي بذكرى تحريرنا، ونهتف مرة أخرى: نعم لوحدة الوطن، وألف مرحى «لروح التضامن والتعاون والوئام، ونبذ كل النزعات المصلحية والأنانية والشخصية النفعية، والجهوية، والقبلية الضيقة، التي تعوق تقدمنا الاجتماعي والسياسي، ونبذ كل مظاهر التطرف والانتقام والعنف، والتمسك بقيم العدل والوسطية والتسامح». والسلام ختام