وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

خيانات صديقة (4)

خيانات صديقة (4): مفتاح العماري يكتب: خيانات صديقة (4)

تبدأ حياة نيرودا بموت المرأة التي ولدته، حيث لم يبلغ الشهرين بعد؛ حين لفظت آخر أنفاسها جراء تأثير داء السل. هكذا كانت خاتمة أول النساء وأقربهن لقلب الشاعر، أمه التي لم يَعرف عنها شيئًا سوى ما انطوى عليه ذلك الصندوق من روائح وألوان، تشي بها ثياب وأدوات زينة. من هذا الفقد الغامض سيثابر الشاعر على العيش بأكثر من قناع، ولغة، ووجه، واسم، وامرأة، ومدينة، وبيت. مسيرة ثرية بالمغامرة والاكتشاف والسفر والكتابة والنضال والمجد.

منذ اللحظة تلك التي شهدت فتح صندوق الأم الميتة؛ سيتلقى الشاعر أولى الإشارات التي ستدله على اقتناص أكثر الاستعارات بلاغة في صناعة الشعر والجمال. لينقض على الحياة بنهم، ومتع إضافية في اشتهاء الطعام والتفنن في طهيه، يخبر أنواع السمك والنبيذ، وإقامة الولائم والحفلات، وسهرات الأصدقاء، لكأنه بداية من ذلك الصندوق قد عكف على تنضيد الاستعارات التي تخدم إرثه الشخصيّ والتي - كما أشرت - لن تقف عند حدود الكلمات فحسب؛ وإنما ستنسحب على علاقاته بالنساء والسفر والسياسة. ليتوارى خلف قناع مجازي، يعرّي حقائق، ويحجب أخرى. حتى أشعاره الشابة سينشرها من وراء ظهر أبيه الذي لا يرى في كتابة الشعر مهنة للعيش. ومذ ذاك سيختفي الشاعر خلف جاذبية الاسم المستعار، (بابلو نيرودا)، عوضا عن اسمه الحقيقي.

عندما بدأ يحلم بالسفر إلى بلدان بعيدة، ليجمع بين صفتي الشاعر والدبلوماسي، ظل قرابة عامين يتردد على وزارة خارجية بسانتياغو دونما جدوى، الى أن قادته الحيلة للاستعانة بصديق من عائلة مرموقة كي يتوسط له لدى وزير خارجية بلده، ليفوز في الثالثة والعشرين من عمره بقرار تعيينه قنصلا. ومع ذلك لم يتورع القنصل الشاب خلال إقامته في (سيلان) عن اغتصاب خادمة مستضعفة من (التاميل)، جاءت لتنظيف غرفته، فانتهكها -كما يروي في مذكراته- بكل براءة الشاعر ونبله.

بعد ذلك بعقدين ونيف، وقد وجد نفسه ملاحقا بتهمة الخيانة من شرطة بلده؛ سيهرب على ظهر حصان، عابرًا جبال الأنديز، حتى حدود الأرجنتين. التي سيغادرها الى أوربا، متنكرًا بشخصية وجواز سفر الكاتب الغواتيمالي: «ميغيل أنخيل أستورياس»، صاحب رواية «السيد الرئيس»، لوجود شبه بينهما.

أقنعة لا عديد لها استعملها بابلو نيرودا، لكي يظل على الدوام في بقعة الضوء، شاعر صخب ومؤتمرات. نجح إلى حد بعيد في الربط بين نخبوية الشعر وشعبويته، بين الأدب والسياسة، بين الشيوعي شاعر العمال والمضطهدين أينما كانوا، والدبلوماسي المحبوب من الجميع والذي يملك ثلاثة منازل فاخرة. كان التفنن في ابتكار الأقنعة جزءًا حيويًا من انهمامه بصناعة الشعر والحياة. لتجتمع في سلوكه جملة متناقضات: النبل والخداع، والإخلاص والمجون، والصدق والكذب؛ وإن ظل على الدوام مناهضًا لحكم العسكر، وأنظمة الفاشية في بلده والعالم. كتب عن الحرية، والعدل، والحب. ومنح صوته للمغبونين؛ لكنه لم يترك في قلبه متسعا لإيواء طفلته المريضة.

في إندونيسيا، يلتقي القنصل الشاب بفتاة هولندية تنحدر من أرومة إندونيسية، تدعى «ماريا أنطونيتا هاغينار» المعروفة بماروكا. ستكون هي الزوجة الأولى لبابلو نيرودا. وسوف تثمر هذه العشرة عن ولادة طفلتهما البكر «مالفا»؛ الاسم الذي أطلقه عليها الشاعر: اسم زهرة مفضلة لديه، كانت تنبت على ضفاف الشواطئ. ولعله قد بيت في نفسه أيضًا، بأن يكون اسم ابنته البكر من سلالة الأزاهير، كتكريم منه لذكرى امه البيولوجية: «روزا». لكن ما أن يقف على عاهة ابنته المصابة بداء استسقاء الرأس؛ حتى يتنكر لها بطريقة في غاية القسوة. متخليا عن مسؤوليته كأب، بضرورة رعايتها والإنفاق عليها؛ حين يهجرها، لتبقى مع أمها ردحًا من الزمن، ثم تُترك بعد ذلك في عهدة عائلة هولندية، بمدينة خودا.

ربما لم يشأ الشاعر أن يكرس نفسه للاعتناء بابنة معوقة، يتطلب علاجها مثابرة دقيقة؛ خشية منه أن يأتي ذلك على حساب شهرته ومجده كشاعر وسياسي. لذا نبذ الصغيرة المعاقة وأمها. من دون حتى أن يعبأ بتقديم إعانة مالية تساعد على استمرارية العلاج والعيش. هذه الجزئية الكريهة سيصعب معها قراءة شعر بابلو نيرودا بالحماسة نفسها، قبل التعرف على مأساة الصغيرة «مالفا مارينا»، التي ماتت بعد ثماني سنوات، لتدفن في مقبرة بهولندا. ولم يحضر جنازتها سوى بضعة أشخاص بعدد أصابع اليد الواحدة.

ما كان لهذه الحقيقة أن تظهر على هذا النحو من البيان، لو لم يعثر على قبر الضحية بمحض المصادفة وحدها. ففي عام 2004 حدث في مدينة «خودا» الهولندية، أن اكتشف أحدهم المقبرة التي تضم رفاة «مالفا مارينا». لتظهر الحقيقة على الملأ، بعد عقد من الزمان بهيئة رواية، صاغتها الشاعرة الهولندية: «هاخر بيترز». والتي ستروى بلسان طفلة ميتة؛ أي الضحية نفسها، بعد مضي قرابة سبعين سنة من رحيلها إلى الأبدية. وهي ليست مجرد عتاب، أو اعتراف متأخر بجريمة الشاعر وخيانته؛ بل كوثيقة مهمة لفهم طبيعة الإنسان الذي مهما كان خيّرا، لكنه في الآن نفسه، لا يخلو من آفة الشر. هكذا يمكننا - دون مواربة- الاقتراب من شخصية الشاعر الإنسان، في تكاملها. هذه هي الحقيقة التي يمكننا هضمها رغم مرارتها؛ من دون التقليل من أهمية نيرودا شاعرًا ومناضلًا.

صحيح، سنتعرف في رواية «مالفا» على الوجه الخفي للشاعر: بابلو نيرودا، الذي منح صوته للعمال والمستضعفين، للظلال والطيور، للمطر والغابات والثلج والرياح، دون أن يخص طفلته الهشة بكلمة واحدة. فكانت تلك من أكثر مثالب الشاعر العالمي والمناضل الشهير، قسوة وتطرفًا، الى الحد الذي يتعذّر فيه التسامح معها.

في حياة الأبدية ستلتقي (مالفا)، بعديد الأطفال من فصيلة المستضعفين والمنبوذين، الذين تخلى عنهم أهلهم، ليقضوا ما تبقى من حياتهم في عهدة دور الرعاية أو المصحات. منهم الافتراضي الذي ولدته المخيلة، ومنهم الواقعي. ربما لكي تجد بعض العزاء، أو هي حين تقترب من هؤلاء؛ فإنها بذلك تقترب من أبيها الذي لا تعرفه، لكي تعرفه. بحيث يلخص الدنو من الأشباه، والتحدث إليهم، جزءا من الحقيقة الغامضة التي يتعذر فك بعض أسرارها دون سماع صوت الضحايا الذين لا صوت لهم. بحيث تتكفل الكاتبة على لسان مالفا، بأن تهبهم الصوت الذي يعبّرون من خلاله عما لحقهم من ضيم القربى.

الأدب مثل الحياة تمامًا، دائمًا ثمة منطقة متطرفة. وسواء تعلق الأمر بالشعر أو النثر، ما من براءة كاملة يمكن الاعتداد بها، طالما على الدوام هناك أوساخ تعتور نقاء القيمة. كمعدن الذهب الذي مهما حاولنا فصل ما علق به من شوائب تنتمي لأجسام غريبة؛ فلن نحصل على ذهب بنقاء خالص. الشأن نفسه ينسحب هنا على أكثر معاقل الأدب براءة؛ لحظة أن تطال التشوهات، مسيرة أحد أشهر رموز الأدب العالمي في القرن العشرين، شاعر الشيلي، الحائز على جائزة نوبل: بابلو نيرودا.