وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

مفتاح العماري يكتب: حكاية ليبية

 

من شواطئ حوض المتوسط إلى ضفاف نهر التايمز، أُتيح للحكاية الليبية أن تسافر من لغة إلى أخرى. هذا ما فعله الكاتب الشاب «يونس محجوب»، حين طوع لغته الإنجليزية لإعادة إنتاج مختارات من حكاياتنا المحلية. ليبادر والده الشاعر والباحث «منعم المحجوب»، من بعد، بنقلها مجددًا إلى العربية تحت وسم «بلاد اليميم»، وقد زودني، مشكورًا، بنسخة من المخطوطة المعربة.

ولأن كل شيء في هذا العالم يبدأ بحكاية، سيكون المرء أكثر فاعلية وحضورًا وانسجامًا مع نفسه ومحيطه الاجتماعي، عندما يبني حكاية تخصه بهيئة كلمات تُروى. فعبر الحكاية ينجم قدر من التحقق للراوي والمتلقي في آن واحد. لكن ما سر ارتباط هكذا نشاط بالليل، حيث تبدو أجمل أوقات الحكاية تلك التي تسبق ذهابنا إلى النوم، كأنها بساط ريح يحملنا إلى بر الأحلام؟ أو هي جسر بين مسافتين، وحياتين، وبين لغة ولغة. ويكفي أن كل شيء في هذا الكون يبدأ وينتهي بحكاية، بوصفها النسيج الأول لكل السرديات الأخرى. لهذا كنا، في أيامنا، نُصغي بكثير من الشغف والحماسة لمن بحوزته حكاية تُروى.

كان ذلك قبل أن يدخل التلفزيون إلى البيت الليبي، ويتعرف الأطفال على برامج الكرتون (الرسوم المتحركة). في ذلك الحين كان يقع على عاتق الجدة، أو الأم أحيانًا، تأدية دور الراوية، بطريقة لا تخلو من الطرافة والتمثيل، ولا سيما حين تقتضي بعض وقائع الخرّافة (كما كنا نسميها) تقليد أصوات الدواب والطير والمخلوقات الغريبة، التي تتطلب محاكاتها قدرًا من مهارة تقليد أصوات الحيوانات والمردة. وقد ظلت تتجلى مآثر هكذا مسامرات ومؤانسات في مجتمعنا الليبي حتى مطلع عشرية السبعينيات من القرن الماضي.

كأن هذه الباقة المقترحة من حكايات «بلاد اليميم» تطمح هي الأخرى، وبكثير من الاحتفاء والشغف، إلى استعادة تلك اللحظة، التي كانت خلالها الجدة تؤثث خيالنا بمغامرات أثيرة لا تُنسى؛ أي أنها تحاول إنصاف الجدة والحكاية في آن واحد، كضرب من الاعتراف والتكريم. فوحدها الجدة كتاب حكاياتنا الذي لا ينضب أبدًا؛ فما الحياة سوى حكاية صاغتها المخيلة الجماعية خلال مسيرتها، بحثًا عن الحقيقة، بوصفها خريطة افتراضية لمعرفة الطريق إلى الكنز.

وفي الأثناء قد لا تكفي حكاية واحدة، طالما هناك احتمال لأن تكون الطريق محفوفة بعديد المخاطر والمكابدات؛ لذا تضافر حشد من الحكايات التي لا تُحصى، من بينها هذه الفصيلة التي انطوت عليها «بلاد اليميم»، كما قرأتها في نسختها المترجمة إلى العربية، ليقترح علينا كاتبها أكثر من حكاية شعبية، من حكايات ليبيا؛ بعضها لا يزال يحتفظ بالمذاق نفسه الذي روته الجدات، فيما انزاح بعضها الآخر لتأثيث دلالات أكثر ثراء تحتمل تأويلات شتى.

ربما لأن التوغل بعيدًا في أسرار الحياة، بتجاربها وخبراتها، لن يكون بتلك الطمأنينة المرجوة، ما لم يكن في وسعنا تكريس الخيال أداةً لفتح المغلق. من هنا يبدأ تأثير الحكايات وفاعليتها في المجتمعات البشرية. فما المكابدة المضنية من أجل أن يتغلب الإنسان على المخاطر المحدقة به، لينتصر الخير على الشر من جهة، وأن تتحقق إرادة المعرفة عبر الظفر بالمفتاح السحري من جهة أخرى، إلا سلسلة طويلة من المغامرات باتجاه رحلة المغامرة والاكتشاف، في ملحمة الإنسان الكبرى.

تعد الحكاية الشعبية بمثابة الأم الحاضنة، والرحم الذي خرجت من لدنه الأجناس السردية بمختلف أنواعها: ملحمة، ومقامة، وقصة، ورواية؛ ولا سيما أن المتن الأكثر شهرة ورسوخًا في تراثنا الحكائي العربي جسدته حكايات شهرزاد عبر «ألف ليلة وليلة»، وكذلك حكايات بيدبا في «كليلة ودمنة». ويكفي أن القارئ في الضفة الأخرى، و(إلى وقت قريب)، يكاد لا يعرف شيئًا من أدبنا العربي، باستثناء حكايات شهرزاد، التي كادت تتبوأ مكانة تشبه تلك التي احتلتها ملحمتا الإغريق: «الإلياذة» و«الأوديسا». وحسب الدور المعرفي الذي اختزلته الحكاية، يمكن القول إنها كانت الإشارة الأهم لطفولة الحضارات.


فمنذ القدم بدأت الحياة بحكاية صغيرة. وثمة أسطورة أفريقية تقول إنه في الماضي السحيق لم تكن هناك حكايات على وجه هذه الأرض؛ لأن الملك الجبار، الذي يعيش في كوكب آخر، هناك حيث تلمع النجوم في السماء البعيدة، قد أخفى جميع الحكايات في صندوق ذهبي لا يُفتح أبدًا إلا بمعجزة السحر، خبأه بجوار عرشه الملكي. ولأن الرجل العنكبوت، كما تقول الأسطورة، كان يبحث عن حكايته الخاصة، صنع سلمًا من نسيج خيوطه الرقيقة القوية، وصعد إلى السماء القصية لكي يسترد حكايته الضائعة.

ما فعله «يونس محجوب» هنا قد يتعدى وظيفة توثيق ذاكرتنا السردية في مستواها الشعبي، وصبها في لغة أخرى، ليضمر، في الآن نفسه، عديد الإشارات المحفزة على إعادة تفعيل الحكاية وتدويرها، بوصفها تاريخًا للمعرفة، وطريقة مثلى للحوار والتفكير، وذاكرة جمعية ينبغي تعزيزها لتكون أكثر قربًا، ولا سيما من حقائب الناشئة. لأن أجمل ما في الحكاية أيضًا أنك، حيثما توغلت بعيدًا في هذا العالم، ستجد حكاية أخرى قريبة الشبه بحكايتك الأولى، تلك التي كنت تظن أنها تخصك وحدك، وإذا بها مشاعٌ يتداوله الناس في شتى أنحاء المعمورة. وغالبًا ما كانت الحكاية تُدشن سردها بالعبارة نفسها: «كان يا ما كان في قديم الزمان».


الخميس، 4 يونيو 2026

في توصيف العار

في توصيف العار: مفتاح العماري يكتب: في توصيف العار  

_______________________  

لأمرٍ يتعلق بحماقات التاريخ ومصادفاته وأكاذيبه، يحدث أحيانًا أن تكون جميع الأمراض الاجتماعية من سلالة قطاع الطرق. ينسحب ذلك على الفقر والحرب والخداع والخيانة والغش وانحدار الأخلاق، وعديد الآفات التي تستهدف العقل والجسد، كسلطة الجهل وهيمنة الوهن، واستبداد السرطان، عندما لا يبرح؛ فحتى بعد عملية استئصاله جراحيًا، سيخلّف الكثير من الفوضى التي يصعب التعايش معها سلميًا. إذ يحدث في الأثناء وجود ثوار دونما ثورة، ومناضلين بلا نضال، و"فرسان بلا معركة"، وسدنة رأي لا تجمعهم بصولات الرأي وبطولاته، سوى كونهم من فئة الكومبارس، الذين تحولوا بفعل المصادفة وأختها التوأم، إلى ممثلين رئيسيين.

وهكذا ستفرض المشيئة الغبية لمفارقات التاريخ وحماقاته الغريب ...... للمزيد افتح الرابلط

https://alwasat.ly/news/opinions/520247?author=1

الثلاثاء، 5 مايو 2026

المدينة الصحراء

المدينة الصحراء: مفتاح العماري يكتب: المدينة الصحراء 

_________________ 

هل بات تدمير الغابات في ليبيا أمرًا عاديًا، ما دام لا يتورع المجرمون، (مع سبق الإصرار والترصد) عن قتل الأشجار جهارًا نهارًا، والتنكيل بجثتها، وتحويلها إلى حطب أو فحم، أو حتى مقاعد وأسرة وأقفاص طيور.

لماذا صار هكذا جرم مألوفًا بقسوة، رغم بشاعته، وما ينجم عن تكراره من قبح ومضار اجتماعية واقتصادية، لها تأثيرها في تردّي أحوال البيئة، وتخلف المجتمع. قتلُ شجرة، سيكون سببًا مباشرًا لتوطين الجفاف، والقبح، والغبار، والكآبة، ونقص الأكسجين، ناهيك عن تفشّي العنف والبلادة والجهل وضيق الأفق، وبالتالي ستخضع مدنُ وبلداتُ الساحل الليبي بأسرها؛ ليس لكارثة بيئية فحسب؛ وإنما ستكون مستباحة لانتشار الجفاف الأمني والاجتماعي والأخلاقي. وقد صارت البلاد ساحة إعدام مخيفة، لا ملاذا آمنا.

فبينما يطمح المواطن الليبي الطيب لمعالجة مشاكل العيش، كالتضخم وشح السيولة، ونقص المحروقات، وانقطاع الكهرباء، وتلوث مياه الشرب، وغلاء الأسعار، وغياب الأمن، وقسوة المناخ، سعيًا لحياة كريمة وهانئة ومطمئنة، تتوفر على غذاء نظيف، وتأمين صحي، وتعليم جيد، ومواصلات عامة منتظمة، ومسطحات خضراء.

هل قلت خضراء، أجل خضراء، تؤثثها أشجارٌ سخيةٌ وجميلةٌ ومرحةٌ على مدار الحول. لكن أعداء الوطن والبيئة سوف يواصلون تكالبهم على جرف الغابات والبساتين، ليغرسوا بدلا منها كتل الاسمنت وحديد الخرسانة.

رغم علمهم أن الاعتداء على الغطاء النباتي يعد تخريبًا للطبيعة وتشويها لسماتها وتدميرًا لوظائفها وهندستها. ولردع مثل هذه الجرائم، وضعت تشريعات وقوانين، ووجدت محاكم، وقوات شرطة زراعية، وأخرى قضائية، وحرس غابات. كذلك ثمة خطباء جمعة مباركون يحبون الشجرة وثمارها الطيبة.

وأيضا محطات راديو وقنوات تلفزيون وصحف ومجلات ومنصات سوشيال ميديا، فضلا عن رياض أطفال ومدارس ومعاهد وجامعات. وجميع هذه المؤسسات توصي بضرورة المحافظة على الأغطية النباتية والأحزمة والمسطحات الخضراء، بوصفها مضخات أكسجين وظل، تحمي مدننا من آفات التصحر. ومع ذلك لم تتوقف حملات إبادة الغابات والحدائق لصالح الزحف العمراني الجائر كمقسمات سكنية عشواء. فأين يكمن الخلل، في الأخلاق، أم في تفعيل القانون؟

لعل السؤال الأكثر حيرة وقلقًا، والذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا يتألق فعل الهدم كأنه غاية؟ هل هو السلوك الغامض نفسه الذي يجعلنا نتجاهل صداقة الكتب والآداب والفنون، مَنْ يُحرّضنا على محاربة بيئتنا الخضراء عوض العيش فيها بسلام، والتمتع ببهائها ونعمها التي لا تحصى ولا تعد. فمنذ قليل (على سبيل المثال)، كانت طرابلس موئل بساتين وجنائن وحدائق ومزارع يُشاد بفضائل نبتها الطيب. فكيف اندثرت تلك المساحات الخضراء واحتلت فضاءها جدرانٌ صماء لا روح فيها.

هل لأن الشجرة تريد حقول الماء، ونحن لدينا حقول النفط والغاز. هل لأن الشجرة تريد أرضًا متسامحة ونظيفة، فيما لا نملك سوى الغبار، ودخان الحرائق؛ أمستْ البساتينُ والجنائنُ والطيورُ تهجر ليبيا، وتختفي من ترابها وأجوائها ومحيطها، لتجفل خارج حواسنا ولغتنا وأحلامنا؛ كأننا موتى.

حتى كراسات الرسم صارت مرتعًا للدبابات وحملة السلاح؛ طالما لم يتح لأطفالنا "الوقت الطيب"، لإبرام صداقات بريئة مع الشجرة ونسلها المبارك، مع ألوانها ورائحتها وظلالها وثمارها وحكاياتها.

كيف يمكن لمدينة ساحلية أن تصاب بعدوى التصحر؟ مدينة بأصالة طرابلس كحاضرة عريقة ظلت طوال ثلاثة آلاف عام، عاصمة مأهولة بالسكان والأمجاد. اشتهرت قبل بضعة عقود بجنان الورد والفل والريحان، وبساتين النخيل والزيتون والكروم والحمضيات.

بدأت مدينتنا تصاب بالتصحر، منذ تلك اللحظة اللعينة التي طغت فيها قداسةُ المال على قداسة الجمال. آنذاك قد لا تنقلب المدن إلى صحارى فحسب؛ بل إلى مقابر ونفايات وساحات إعدام. لأن تلوث البيئة مشروط بتلوث الأخلاق.

وعندما يتشوه الضمير فلا مناص من الخضوع لمشيئة الفساد والامتثال لمثالبه، التي ستفتك بالأخضر واليابس. ولأن من أقدم على جرف الغابات وحرقها، ليس عدوًا دخيلًا، أو عميلًا مندسًا، بل هو المواطن نفسه، مزوّر سجلات النفوس، والرقم الوطني، وجوازات السفر، ومهرب العملة الصعبة، والذهب والمحروقات. وتاجر الممنوعات، وسمسار الهجرة غير الشرعية.

وفي غياب الوازع الأخلاقي والردع القضائي، ليس من المستغرب على مثل هكذا نموذج فاسد خيانة الوطن، في سبيل الظفر بالغنيمة. حيث لا مجال للتنقيب عن الشرف، طالما من المتعذر إنقاذ شجرة واحدة من الهلاك.

ولأن غياب الشجرة إشارة مرور باتجاه العدم، ودلالة صريحة بأن إنسانيتنا بدأت تفقد بوصلة الطريق، أي أسباب وجودها فوق الأرض. هذا ما سوف تفضي إليه حماقة التخلّي عن شركائنا في الطبيعة، طالما يستحيل على ابن آدم مواصلة الحياة، دون أثر لبقية الكائنات الحية من حيوان ونبات. غيابُ الشجرة خللٌ فادح في هندسة البيئة ونظامها، أجل هذا ما سوف يحدث حين يتضافر الجهلُ والجشعُ على نفي الجمال العظيم الذي خلقه الله، وربّته الطبيعة.

وإزاء هذا الصنف من العبث المستعصي على الفهم، والعجاج الذي لا يكفّ عن إثارة الغبار، لن يمكننا التوصل لرؤية واضحة تدلنا على مخرج من هكذا انسداد مركّب. وإذا ما تفاقمت هكذا قسوة؛ فجلّ ما نخشاه آنذاك، أن نقف دون حول وقوة على حافة أزمة تصحّر قصوى، لا مجال فيها لحياة كائن سوى عجاج القبلي. فخذوا نفطكم وحروبكم وأحقادكم بعيدًا عن سمائنا، واتركوا لنا الشجرة. فقط نريد ليبيا التي نعرفها، طيبة ومسالمة ونظيفة من الشبهات؛ فقد تعبنا.