وسادة الراعي

وسادة الراعي
مدونة الشاعر: مفتاح العماري

الجمعة، 17 يوليو 2026

مهنَّد سليمان - يكتب: حوارية نقد الرواية الليبية تستعرض تحولات السرد وأسئلة النقد

 متابعات

حوارية نقد الرواية الليبية تستعرض تحولات السرد وأسئلة النقد

حوارية بعنوان “نقد الرواية الليبية”

احتضن بيت علي خليفة الزائدي للمقتنيات الكشفية بالمدينة القديمة مساء يوم الثلاثاء 14 يوليو الجاري ضمن فعاليات ليالي المدينة – الموسم الصيفي 2026، حوارية حملت عنوان “نقد الرواية الليبية”، نظمتها منظمة تفاصيل، بمشاركة الشاعر والكاتب مفتاح العماري، والناقد محمود ملودة، والشاعر والناقد عبد الحفيظ العابد، فيما أدارت دفة الحوار الكاتبة أحلام المهدوي، وسط حضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.

استهل الشاعر والكاتب مفتاح العماري مداخلته بالحديث عن التحولات التي شهدها المشهد الأدبي العربي، متوقفًا عند انتقال مركزية التعبير الإبداعي من الشعر إلى الرواية، معتبرًا أن الشعر، الذي ظل لقرون طويلة المرجعية الأبرز في الثقافة العربية، فقد تدريجيًا مكانته وهيمنته، وهي ظاهرة لا تقتصر على العالم العربي، بل ترتبط أيضًا بتحولات عالمية فرضتها العولمة وتغير أنماط التلقي الثقافي.

وأوضح العماري أن صعود الرواية لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية واللغوية، مشيرًا إلى أن اللغة تمثل العنصر الحاسم في تشكل الأجناس الأدبية، وأن الرواية استطاعت استثمار الحكاية بوصفها نواة أساسية لبناء النص السردي، في وقت شهدت فيه اللغة الشعرية تراجعًا ملحوظًا، حتى مع بروز أشكال جديدة كقصيدة النثر التي ما تزال تثير جدلًا نقديًا واسعًا.

كذلك توقف العماري عند أهمية اللغة الدارجة والشعر الشعبي الليبي بوصفهما خزّانًا غنيًا بالصور والتراكيب والمجازات، مؤكدًا أن الرواية الليبية استفادت من هذا الرصيد اللغوي في بناء خطابها السردي وتعدد أصواتها، وأن اللغة في الرواية ليست مجرد أداة لنقل الأحداث، وإنما عنصر تعبيري يكشف موقف الكاتب ويمنح النص أبعاده الجمالية والإنسانية. وانتقد في سياق حديثه بعض المشروعات الثقافية التي تُوجَّه إليها إمكانات كبيرة دون أن تحقق أثرًا معرفيًا حقيقيًا، مؤكدًا أن ذلك يعكس اختلالًا في ترتيب الأولويات الثقافية.

من جانبه، انطلق الناقد محمود ملودة من العلاقة بين الأدب والعمل، مستندًا إلى ما طرحه رينيه ويليك في كتابه نظرية الأدب، موضحًا أن الفنون والآداب تنشأ من طبيعة حياة الشعوب وأشكال إنتاجها، وأن الشعر العربي ارتبط تاريخيًا ببيئة العمل الصحراوية، بينما ارتبطت الفنون في مجتمعات أخرى بطبيعة أنشطتها اليومية.

كما فرّق ملودة بين السرد بوصفه ظاهرة إنسانية قديمة، والرواية باعتبارها جنسًا أدبيًا حديثًا، مبينًا أن السرد كان حاضرًا في الشعر والقرآن والأساطير، وأنه ارتبط بالتعبير عن الذات والفردانية، قبل أن تتبلور الرواية في أوروبا مع نشوء الطبقة البرجوازية، وهو ما تناوله عدد من المنظرين، وفي مقدمتهم ميخائيل باختين.

ورأى أن ظهور الرواية العربية ارتبط ببروز الطبقة الوسطى بعد الحرب العالمية الثانية، كما ربط تطور الرواية في العالم العربي والعالم الثالث بانتشار السينما، معتبرًا أن العلاقة بين الفنين كانت وثيقة، إذ وفرت السينما نموذجًا بصريًا أسهم في تطور الكتابة السردية.

وتناول ملودة مسار الرواية الليبية، متوقفًا عند تأثرها بالتيار الوجودي عقب الهزائم العربية، ثم التحولات التي أعقبت عام 1969، مشيرًا إلى أن عددًا من الكتّاب توقفوا عن الكتابة أو أعادوا توجيه موضوعاتهم بما يتوافق مع التحولات السياسية والثقافية. كما لفت إلى أن الرواية الليبية عانت من غياب المشاريع السردية طويلة الأمد، وهيمنة التجارب الفردية القصيرة، إضافة إلى التحديات الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تؤثر في حرية الإبداع وتلقي الأعمال الروائية، فضلًا عن ضعف الثقافة القرائية وسيادة الأحكام المبنية على السماع بدل القراءة.

بدوره، ركز الشاعر والناقد عبد الحفيظ العابد على واقع النقد الأكاديمي للرواية الليبية، مؤكدًا أن المناهج النقدية الحديثة ليست غريبة عن قراءة الرواية الليبية، بل إن الطابع الإنساني للعمل الإبداعي يجعلها قابلة للاستفادة من مختلف المناهج النقدية المعاصرة.

واستند العابد إلى مفهوم “الرواية الإجرائية” الذي طرحه الدكتور عبد الله العقيبي، ليطرح في المقابل مفهوم “النقد الإجرائي”، موضحًا أن كثيرًا من الدراسات الأكاديمية تلتزم بالإجراءات الشكلية للمناهج النقدية، لكنها تعجز عن إنتاج معرفة حقيقية بالنص الروائي، إذ تكتفي بحشد المصطلحات وإعادة سرد الحكاية دون تقديم تحليل نقدي عميق.

وتابع العابد بقوله : إن معظم الدراسات الأكاديمية حول الرواية الليبية تتناول المناهج البنيوية والسيميائية والسردية بوصفها عناوين عامة، لكنها لا توظفها توظيفًا معرفيًا حقيقيًا، كما انتقد استمرار بعض القراءات التي تتعامل مع الرواية بوصفها مجرد انعكاس مباشر للواقع، معتبرًا أن هذا التصور تجاوزه النقد الحديث منذ عقود، خاصة بعد الإسهامات التي أعادت النظر في مفهوم العلاقة بين الأدب والواقع، وأكدت استقلالية النص الأدبي وآلياته الخاصة في إنتاج المعنى.

اللافت أن الحوارية قد شهدت نقاشًا مفتوحًا بين المشاركين والحضور، تناول واقع الرواية الليبية، ومستقبل النقد الأدبي، وأهمية تطوير أدوات القراءة النقدية بما يواكب التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي، في إطار سعي فعاليات ليالي المدينة إلى تعزيز الحوار حول قضايا الفكر والإبداع، وإثراء المشهد الثقافي الليبي.