هل بات تدمير الغابات في ليبيا أمرًا عاديًا، ما دام لا يتورع المجرمون، (مع سبق الإصرار والترصد) عن قتل الأشجار جهارًا نهارًا، والتنكيل بجثتها، وتحويلها إلى حطب أو فحم، أو حتى مقاعد وأسرة وأقفاص طيور.
لماذا صار هكذا جرم مألوفًا بقسوة، رغم بشاعته، وما ينجم عن تكراره من قبح ومضار اجتماعية واقتصادية، لها تأثيرها في تردّي أحوال البيئة، وتخلف المجتمع. قتلُ شجرة، سيكون سببًا مباشرًا لتوطين الجفاف، والقبح، والغبار، والكآبة، ونقص الأكسجين، ناهيك عن تفشّي العنف والبلادة والجهل وضيق الأفق، وبالتالي ستخضع مدنُ وبلداتُ الساحل الليبي بأسرها؛ ليس لكارثة بيئية فحسب؛ وإنما ستكون مستباحة لانتشار الجفاف الأمني والاجتماعي والأخلاقي. وقد صارت البلاد ساحة إعدام مخيفة، لا ملاذا آمنا.
فبينما يطمح المواطن الليبي الطيب لمعالجة مشاكل العيش، كالتضخم وشح السيولة، ونقص المحروقات، وانقطاع الكهرباء، وتلوث مياه الشرب، وغلاء الأسعار، وغياب الأمن، وقسوة المناخ، سعيًا لحياة كريمة وهانئة ومطمئنة، تتوفر على غذاء نظيف، وتأمين صحي، وتعليم جيد، ومواصلات عامة منتظمة، ومسطحات خضراء.
هل قلت خضراء، أجل خضراء، تؤثثها أشجارٌ سخيةٌ وجميلةٌ ومرحةٌ على مدار الحول. لكن أعداء الوطن والبيئة سوف يواصلون تكالبهم على جرف الغابات والبساتين، ليغرسوا بدلا منها كتل الاسمنت وحديد الخرسانة.
رغم علمهم أن الاعتداء على الغطاء النباتي يعد تخريبًا للطبيعة وتشويها لسماتها وتدميرًا لوظائفها وهندستها. ولردع مثل هذه الجرائم، وضعت تشريعات وقوانين، ووجدت محاكم، وقوات شرطة زراعية، وأخرى قضائية، وحرس غابات. كذلك ثمة خطباء جمعة مباركون يحبون الشجرة وثمارها الطيبة.
وأيضا محطات راديو وقنوات تلفزيون وصحف ومجلات ومنصات سوشيال ميديا، فضلا عن رياض أطفال ومدارس ومعاهد وجامعات. وجميع هذه المؤسسات توصي بضرورة المحافظة على الأغطية النباتية والأحزمة والمسطحات الخضراء، بوصفها مضخات أكسجين وظل، تحمي مدننا من آفات التصحر. ومع ذلك لم تتوقف حملات إبادة الغابات والحدائق لصالح الزحف العمراني الجائر كمقسمات سكنية عشواء. فأين يكمن الخلل، في الأخلاق، أم في تفعيل القانون؟
لعل السؤال الأكثر حيرة وقلقًا، والذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا يتألق فعل الهدم كأنه غاية؟ هل هو السلوك الغامض نفسه الذي يجعلنا نتجاهل صداقة الكتب والآداب والفنون، مَنْ يُحرّضنا على محاربة بيئتنا الخضراء عوض العيش فيها بسلام، والتمتع ببهائها ونعمها التي لا تحصى ولا تعد. فمنذ قليل (على سبيل المثال)، كانت طرابلس موئل بساتين وجنائن وحدائق ومزارع يُشاد بفضائل نبتها الطيب. فكيف اندثرت تلك المساحات الخضراء واحتلت فضاءها جدرانٌ صماء لا روح فيها.
هل لأن الشجرة تريد حقول الماء، ونحن لدينا حقول النفط والغاز. هل لأن الشجرة تريد أرضًا متسامحة ونظيفة، فيما لا نملك سوى الغبار، ودخان الحرائق؛ أمستْ البساتينُ والجنائنُ والطيورُ تهجر ليبيا، وتختفي من ترابها وأجوائها ومحيطها، لتجفل خارج حواسنا ولغتنا وأحلامنا؛ كأننا موتى.
حتى كراسات الرسم صارت مرتعًا للدبابات وحملة السلاح؛ طالما لم يتح لأطفالنا "الوقت الطيب"، لإبرام صداقات بريئة مع الشجرة ونسلها المبارك، مع ألوانها ورائحتها وظلالها وثمارها وحكاياتها.
كيف يمكن لمدينة ساحلية أن تصاب بعدوى التصحر؟ مدينة بأصالة طرابلس كحاضرة عريقة ظلت طوال ثلاثة آلاف عام، عاصمة مأهولة بالسكان والأمجاد. اشتهرت قبل بضعة عقود بجنان الورد والفل والريحان، وبساتين النخيل والزيتون والكروم والحمضيات.
بدأت مدينتنا تصاب بالتصحر، منذ تلك اللحظة اللعينة التي طغت فيها قداسةُ المال على قداسة الجمال. آنذاك قد لا تنقلب المدن إلى صحارى فحسب؛ بل إلى مقابر ونفايات وساحات إعدام. لأن تلوث البيئة مشروط بتلوث الأخلاق.
وعندما يتشوه الضمير فلا مناص من الخضوع لمشيئة الفساد والامتثال لمثالبه، التي ستفتك بالأخضر واليابس. ولأن من أقدم على جرف الغابات وحرقها، ليس عدوًا دخيلًا، أو عميلًا مندسًا، بل هو المواطن نفسه، مزوّر سجلات النفوس، والرقم الوطني، وجوازات السفر، ومهرب العملة الصعبة، والذهب والمحروقات. وتاجر الممنوعات، وسمسار الهجرة غير الشرعية.
وفي غياب الوازع الأخلاقي والردع القضائي، ليس من المستغرب على مثل هكذا نموذج فاسد خيانة الوطن، في سبيل الظفر بالغنيمة. حيث لا مجال للتنقيب عن الشرف، طالما من المتعذر إنقاذ شجرة واحدة من الهلاك.
ولأن غياب الشجرة إشارة مرور باتجاه العدم، ودلالة صريحة بأن إنسانيتنا بدأت تفقد بوصلة الطريق، أي أسباب وجودها فوق الأرض. هذا ما سوف تفضي إليه حماقة التخلّي عن شركائنا في الطبيعة، طالما يستحيل على ابن آدم مواصلة الحياة، دون أثر لبقية الكائنات الحية من حيوان ونبات. غيابُ الشجرة خللٌ فادح في هندسة البيئة ونظامها، أجل هذا ما سوف يحدث حين يتضافر الجهلُ والجشعُ على نفي الجمال العظيم الذي خلقه الله، وربّته الطبيعة.
وإزاء هذا الصنف من العبث المستعصي على الفهم، والعجاج الذي لا يكفّ عن إثارة الغبار، لن يمكننا التوصل لرؤية واضحة تدلنا على مخرج من هكذا انسداد مركّب. وإذا ما تفاقمت هكذا قسوة؛ فجلّ ما نخشاه آنذاك، أن نقف دون حول وقوة على حافة أزمة تصحّر قصوى، لا مجال فيها لحياة كائن سوى عجاج القبلي. فخذوا نفطكم وحروبكم وأحقادكم بعيدًا عن سمائنا، واتركوا لنا الشجرة. فقط نريد ليبيا التي نعرفها، طيبة ومسالمة ونظيفة من الشبهات؛ فقد تعبنا.