وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها

انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها: مفتاح العماري يكتب: انتصارُ الهامش.. موتُ اللغة وحياتها

«الألفاظُ خدمُ المعاني»
-عبد القاهر الجرجاني-

------------------  
إن صعود نوع أدبي وسقوط نوع آخر مرتهن بتفسخ اللغة؛ فموت الشعر مؤداه موت اللغة نفسها التي صاغته؛ كونها بالطبيعة لمْ تعد قادرة على التقاط وإيواء وهضم أسئلة لحظتها الراهنة، والاستجابة مِن ثم لتلبية متطلبات التلقي. وعلى سبيل المثال ندلل هنا بموت سردية المقامة التي انتهت صلاحيتها بانتهاء قدرات بنية لغتها المهجورة على التعبير؛ لتمسي من ثم في عداد الموتى. ذلك لأن اللغة ليست محض وسيلة تعبير فحسب؛ بل منظومة للسرديات، بما فيها الأدب بشتى أجناسه، ولا سيما الرواية التي تستمد بقاءها واستمراريتها من فاعلية اللغة الطازجة والحارة التي تبلور نشاط الخيال، والتفكير، والحلم، والتفاهم اليومي؛ أي تلك التي يتكلمها الناس؛ وليس الفائض المهجور من تركة المعاجم.

يشير، محمد عابد الجابري، في كتابه: تكوين العقل العربي: «أن قاموس لسان العرب، وهو أضخم وأغنى قاموس في اللغة العربية، لا ينقل إلينا على ضخامة حجمه، أسماء الأشياء الطبيعية والصناعية». لعل هذا ما حفز الرواية على استثمار لغة (الكلام) كآلية رئيسة في آليات الذهن، ومبادرة إدماجها بلغة الكتابة؛ فالروائي الأكثر إبداعاً وأصالة هو من يتفطّن لذخيرة اللغة في حيزها الحيوي لتأثيث فضائه الروائي، اعتماداً على مرجعية لغة الأدب الشعبي، حتى يمكنه كسر سلطة اللغة الجامدة التي أنتجتها المؤسسة.

كان من شأن هذه التأملات إيقاظ جملة من الأسئلة القلقة، والتي تنصب حول صلة الرحم الوثيقة بين السرد الروائي ولغة الكلام، أي لغتنا اليومية التي نتداولها ونتواصل عبرها في واقعنا المَعِيش، وما وراءه. ولطالما شكلت لي هكذا أسئلة هاجساً شخصياً في مسيرتي ككاتب، وذلك منذ عشرية ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث تواترت بطريقة وأخرى في لقاءات وحوارات انصبت حول تجربتي الأدبية، وبالمثل في جملة من مقالات كتبتها بصحافتنا المحلية، اندرج بعضها ضمن مقترحات كتبي المنشغلة بهموم الكتابة وقضاياها. وكمحاولة مني لإرواء الأسئلة نفسها، سأبدأ من حيث انتهيت قبل ثلاثين سنة؛ وقد دونت جملة ملاحظات في مقالة اندرجت ضمن مقترحات كتابي «فعل القراءة والتأويل»، استلهمت أفكارها من مقولات ميخائيل باختين، التي استخلصتها من كتاب صغير الحجم صدر عن معهد الإنماء العربي بوسم «الملحمة والرواية». ولا سيما أن باختين، يعتبر من أهم المؤسسين لنظرية الرواية، والقبض على المرتكزات والشروط اللغوية والاجتماعية التي ساهمت في صعودها.

نظر باختين إلى الرواية في سيرورتها كحالة استثناء لعمارة نصية، هي على الدوام غير منجزة؛ خلافاً للأنواع الأدبية الأخرى المكتملة. مما يجعلها دونما توقف قيد التشكّل والتحوّل؛ بوصفها «النوع الأدبي الوحيد الذي لا يزال في طور التكوين، والنوع الوحيد الذي لم يكتمل بعد» وأنها تعمل باستمرار على تجديد أدوات حقيبتها السردية الخاصة بها لصياغة فضائها بما ينسجم مع ابتكارات لغة الشارع، انسجاماً مع ناموس التطور وما ينجم عنه من تغير في حساسية الذائقة.

فالرواية كما يقول باختين: «على خلاف الأنواع الأدبية الأخرى لا تمتلك قوانين خاصة - وما هو فعال تاريخياً يتشكل من عدة نماذج روائية - وليس من القواعد الروائية بحد ذاتها - ويمكننا مقارنة دراسة الأنواع الأدبية الأخرى بدراسة اللغات الميتة، أما دراسة الرواية فنقارنها بدراسة اللغة الحية الشابة». التي تحجب أكثر مما تكشف. تخفي التمرد والعصيان، وتساعد على إثارة السجال بين البشر. ودائماً تترك فراغاً يملؤه القارئ.

يولي هذا التصور أهمية خاصة للغة ضمن خلاصاتها المنتصرة، التي ظفرت بها إثر معركتها الدائمة مع نفسها والتاريخ. اللغة في نظرتها المنصفة للهامش كجزء حيوي من المتن، كما صاغها حكاء الشعب، لا شاعر البلاط.. هذا ما يُرجّح ارتباط مسألة صعود الرواية بشرط تجدد حياة اللغة، التي رفعت من شأن السرد الروائي، وأسهمت في تحولاته. وهي أكثر تأثيراً مِن الظواهر السياسية والعسكرية، كما يذهب إلى ذلك بعض المحللين من النقاد العرب الذين يعزون التحولات الأدبية الكبرى لعوامل سياسية وعسكرية مثل هزيمة يونيو 1967، وما تلاها من خيبة القومية العربية، وأحزاب اليسار؛ وما تمخّض عن هذا السياق من تأويلات تجعل من الأدب تابعاً للسياسة.

نستنتج مما تقدم أن حداثة اللغة، وقدرتها المستمرة على تجديد نفسها شكلت العامل الأساس في انتصار مخيلة السرد الروائي؛ وفي الوقت نفسه أدت إلى تقويض الشعر التقليدي باعتباره رمزاً للغة متكلسة، بطيئة النمو. وأن البقاء سيكون دائماً للغة الحية كمنظومة شابة تنطوي على قدرات غير محدودة تؤهلها لإعادة إنتاج نفسها، والتقاط وهضم أسئلة الواقع، وتحويلها من ثم إلى أنساق سردية لإبداع كتابي متخيل. وهي لا تستمد قيمتها من معايير نحوها وصرفها، أو ما تزخر به مناجمها من ذخائر الإعجاز، وإنما يكمن الفضل أساساً في كونها تمثل انعكاساً للواقع، لا ما وراء الواقع. لغة عيش، وحركة، وقلق اللحظة الماثلة؛ لا لغة أساطير وأزمنة بائدة. لغة ناسوت، لا لغة لاهوت.
تقع الرواية اليوم، وبرسوخ متعدّد في مرتبة الصدارة عالمياً، لتتبوأ المكانة الأسمى التي كانت قبل ذلك حكراً على الشعر وحده. لكأن الإطار الثقافي المجتمعي بشكل عام جعل مستويات الذائقة أكثر تقبلا واستجابة للسرد منها إلى الشعر. ولا أريد هنا الخوض أكثر في تفاصيل هذه النقطة، وسأكتفي بتأكيد أن اللغة كأداة كتابة شكلت عاملاً محفزاً وداعماً على انتصار مخيلة السرد.

يقول (ميشيل فوكو) في الفصل الثاني من كتابه، الكلمات والأشياء: «إن اللغة ستنمو دون إقلاع ودون نهاية محددة ودون موعد». وهذا تحديداً ما صنعته الرواية باعتبارها غير قابلة للتقنين الجامد، والتأطير المدرسي. الأمر الذي ساعدها على التجنّح بعيداً عبر آفاق المخيلة؛ من دون أن تقف عند حدود التشريط الأيديولوجي.
لأن الرواية في الأساس تتشكل من لحمة لغة المحكي. وتتشابك مع الواقع توخيا للممكن. وهي إذ تنضد تيمات القص لخلق نوع من التماسك السردي، تفكك في الآن نفسه هيكلية المرئي الماثل، وتعيد تكوينه وفق منطقها الخاص بها، الذي يختلف بين كتابة وأخرى؛ فلكل رواية منطقها الخاص بها.
من هنا أصبحت لغة الحكاية، التي نجمت عن تفسخ اللغة الرسمية، من أهم العوامل المؤسسة للعمل الروائي.