الرواية العربية وجدل البدايات
من أرض النيل تبدأ حكاية شهرزاد الجديدة. لكن قبل أن نقتفي أثر المخيلة، علينا أولًا إلقاء نظرة سريعة حول فرضية صعود الرواية على أنقاض الشعر. الشعر الذي ظل، حتى مطلع الربع الأخير من القرن العشرين، من أهم ما نملك، باعتباره وسيلة التعبير الأكثر مركزية في الإبداع الكتابي. وقد هيمن طويلًا على مدونة الأدب العربي، إلى حدٍّ أصبح فيه مرجعًا موسوعيًا لأمة الضاد. وعلى مدى قرون طوال في تاريخ ثقافتنا العربية، كان ظهورُ شاعرٍ أصيلٍ يُعد حدثًا يُحتفى به. لكن ما لبث هذا التقليد أن تلاشى تمامًا، حتى لم يعد الشعر العربي، من فرط عزلته، يقبض على شيء سوى المزيد من الازدراء.
تُعد فرضية صعود الرواية العربية على أنقاض الشعر، من بين الاحتمالات المرجحة في توصيف هذه الظاهرة. وهي، بقدر ما تشي بجزء من حقيقة تقويض صرح الشعر العمودي، الذي، كما يبدو، قد وصل إلى درجة عالية من الهشاشة، بحيث أخذ بنيانه يتداعى بكل يسر إزاء تلك المعارك التي كان، من جهة، يخوضها توهمًا ضد نفسه، ظنًا منه أن «قصيدة النثر» فرعٌ من سلالته. وكانت تلك من أكبر مثالب وحماقات خدع التأصيل، التي ما زالت، حتى يومنا هذا، تخوض معاركها المضادة مستخدمة الأسلحة والمواقع نفسها، مع تكرار فج لمعظم الحجج والأسانيد التي لطالما عبّرت عن مستويات من العمى. لأن «قصيدة النثر»، التي اتُّهمت، من جهة أخرى، بالمروق، لم تكن في جوهرها سوى نوع مستقل، لا علاقة له بالشعر العربي، لا من قريب ولا من بعيد.
والذين انتبهوا إلى هذه الحقيقة كانوا أكثر تبصرًا وفهمًا لهذه الظاهرة، التي مهدت، عبر معاركها الأولى، بطريقة غير مباشرة، لصعود الرواية، باعتبارها (أي الرواية) أقدر من الشعر على الإحاطة بمتطلبات الواقع. علاوة على كونها هي الأخرى جنسًا أدبيًا وافدًا، سيخضع، بالمثل، لحماقات التأصيل نفسها، التي ستعتبره امتدادًا لأدب المقامة العربية، و«ألف ليلة وليلة»، وغيرها من حكايات الأدب الشعبي.
السؤال الأكثر حيرة هو: إلامَ يُعزى هذا الانتقال التراتبي من الشعر إلى الرواية، من لسان العرب إلى مدونة العرب؟ وقد بلغت الرواية درجة عالية من التدفق، لتجرف كل ما يقع في طريقها من فنون وآداب، وتتبوأ، دون منازع، صدارة المشهد الأدبي، بوصفها السردية الأدبية الكبرى في لحظتنا الراهنة. سؤال ملح، يطمح إلى ملامسة العوامل المؤسسة لصعود الرواية العربية، والتي، كما أرى، هي أشمل من أن تُحصر في حيز محدود، سواء أكان سياسيًا أم اجتماعيًا، ولا سيما أن انحسار تداول الشعر، بالمقابل، كان يشكل، في اللحظة ذاتها، ظاهرة عالمية أخذت مؤشراتها تظهر بوضوح مع شيوع ثقافة العولمة، لتترسخ بدرجة أكبر مع مطلع ألفيتنا الثالثة.
مما تقدم سنميل إلى ترجيح انحراف كفة اللغة، كعامل أساسي، في ظهور نوع أدبي واختفاء آخر؛ ليس بوصفها (أي اللغة) المادة الخام لفضاء المتخيل السردي فحسب، بل في مدى قدرتها الفائقة على حسم إشكالياتها الداخلية أولًا، من حيث تقويض كل ما هو لاهوتي وأرستقراطي في مكوناتها الأسلوبية، ومن ثم إدماج المهمل والمُزدرى من أنماط التعبير، بحيث يغدو الدميم والفج والساخر والبذيء جزءًا حيويًا من نسيجها الحي، وشريكًا فاعلًا في تأثيث الجمال، عبر ضخ المزيد من الدماء الحارة في أوردتها. نشير هنا بصورة خاصة إلى إدماج لغة كلام (الهامش) ضمن نسيج السرد.
بالعودة إلى منتصف القرن العشرين، يمكننا رصد كيف بدأت لغة الشعر، للأسباب نفسها التي تتعلق بتحلل بعض الأنواع الأدبية، كالمقامة على سبيل المثال، في التراجع، جراء أزمة انهيار قصوى، برزت في أثنائها مظاهر خادعة لثورة شعرية، تمخض عنها بروز أشكال جديدة في الكتابة الشعرية، بينما، في الحقيقة، لم تكن تلك المظاهر سوى مؤشرات البداية لانتكاسة النوع الشعري بكل أشكاله الفنية. وإن ظلت «قصيدة النثر» على الركح تؤدي، توهمًا، دورًا عبثيًا، لكنها، في الحد الأدنى، ولمجرد مفارقة التسمية: «قصيدة النثر»، كسيمياء تجمع بين نقيضين في عبارة واحدة، ستخضع لهجمات شرسة من السخرية المضادة، لتجعل منها، حتى يومنا هذا، عرضة للتنكيل المستمر.
لكن اللافت للانتباه أنه، خلال استمرارية الجدل بين الحقلين: الروائي والشعري، لم يبدر عن أنصار الشعر التقليدي أي اعتراض إزاء استخدام عبارات من شاكلة: شعرية الرواية، شعرية العمارة؛ خلافًا لموقفهم من التضاد الناجم عن وسم «قصيدة النثر». ربما لأن نثر الشعر فيه مساس بلغة الضاد، كلغة مقدسة، ارتبطت بالقرآن الكريم، الذي، كما يذهب عديد من المحللين، لن يحتفظ بنفس دلالاته لو نُقل إلى اللغات الحية الأخرى. هذا الضرب من الذود عن اللغة غالبًا ما كان يُثار من أجل قصيدة لم تعد حاضرة كقيمة ثقافية وجمالية بشكليها: (عمودًا، ونثرًا). لذا كان لا مناص من تهشم صنمية اللغة، عبر تحريك المستضعف والهش والمُغفل من هامشها، وإعادة تدويره كمخزون حي يُعوَّل عليه.
وهكذا، لا يعد من المصادفة في شيء أن تشهد ضفاف النيل مشروع صعود الرواية العربية، طالما يُعزى الأمر إلى توفر جملة من الشروط الموضوعية، التي كانت المحرض، في عام 1914، وراء إصدار رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، كمحاولة بدت خجولة في حينها لتدشين صرح البدايات. حيث لم تسلم هذه المغامرة من مظاهر الحياء إزاء جنس أدبي غير مرحب به، مما حدا بالكاتب إلى أن يُغفل وضع اسمه على غلاف الطبعة الأولى، مكتفيًا باسم إشاري: «بقلم فلاح مصري».
كذلك حاول التحايل على تمويه هويتها عبر إضافة عنوان فرعي شارح هو: «مناظر وأخلاق ريفية»، وذلك خشيةً منه، كمؤلف، على مكانته السياسية والمهنية، باعتباره سليل عائلة مرموقة وثرية. وحسب تعبير جابر عصفور في كتابه: «زمن الرواية»، فإن المؤلف كان يتحاشى «أن يُعرف بصفة كتابة -الروايات- التي يكتبها ويطالعها من لا مكانة لهم بارزة في القوم، والتي لا تستخدم إلا في التسلية والتفكه وإضاعة الوقت الفارغ».
في خريف 1945 كتب نجيب محفوظ أن سيادة الشعر ارتبطت بأزمنة الفطرة والأساطير، بوصفه شكلًا من أشكال التعبير القديمة التي لم تعد تتماشى مع عصر العلم والصناعة والحقائق. وقد رأى في القصة أكثر مواءمة وترجمة لظواهر المجتمع، ليطلق عليها وصف: «شعر الدنيا الحديثة».*
حتى ذلك الحين، لم يكن لأدب القصة القصيرة أي حضور فاعل، وإن بدأت في مصر تعلن عن نفسها من داخل نسيج الرواية التاريخية أو الاجتماعية. وكان لنجيب محفوظ الدور المؤسس لرواية عربية ناضجة جماليًا، ظلت تتشكل يومًا بعد يوم، لتنقل المتخيل السردي من الهامش إلى المتن.
صحيحٌ أن الشعر ظل، حتى أواخر ثمانينيات القرن العشرين، صاحب الحصة الأوفر من مظاهر الاهتمام والاحتفاء، سواء من حيث حظوظ الإصدارات، أو الملتقيات والمهرجانات المنتظمة، فضلًا عن مناسبات التكريم، كالجوائز وغيرها. وكان فحول الشعر العمودي، أو رواد الحداثة من الجيلين الأول والثاني، في تياري شعر التفعيلة وقصيدة النثر، هم نجوم مشهدنا الثقافي.
الآن لا أظن أن قصيدة الجواهري، أو أدونيس، أو محمود درويش، ما زال في مكنتها الاحتفاظ بنفس تأثيرها الوجداني والمعرفي. ولعلنا بعد قليل سنعثر على إجابة شافية، فيما انطوت عليه الرواية العربية، خلال مسيرتها القصيرة نسبيًا، من مآثر وأسرار.
* جابر عصفور، «زمن الرواية»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.